رحل عن عالمنا واحدٌ من أعلام الصحافة الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين.. إنه الكاتب الإسلامي الكبير حسن عاشور الذي حمل الأمانةَ من خلال (الاعتصام) المجلة الإسلامية الشهيرة والدار التي حملت رسالةً ساميةً على مدى نصف قرن تحضُّ الأمةَ على الاتحاد والاعتصام بشرع الله، وتطالب بتطبيقه وتتبنى وتكتشف الأقلام الواعدة التي خدمت وتخدم قضية الإسلام وتواجه الغزو الفكري وأساليبه الماكرة.

 

وقد ظلَّت المجلة الشهيدة تصدر خمسين سنة بعد أن أسقطها قانون جائر سنَّه سدنةُ الظلم الكارهون لكلمة الحق، وكان قد أنشأها والده الشيخ أحمد عيسى عاشور وعانى من مشاكل المجلة وعمل مطابع كانت متواضعةً، وكان يطبع كتبًا كان أولها (الفقه الميسر على مذهب الشافعي)، وعدة كتب ومن خلاله تعلمنا المهنة وتعلمنا الإخلاص والصدق والعمل المتجرد لوجه الله تعالى، كل واحد له خط، ولكن في النهاية يخدم الإسلام.

 

الوالد أيضًا سجَّل محاضرات الشهيد حسن البنا (حديث الثلاثاء) بخط يده مكتوبًا، وصدر في كتاب.

 

حتى وفاته

وخاضت (الاعتصام) معارك عاصفةً مع الحكومة والعلمانيين والكُتَّاب والصحفيين والمتطرفين المسيحيين والفرق المخالفة حتى ضاقت بها الحكومة، فقررت السلطات مصادرتها مع قرارات التحفظ عام 1981م، واعتقال القائمين عليها، ثم عادت إلى الصدور في فترة الثمانينيات وتوقفت في أواخرها بعد وفاة مؤسسها الشيخ عاشور.

 

(إخوان أون لاين) سجَّل مع الإعلاميين والكُتَّاب رؤيتهم لهذا الناشر والكاتب الإسلامي ورؤيتهم لمجلة الاعتصام كواحدةٍ من أهم المجلات في الصحافة الإسلامية.

 

الفدائي النقي

 

د. حلمي القاعود

يقول الكاتب الكبير الدكتور حلمي القاعود أستاذ الأدب والنقد بآداب طنطا: كنتُ في غمرات ما بعد الجراحة والخروج من غرفة العمليات عندما سمعتُ الخبر ولم أُصدِّق، ولكن الحقيقةَ لا تخفى، فقد فقدت بعض عمري بل كل عمري الذي عشته مع الحاج "حسن عاشور" في دار الاعتصام، كان الناس في مطلع السبعينيات من القرن الماضي يظنون (الاعتصام) مؤسسة ضخمة تشبه (الأهرام) أو (الأخبار)، ولكنها كانت غرفةً متواضعةً في شارع حسين حجازي أمام مجمع الضرائب، أخذتْ على عاتقها إصدار مجلة شهرية تهزُّ النظام وتقلقه.. إنها النملة التي تدخل أُذن الفيلَ فتفقده صوابه، وهو ما يُفسِّر إصرار السلطة على التخطيط للتخلص منها ومن أمثالها، وعدم عودتها ثانيةً إلى النور.

 

ويضيف: كان حسن عاشور المحرِّك الفعّال، وراء (الاعتصام)، يسهر الليالي لإعدادها وإخراجها وإصدارها، وكانت (الاعتصام) لا تملك المال، ولكنها كانت تملك الإيمان، فالتفَّ حولها كوكبة من الجنود المجهولين والكُتَّاب المخلصين الذين رفدوها بعطاءاتهم التي بارك الله فيها، وكانت هذه المجلة المتواضعة قاطرةَ الصحوة الإسلامية في السبعينيات حتى تدخلت قوى الشرِّ، وأغرقت البلاد والعباد في دوامةِ الدم والعنف والدموع التي بدأت في سبتمبر 1980م، وكان ما كان.

 

وقد تحوَّلت (الاعتصام) إلى مركزٍ للمستضعفين، يدافعون عن الإسلام ضد انتهازية اليسار وعملاء الغرب في الثقافة المعاصرة، وعن طريقها عرف الناس أصواتًا ترفض الظلم والاستبداد والخلل الاجتماعي.

