أكدت دراسة فقهية حديثة عدمَ جواز إجبار الحكومة أو ولي الأمر أي شخص على إجراء الفحص الطبي قبل الزواج من أي مرض، موضحةً أن ذلك افتئاتٌ على الحرية الشخصية، ويسبِّب عدة مشاكل مادية ونفسية تتمثَّل في التكاليف المالية، وكذا خوف المقبلين على الزواج من نتائج الفحوصات وعواقبها على حياتهم؛ مما يدفعهم إلى اجتناب الزواج أو التحايل عليه بالزواج السري أو بشراء الشهادات الطبية التي تثبت سلامة الشخص من العيوب الوراثية أو الصحية بالمال؛ مما يفتح بابًا للمخالفات الأخلاقية التي يرفضها الشرع، ومن ثم تكون هذه الفحوصات اختيارية وليس إجبارية.
أما إذا انتشر مرض معين في منطقة معينة، وكان المتزوجون من أهل المنطقة- وهم معرَّضون غالبًا لانتقال الأمراض الوراثية أو المعدية- فلا بأس بطلب الفحص الطبي قبل الزواج في هذه المنطقة فقط.
وكان الباحث طرح سؤالاً: هل يجوز للدولة أن تُلزم كلَّ من يتقدَّم للزواج بإجراء الفحص وتجعله شرطًا لإتمام الزواج أو أنه اختياري فقط؟
وذكر الباحث أن للعلماء رأيين في هذا الأمر؛ الأول يقول إنه يجوز لولي الأمر إصدار قانون يُلزم فيه كلَّ من يتقدَّم للزواج بإجراء الفحص الطبي؛ بحيث لا يتم الزواج إلا بعد الحصول على شهادة طبية تُثبت أنه لائق طبيًّا، وقال بذلك الشيخ محمد الزحيلي من سوريا، ود. ناصر الميمان الأستاذ بقسم الشريعة جامعة أم القرى، والدكتور عبد الفتاح فايد أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، والدكتور محمد عثمان شبير أستاذ الفقه بالجامعة الأردنية، والدكتور أسامة الأشقر، والدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق.
واستدلَّ أصحاب هذا الرأي بوجوب طاعة ولي الأمر في المباحات وقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: من الآية 195)، وقوله تعالى على لسان زكريا عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران: من الآية 38)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا توردوا الممرض على المصح".. وفيه نهيٌ عن اختلاط الأصحَّاء بالمرضى وقايةً لهم من الأمراض المعدية، وهذا لا يعلم إلا بالفحص الطبي.
عدم الجواز
أما الرأي الثاني فهو عدم جواز إجبار أي شخص على إجراء الفحص الطبي، ولكن يجوز تشجيع الناس على إجرائه ونشر الوعي بالوسائل المختلفة بأهمية الاختبار الوراثي، وذهب إلى هذا الرأي الشيخ عبد العزيز بن باز من السعودية، والدكتور عبد الكريم زيدان أستاذ الفقه بالجامعات العراقية واليمنية، والدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، والدكتور محمد عبد الغفار الشريف عميد كلية الشريعة بجامعة الكويت والدكتور عارف علي عارف.
واستدلَّ هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"؛ فالنبي ذكر الدين والخلق ولم يذكر الصحة، والأصل أن الإنسان سليم، ومن ثم فلا يجب إجبار أحد على إجراء الفحص، وأن الفحص يكون على مرضين أو ثلاثة أو حتى عشرة، والأمراض الوراثية المعلومة اليوم كثيرة جدًّا، وكل عام يكتشف مرض جديد، فإذا ألزمنا الناس بالفحص عنها جميعًا فقد يتعذَّر الزواج ويصعب وينتشر الفساد، وإن تصرفات ولي الأمر في جَعْل الأمور المباحة واجبًا إنما تجب الطاعة فيها إذا تعيَّنت المصلحة أو غُلِّبت؛ للقاعدة الفقهية: "تصرُّف الإمام على الرعية منوطٌ بالمصلحة"، وإلزام الناس بالكشف قبل الزواج فيه مفسدة عظيمة تزيد عن المصلحة، وهذا الرأي ما اختاره الباحث.
