محمد السروجي

 

بين المناورة والمغامرة بل والمقامرة؛ أعلن وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك تصريحه باجتياح غزة أمام حشدٍ من أعضاء حزبه حين قال: "إن الذين يتوقون إلى العمليات العسكرية في قطاع غزة يجب ألا يقلقوا؛ لأنها ستحصل"، ثم عاد مرةً أخرى يعلن أن "اجتياح قطاع غزة شرٌّ لا بد منه"، مشيرًا إلى أن الصدام مع حركة حماس قادم لا محالة.

 

وهي تصريحات تعبِّر بالفعل عن صراع قادم لا محالة؛ لأنه صراعٌ بين المحتل الغاصب والمقاوم الصامد، لكنها جاءت خارج سياق الأحداث الحالية "التهدئة والحوار وتبادل الأسرى"؛ لذا فقد استغربها بل استنكرها عددٌ غير قليل من المراقبين، خاصةً بعد إشادة باراك نفسه ومنذ أيام بقدرة حماس على تحمُّل تبعات وصعوبات التهدئة! فما جدية هذه التصريحات؟ وما دلالاتها؟ وهل هي مناورة إعلامية ودعاية انتخابية كما قالت حماس؟ أم أنها قرارات حرب مؤجَّلة التنفيذ لحين وصول باراك إلى مقعد رئاسة الوزراء؟ وهل المناخ العام داخل وخارج المنطقة يساعد في هذا الاتجاه؟!

 

دلالات التصريحات

- تؤكد حالة الصراع المحموم بين الأطراف المتنافسة على مقعد رئاسة الوزراء.
- تُظهر حالة الارتباك والتخبط التي أصابت المؤسسات العسكرية والاستخباراتية التي ادعت (أشكنازي) دون دليل أنها تعرف مكان شاليط، وهو ما قُوبل باستهجان الصهاينة أنفسهم.

 

- محاولة للضغط على المقاومة لخفض سقف المطالب وإسراع خطوات التفاوض.

 

- محاولة لرفع الحالة المعنوية لجنود الاحتلال، وكذا تطمين يهود مدينتَي سديروت وعسقلان.

 

- تعكس حالة الإفلاس التي يعانيها الكيان الصهيوني بجناحيه السياسي والعسكري.

 

- تخالف المواصفات والمعايير السياسية والحنكة العسكرية، سواء بسواء.

 

- تدخل في باب المزايدة والدعاية الانتخابية ومغازلة تيار اليمين المتشدد والمتمثل في حزبي الليكود وشاس.

 

عقبات الاجتياح

يُدرك باراك وبكل تأكيدٍ أن القلق الذي يعانيه جيش الاحتلال ليس شوقًا للقتال بقدر ما هو رعبٌ وفزعٌ منه (راجع إحصاءات الأزمات النفسية والعصبية لجنود الاحتلال ونسب التهرب من التجنيد)، كما يدرك أن العمليات العسكرية شرٌّ لا بد منه على الكيان، ومع ذلك ففرص الحسم العسكري باجتياح غزة غير مستبعدة، لكنَّ الوقت الحالي ليس في صالح الكيان الصهيوني، ولأسباب عدة؛ منها:

- هاجس الفشل العسكري الذي يطارد جيش الاحتلال بعد الإخفاق المتكرر أمام حزب الله في يوليو 2006م وفي المحرقة الأخيرة "الشتاء الساخن" أمام حماس، والذي جعل رئيس الأركان الصهيوني يؤكد أن الجيش مرهق!.

 

- صواريخ المقاومة التي حوَّلت الجنوب الصهيوني إلى كابوس، بالإضافةِ إلى الثمن المعنوي الباهظ في ظل ضعف السيطرة على منافذ تهريب السلاح كما يزعم الكيان الصهيوني.

 

- فشل كافة الإجراءات الوقائية والدفاعية لتأمين مغتصبي سديروت وعسقلان رغم القبة الحديدية المزعومة.

 

- العمليات الجهادية النوعية التي أثبتت مهارة وكفاءة المقاومة على المستوى التخطيطي والتنفيذي والاستخباراتي، ومنها عمليتا معبر نحال عوز ومعبر كرم أبو سالم.

 

- الحالة المعنوية المنهارة لجيش الاحتلال الذي يعاني الأمراض والأزمات النفسية والهروب من التجنيد.

 

- عدم الانتهاء.. بل تعقد ملفات أطراف الصراع الأخرى (إيران وسوريا)، خاصةً بعد حالة التراشق الإعلامي المتبادل بين طهران والكيان الصهيوني.

 

- خوف الكيان الصهيوني من توحد فصائل المقاومة داخل فلسطين لمواجهة الاجتياح وخارج فلسطين بتهديد المصالح الصهيونية.

 

- رد الفعل الشعبي العربي والإسلامي في ظل أوضاع داخلية محتقنة ومتوترة، خاصةً دول الجوار في مصر والأردن بل وداخل الكيان الصهيوني.

 

هذا فضلاً عن التغيُّر المتوقع في المشهد السياسي داخل وخارج المنطقة؛ حيث نهاية ولاية الرئيس عباس بنهاية العام 2008م وأولمرت وبوش، ودخول إيران ودول الخليج على الخط الساخن بعد تصريحات مساعد وزير الخارجية الإيراني ضد الأنظمة الملكية في الخليج، وربما تحدث مفاجآت أخرى تخلط كافة الأوراق وتعقد الحسابات بل وتقلب الطاولة!.

------------

* M_srogy@yahoo.com