 

ويقول الدكتور القاعود: كنت طرفًا متواضعًا في إصدار (الاعتصام)، وكنت أجلس مع الحاج حسن، وينضم إلينا أحيانًا رئيس التحرير الدكتور "محمد عاشور"- رحمه الله- فنكتب الصفحات ونعدها ونُصححها، ويأتي معنا بعض المصممين لإخراجها وتشكيلها فنيًّا بالصور والخرائط والخطوط، وكان الحاج حسن ينسى نفسه، في العمل حتى يؤذن الفجر.

 

بيد أن ما أُريد أن أؤكد عليه الآن هو أن الرجلَ- رحمه الله- كان فدائيًّاً نقيًّا- ولا أزكيه على الله- وكان يعطي الاعتصام من جيبه وجهده كثيرًا، وقد حاول بعضهم أن يستميله بالاشتراكات الحكومية الضخمة أو أشياء أخرى ولكنه أبى، فقد كان ابن أسرةٍ أعطت نفسها لله، واحتسبت السجن والملاحقة والمضايقة عند الله سبحانه.. اسأل الله أن يُسكنه الفردوس الأعلى، وأن يُنزله منازل الأبرار والصالحين، وأن يُلحقنا به على خيرٍ وهو على كل شيء قدير.

 

العائلة الإسلامية

ويضيف الدكتور شعيب الغباشي أستاذ الصحافة بجامعة الأزهر قائلاً: إن حسن عاشور ينتمي إلى أسرةٍ إسلاميةٍ أدَّت دورًا رائدًا في مجال الفكر والثقافة الإسلامية من صلب رجل رافق الإمام الشهيد حسن البنا هو الشيخ أحمد عيسى عاشور صاحب "كتاب الفقه الميسر" وكتاب "حديث الثلاثاء"، هذا الرجل الذي رزقه الله عددًا من الأبناء منهم الراحل حسن عاشور الذي أسس مع والده دار الاعتصام ومجلة الاعتصام.

 

أما الدر فقد نجح حسن عاشور أن يجعل منها دارًا إسلاميةً تثقيفيةً ليس على مستوى مصر فحسب بل على مستوى العالم الإسلامي، وكنا ونحن طلاب في السبعينيات إذا وجدنا كتابًا من دار الاعتصام أو دار الأنصار لصاحبها أسعد سيد أحمد وكشباب الحركة الإسلامية لا نتردد في اقتنائه وقراءته لأننا بلغت قناعتنا بأن مثل هذه الدار أو تلك لا تنشر إلا الفكر الإسلامي الصحيح النافع، وكانت تنشر لمؤلفين كبار مثل الشيخ محمد الغزالي والأستاذ أنور الجندي والكاتب محمد عبد الله السمان والشيخ محمد المجذوب وغيرهم من الكُتَّاب الإسلاميين.

 

أما المجلة فقد استطاعت حتى وقت مصادرتها إعلاء الصوت الإسلامي والجهر بالرأي المعارض ضد كل فكرٍ يجافي الإسلام، وقد تبوَّأت لنفسها مكانةً في الصحافة الإسلامية واجتذبت شرائح من المثقفين؛ حيث كانت مجلات (الدعوة) و(الاعتصام) و(الأمة) القطرية رافدًا قويًّا وغزيرًا بالمعلومات والثقافات المتنوعة في مجال الفكر، وتميَّزت (الاعتصام) بقوة حجتها وعلو صوتها منافحة عن الشريعة في مواجهة الشيوعيين والعلمانيين، واستطاعت أن تقدَّم رؤية إسلامية لمختلف القضايا، وكان على رأسها قضية تطبيق الشريعة الإسلامية؛ حيث كتب الشيخ محمود فايد مجموعة مقالات إلى الرئيس مبارك عن ضرورة وآلية تطبيق الشريعة على أساس أنها المخرج الوحيد للأمة من مشكلاتها.

 

وقد أسهمت المجلة في تقديم عددٍ من الكُتَّاب الإسلاميين منهم الدكتور حلمي القاعود؛ حيث كانت تفرد له الصفحات التي كان يمهرها دائمًا بقوله واسلمي يا مصر، مناقشًا فيها كافة القضايا الأدبية والثقافية، كما قدَّمت آخرين مثل الدكتور عبد الحليم عويس؛ ولذا عندما توقفت افتقدنا الصوت الإسلامي المنافح عن الإسلام والمعارض لكل تجاوز وإن صدر من علماء رسميين، وما زالت الساحة الصحفية تفتقد مثل هذه الصحافة الإسلامية الجريئة التي تتناول بقوة الحجة مختلف القضايا في مجال الفكر الإسلامي.