وأشارت الدراسة التي حصل بها الباحث عبد الفتاح أحمد أبو كيله بكلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف على درجة الماجستير في الفقه العام من كلية الشريعة والقانون بدمنهور جامعة الأزهر.. إلى ترك الأمر للخاطبَين أنفسهما دون تدخل أو ضغط من الحكومات أو المؤسسات الطبية أو غيرها، وذلك إذا أراد أحدهما من الآخر إجراء الفحص كان له ذلك، وإذا رضي الطرف الآخر فعليه الالتزام، كما يجوز لأحد الخاطبَين اشتراط الفحص قبل الزواج؛ لأنه شرطٌ لا يخالف الشرع، كما أنه يجب عل كلٍّ من الخاطبَين أن يصارح الطرف الآخر بحقيقة مرضه، ولا يجوز له أن يكتم وإلا اعتبر في هذه الحالة غشَّاشًا ومُدلِّسًا.
وأضاف الباحث أن العدول عن الخِطْبة حق لكلٍّ من الطرفين إذا تبيَّن له أن بالآخر مرضًا وراثيًّا ينتقل إلى ذريته أو معديًا ينتقل إليه عبر الجماع.
وأجازت الدراسة التي جاءت تحت عنوان "الفحص الطبي قبل الزواج والأحكام الفقهية المتعلقة به" إجراء الفحص الطبي قبل الزوج، مع اشتراط الوسيلة الآمنة المباحة؛ وذلك اعتمادًا على التكييف الفقهي والشرعي؛ لأن إجراء الفحص يحقِّق مصالحَ شرعيةً راجحةً، ويدرأ مفسدةً متوقعةً، وليس في هذا مضادٌّ لقضاء الله وقدره.
وينفع الفحص الطبي قبل الزوج، خاصةً في العائلات التي لها تاريخ وراثي لبعض الأمراض ويتوقع الإصابة بها يقينًا أو غالبًا، والمتوقع كالواقع، والشرع يحتاط لما يكثر وقوعه احتياطًا لما تحقق وقوعه.
وأشارت الدراسة إلى أن الفحص الطبي لا يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية ولا مع الزواج؛ لأن الزواج من الأصحَّاء يدوم ويستمر أكثر من زواج المرضى، والشرع أوصى باختيار الأصلح والأحسن لتحقيق مقصود الزواج والمحافظة على النسل، خاصةً أن النسل الصحيح لا المريض هو مقصود الشريعة.
وأكد الباحث أن الحكم بالجواز جاء متوافقًا مع القواعد الشرعية الأصولية والفقهية؛ لأنه إن أمكن رفع وإزالة الضرر قبل وقوعه تجنُّبًا للمفاسد فهذا أولى من إزالته بعد الوقوع، خاصةً أن الفحص الطبي قبل الزواج يُعد من العلاجات الوقائية، وقد أمر الشرع الحنيف بالوقاية من الأمراض، وفيه رعايةٌ لمصالح المسلمين، وحرصٌ على أرواحهم ونسلهم.
واستدلَّ الباحث بفتوى المجلس الأوروبي للإفتاء بالجواز في بيانه الصادر في 27 فبراير 2005م.
تدريس الفقه للأطباء
وأوصت الدراسة بتضمين مقرّرات ومناهج كليات الطب بالجامعات مادة "قضايا فقهية معاصرة"؛ تهتم بقضايا الطب وعلاقتها بالشريعة الإسلامية؛ حتى يكون الطبيب على علم بأمور دينه ورأي الدين في المستجدات في علم الطب، وكذا تضمين المقرَّرات الدراسية في المدارس معلوماتٍ ميسرةً وإرشاداتٍ صحيةً يسيرةً تساعد على توعية الطلاب بمخاطر التلوث، وتشوُّه الأجنَّة والعيوب الخلقية والأمراض الوراثية، وأن تتبنَّى وسائل الإعلام نشر الوعي بين الناس بهذه المخاطر.