 

ليت الناشرين عاشور

 الصورة غير متاحة

د. عبد الصبور شاهين

الدكتور عبد الصبور شاهين الأستاذ بدار العلوم يقول: لقد تعاملت مع دار الاعتصام واستفدت منهم فائدة جمة بنشر الكتب التي قمتُ بترجمتها وتحقيقها وظلت العلاقة بيننا طيبة بفضل معاملة الأستاذ حسن عاشور الذي يعد ناشرًا ناجحًا لم يرتكب ما يرتكبه غيره من الناشرين من خيانة الأمانة وأكل أموال المؤلفين، بل كان يؤدي لكل ذي حقٍّ حقه وأحسب أن رصيده لم يكن في الدنيا بل ادخره الله له في الآخرة.

 

وقد تميزت الدار بنشر الكتاب الإسلامي ونجحت في تقديم الأعمال الإسلامية تقديمًا أمينًا وهذا هو المهم.

 

كما كان الأستاذ حسن عاشور يُشجِّع المبتدئين من المترجمين والمؤلفين ويأخذ بأيديهم إلى طريق الشهرة وأتمنى أن يكون كل الناشرين حسن عاشور ونسأل الله له الرضا والرحمة إنه على كل شيء قدير.

 

تطبيق الشريعة

الدكتور محمد طه أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر، والذي أعدَّ رسالته للدكتوراه عن معالجة تطبيق الشريعة الإسلامية في الصحافة المصرية يقول: إن (الاعتصام) إحدى المجلات التي تبنت الحديث عن الإسلام بشكلٍ شامل، وكان لها اهتمام بارز بتنوير الرأي العام بسلسلةٍ من المقالات عن حتمية تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال السبل لتنفيذ الأمر على الحاكم في اتخاذ القرار والمحكوم في القبول به لإرضاء الله عز وجل، وحتى يسود الأمان في المجتمع.

 

وكانت نظرة مجلة الاعتصام مختلفةً عن جميع المجلات محل الدراسة؛ حيث ناقشت الموضوع بأسلوبٍ مبسطٍ، وقدمت الإسلامَ على أنه حل عملي لمشاكل العالم المعاصر وقربت مفهوم الشريعة للقارئ العادي، وفي أحد الأعداد قدمت تحليلات صحفية رصينة قارنت فيها بين العقوبة في الشريعة الإسلامية وبين السجون وما فيها من انتهاكات فهي ليست للإصلاح، بل لتدريب المجرم على الإجرام أكثر وأكثر، وأظهرت مدى انعكاسات هذه السجون على المجتمع وعلى الأسرة المسلمة في غياب عائلها، وكشفت بالأرقام حقائق مرعبة عن انتشار الأمراض داخل السجون نتيجة الشذوذ والانحراف الأخلاقي داخل السجون، وكانت تتحدث عن الإحصاءات في العالم وليس مصر وحدها وأن تطبيق العقوبة وفقًا للشريعة الإسلامية إنما تخص الجاني وحده بخلاف عقوبة السجن التي يتعدى ضررها إلى الأسرة والاقتصاد الوطني والمجتمع المسلم ككل، وهي عقوبة غير رادعة طبقًا للإحصائيات والأرقام المتزايدة في ارتكاب الجرائم.

 

وكان لتناول المجلة موضوع الشريعة الإسلامية وإزاء الحقائق التي قدمتها الفضل في تبني المشرع المصري تقنين الشريعة الإسلامية، وفعلاً تم إنشاء لجان لتقنين الشريعة برئاسة الدكتور صوفي أبو طالب وتصدَّى لها في المجلس الشيخ صلاح أبو إسماعيل، كما وُجد مشروع التكامل بين مصر والسودان في تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن الرئيس أنور السادات أوقف كل ذلك، ولكن الفضل يرجع إلى مجلة الاعتصام وإن لم يتم التطبيق فالغرض قد تحقق حينها.

 

ويضيف الدكتور محمد طه أن (الاعتصام) كانت تُعنى بالثقافة الإسلامية فكانت تقدِّم نموذجًا واعيًا لتطبيق الإسلام كنظامٍ على غير المسلمين وتصحيح الأخطاء لدى المسلمين في تعاملهم مع الآخر؛ حيث إنها التزمت منهجًا إسلاميًّا لم يسايرها فيه المجلات الإسلامية الأخرى حتى اليوم؛ مما أدَّى إلى تميزها.

 

جهاد بالقلم

 الصورة غير متاحة

بدر محمد بدر

ويرى الكاتب الصحفي بدر محمد بدر مدير تحرير جريدة (آفاق عربية) سابقًا أن الأستاذ حسن عاشور صاحب قلم حر، ونذكر له قيامه بواجب الدعوة والجهاد بالقلم في فترة السبعينيات والثمانينيات في مجلة (الاعتصام) التي كانت لسانًا حرًّا يأخذ الإسلام بشموله وكماله، ويتحدث في كل الموضوعات التي تهم المسلم، ويطرق كل المجالات على الساحة ويجمع أصحاب الرسالة من الكتاب ليقولوا كلمة الحق، فقد كان فارسًا من فرسان هذه المرحلة على الرغم من الظروف القاسية التي خرجت فيها المجلة من تضييق من الناحية السياسية، وخاصة بعد أن اغتيل السادات، واتُهم الإسلاميون باغتياله وأُغلقت المجلة في عام 81 من القرن الماضي ثم عادت للظهور مرة أخرى، إلا أن النظام لم يستطع تحملها وشقيقتها (الدعوة) فأضاف مادة في القانون مفصلة حتى يتم إغلاقهما بعد وفاة صاحب الامتياز.

 

ومع ذلك فقد استطاعت (الاعتصام) خلق مدرسة في الصحافة الإسلامية تتميز بالقوة والجرأة والحيوية وقدمت مساحة للعاملين في الحقل الإسلامي من الشباب والدعاة، فضلاً عن الدعم النفسي والمعنوي وساهمت في دعم الإعلام الإسلامي.

 

ويضيف إن دار النشر احتضنت الفكر الإسلامي الحركي والدعوي وقدمت الكتاب الإسلامي أكثر جودة وفي أحجام مختلفة ونجحت في أن تصل إلى القارئ ليس في مصر بل العالم العربي والإسلامي وهي في هذا لا ترجو الربح المادي بقدر نشر الرسالة الإسلامية مع المحافظة على الجودة والفنية المطلوبة مما جعلها في مصاف دور النشر الكبرى.

 

المجلة الأولى

الدكتور جابر عبد الموجود أستاذ ورئيس قسم الصحافة والإعلام بجامعة الأزهر من الذين تناولت دراساتهم مجلة الاعتصام أيضا فيقول: تعد هذه المجلة أفضل المجلات الإسلامية التي صدرت في مصر والوطن العربي وتناولت كثيرًا من القضايا الحساسة التي تتعلق بواقع الأمة الإسلامية ولا تجرؤ الصحافة الدينية التي تسيطر عليها الدولة بل تناولتها الاعتصام بعمق وموضوعية.

 

وما زلت أحتفظ بأعدادها وأرجع إليها عندما أريد التعرف على قضية دينية لما تطرحه من رؤى لها اعتبارها في الفكر الإسلامي المعاصر.

 

أما عن دار النشر التي أدارها الأستاذ حسن عاشور فيقول عنها الدكتور جابر عبد الموجود: لقد أسهمت في نشر الثقافة الإسلامية والتراث وجعلت لها جمهورًا من الذين يتزودون بالعلوم الشرعية والفكر الإسلامي

 

وسطية المنهج

ويشير الدكتور محيى الدين عبد الحليم أستاذ الإعلام الإسلامي بجامعة الأزهر إلى أن مجلة الاعتصام قد أخذت منهجًا وسطيًّا في معالجة القضايا الإسلامية متخذةً من قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا.... (آل عمران: من الآية 103)  شعارًا عمليًّا على الساحة الإسلامية في المجال الإعلامي قادت المجلة الرأي العام في الكثير من القضايا الفقهية بالإضافة إلى قضايا الفكر الإسلامي ومما يؤخذ على المجلة أنها افتقرت إلى الإبداع في الإخراج الصحفي؛ حيث تم الاهتمام بتجويد المضمون على حساب الناحية الفنية رغم أهميتها الشديدة في جذب القارئ، ولكن هذا لا يقلل من دورها الرائد في الصحافة الإسلامية فرحم الله كاتبها الأستاذ حسن عاشور صاحب هذه البصمة الواضحة.

 

ويترحم الناشر عاصم شلبي على الكاتب الكبير حسن عاشور ويصفه بأستاذ النشر الإسلامي، مؤكدًا أن دارَ الاعتصام قامت بدورٍ كبيرٍ في تنوير الشباب المسلم طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات.