نواصل اليوم حديثنا عن جماعة الإخوان المسلمين والأزهر الشريف ذي التاريخ المجيد، والمعقل المنيع للعلم والدين ولغة القرآن الكريم، والمثابة الرحبة لطلاب العلم من الأمم الإسلامية.
وقد كان المسلمون يتطلعون في كل شئونهم الدينية إلى الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، ويعقدون على حكومتها كل آمالهم من حيث الزعامة والرياسة، وظلت الحال على هذا الوضع إلى أن ألغى كمال أتاتورك الخلافة، وقلبوا نظام حكومتهم إلى حكومةٍ لا دينية، عندئذٍ تغيَّر موقف الأزهر ومصر تبعًا له تغيُّرًا كبيرًا، وتحوَّلت وجوه المسلمين شطر الأزهر، وغدت مصر لا مندوحة لها عن حمل راية زعامة الشعوب الإسلامية في العلوم والفنون والاجتماع، وأصبح واجبًا على الأزهر أن يقوم بمهمة المرشد الروحي لمسلمي العالم كافة؛ إجابةً لما عقدوه عليه من آمال، وما وضعوه في رجاله من ثقة، وزاد موقفه تغيُّرًا تطور أفكار الناس في أوروبا بعد الحرب العظمى، وتحوُّلهم إلى الناحية الروحية من البحوث، وتعرُّضهم لدراسة المعتقدات والديانات المختلفة بصورة أوسع مما كانت من قبل، واتجاههم إلى الأزهر في كل ما تتناوله بحوثهم في الناحية الإسلامية؛ ولذلك أولاه الإمام البنا والإخوان من الرعاية والاهتمام بأحواله ما لم يُوِلِ هيئة أخرى.
وقد اهتم الإخوان بأخبار وأحداث الأزهر؛ لأنهم نظروا إليه على أنه حامي الإسلام، وحائطٌ ضد حملات التبشير.
ولشدة اهتمام الإمام البنا بالأزهر وإصلاحه كان دائمًا يعمل على تنقية الأجواء بينه وبين الإخوان المسلمين، والرد على أصحاب القلوب المريضة الذين يحاولون نشر الشقاق بين الأزهر والإخوان.
وكتب الأستاذ البنا مقالاً تحت عنوان "إخوان وأزهريون"؛ حاول فيها تنقية الجو بين الأزهر والإخوان؛ ردَّ فيه على مروِّجي الفتن بين الهيئتين، جاء فيه:
"قصة الملك والوزير"
قالوا: إن ملكًا كان دائم الخلاف مع وزيره، وكان الوزير دائم الخلاف مع الملك، فأراد حكيمٌ أن يتدخَّل بينهما ليحسم مادة هذا الأمر بأن أحضر ورقةً على أحد وجهيها صورة من أجمل ما يتصوَّر الناس، وعلى الوجه الآخر صورة أخرى دميمة شوهاء، وعرض الأولى على الملك وأخفى الثانية، فأظهر الاستحسان، ثم عرض الثانية على الوزير وأخفى الأولى فأغرق في الاستهجان، واشتدَّ الجدل واحتدم الخلاف، فتقدَّم إليهما وأظهر لهما الوجهين معًا فسلَّم كلٌّ منهما برأي صاحبه، وانتهى بينهما عهد الخصومة والخلاف.
وكذلك الناس في كل شئونهم لو أنصف بعضهم بعضًا وأحاط كلٌّ منهم بما عند الآخرين ونظر إلى الأمر من كل وجوهه لا من زاوية واحدة لاستراحوا من كثير من عناء اللدد في الخصومة والمراء بغير الحق.
ومن هذا القبيل ما نشب أخيرًا بين بعض الكتاب الأزهريين والإخوانيين على صفحات الجرائد وأراد بعض ذوي الغايات استغلاله لخلق فتنة لا وجود لها، ولا خير فيها بين الأزهر المعمور وهيئة الإخوان.
فريق يرى أن الأزهر هو معقل الدين ومثابة المؤمنين والبقية الباقية من مواريثنا الخالدة ومفاخرنا المجيدة، وأن كل مهاجمة له أو عدوان على حقه أو انتقاص لأبنائه تعرُّضٌ لحصنٍ من أقوى حصون الإسلام يجب على كل مسلم أن يدفعه وأن يقف دونه؛ حتى تظل هذه الشعلة من هداية الله وضَّاحة السنا، باهرة النور والضياء.
والفريق الثاني يسلِّم بهذا المعنى ولا يجادل فيه، ولكنه ينظر إلى الأمر من زاوية أخرى؛ هي زاوية الرغبة الأكيدة التي تمليها الغيرة الشديدة في السير في مدارج الكمال والابتعاد عن كل معوِّق للأزهر وأبنائه عن أداء رسالتهم الجُلَّى، ومهمتهم السامية من إعلاء كلمة الله وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين.
ولا شك أن الفريق الأول يشارك الثاني هذا الشعور، ويتمنَّى تحقيق هذه الآمال؛ فلا خلاف إذن بين الفريقين إلا في أن كلاًّ منهما ينظر من زاويته فذكر شيئًا وغابت عنه أشياء.
أما الإخوان المسلمون كهيئة إسلامية تعمل لخدمة هذا الدين وإعادة مجده وتحقيق دولته ودعوته، فإنهم يعلنون في كل مناسبة أن الأزهر هو العَلَم المرفوع للدلالة على هذا الدين الحنيف، وأن أبناءه من طلاب وعلماء وخريجين هم الجيش النظامي الرسمي لدعوة الإسلام، وأن الإخوان هم الكتائب المتطوعة في صفوف الجيش؛ تمده وتقويه، وتعاونه وتؤازره، ومحالٌ أن تخاصمه أو تعاديَه، وهم يذكرون جيدًا ما قاله أحد خصوم الإسلام من أن هناك دعائم ثلاثًا؛ إن ظلت قائمة فلا مطمع لأحد في القضاء على هذا الدين: القرآن، والكعبة، والأزهر، ولقد قامت دعوة الإخوان وما زالت تقوم على جهود نخبة ممتازة من أبناء الأزهر الأكرمين.
وإن أبناء الأزهر لأدق حسًّا وأطهر نفسًا وأزكى فؤادًا من أن تخدعهم أباطيل ذوي الأغراض الحزبية الذين يرون في الأزهر وفي الإخوان معًا قوة إسلامية تحول دون ما يشتهون، فهم يودون بجدع الأنف أن لو استطاعوا أن يضربوا بعضهم ببعض، ولن يستطيعوا بإذن الله.
أما من حيث الموضوع فإن للإخوان عدة مذكرات منذ عام 1354 هجرية؛ منها ما هو خاص بالأزهر فقط، ومنها ما يتناول فكرة توحيد مناهج التعليم يوم ظهرت هذه الفكرة وتبودلت فيها أحاديث بين فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي رحمه الله وبين معالي وزير المعارف محمد حسين هيكل باشا حينذاك، ولم تسفر هذه الأحاديث عن شيء، وسننشرها للذكرى والتاريخ في عددٍ قادم إن شاء الله.
وأمر الإصلاح الصحيح أَجَلُّ وأخطر من أن تتناوله الأقلام على صفحات الجرائد السيارة قبل التمحيص الدقيق والنظر الثاقب المحيط، والإخوان على استعداد دائمًا لتقديم كل مساعدة بالرأي أو العمل إذا طلب إليهم ذلك أو بالنصح والبيان إذا رأوا ما يدعو إليه، والدين النصيحة ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب: من الآية 4)".
حسن البنا
وعندما حدثت الأزمة التي بين مرشَّح الملك الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ معهد أسيوط، ومرشَّح وزارة الائتلاف (الوفد والأحرار الدستوريين) الشيخ محمد مصطفى المراغي على من يتولَّى منصب شيخ الجامع الأزهر عام 1927م، واستطاع الشيخ المراغي أن ينالها، غير أن الملك رفض المشروع الذي قدَّمه لتطوير الأزهر؛ مما دفعه إلى الاستقالة، وعلى إثرها عُيِّن الشيخ الظواهري الذي كان ينتهز كل فرصة لإظهار ولائه للملك بإقامة الحفلات وإلقاء الخطب في المناسبات الملكية؛ كأعياد الميلاد والشفاء من المرض ونحوها، حتى أعاد إلى الملك تبعية الأزهر، وجعل حقَّ تعيين شيخ الجامع ووكيله وشيوخ المذاهب والمعاهد ووكلائها والوظائف الكبيرة كلها بأمرٍ من الملك وحده، فسخط رجال الحركة الديمقراطية على الشيخ الظواهري، وشرع الشيخ الظواهري في قمع الأزهريين الذين يناصرون الحركة الديمقراطية، ومن جهةٍ أخرى عانت مصر في تلك الفترة من أعباء الأزمة المالية العالمية المعروفة، وحدَّت هذه الأزمة من قدرة الشيخ والحكومة على التوسعة على خريجي الأزهر في مجالات التوظيف ورفع المرتبات؛ مما أسخط الأزهريين عليه، فكان مما صنع أن فصل من الأزهر 72 من شيوخه وعلمائه، وكان منهم الشيخ إبراهيم اللقاني، والشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ شلتوت، والشيخ محمد عبد اللطيف دراز، والشيخ علي سرور الزنكلوني.
لذلك ما إن بدا في الأفق السياسي قرب انتهاء النظام القائم في أواخر وزارة عبد الفتاح يحيى حتى انفجر ما يسمَّى ثورة الأزهر على الظواهري، وفي 8 نوفمبر 1934م قرَّر قسمٌ من طلبة الأزهر الإضراب عشرة أيام، ثم تابعه جميع طلاب الأزهر، واستمرُّوا في المظاهرات رغم فصله زعماء الطلاب فصلاً نهائيًّا؛ كان منهم الشيخ أحمد حسن الباقوري والشيخ محمد المدني، وتألَّبت على الشيخ الظواهري كل القوى الشعبية والحزبية ما عدا الملك الذي اضطر إلى قبول استقالته في 27 أبريل 1935م، وعاد المراغي شيخًا للأزهر للمرة الثانية، فأعاد على الفور المفصولين والمنقولين وغير ذلك من الإجراءات الجزئية.
ودعا الشيخ المراغي الشيخ أحمد حسن الباقوري وقدَّم إليه هدية منه "مصحف" تقديرًا منه لجهوده في إعادته إلى الأزهر.
وقد أرسل إليه فضيلة المرشد العام برسالة تهنئة تحت عنوان: "إلى فضيلة الأستاذ الأكبر.. الشيخ محمد مصطفى المراغي"، وهذا نصها: "نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد إمام الهادين وسيد المرسلين وقدوة العالمين العاملين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد..
فقد كانت أمنية فتحققت، وكان أمل مرجَّى فأدركه آملوه، وكان ليل طال بالسارين مداه فطلع عليهم فجره ساطعًا وضَّاح الجبين، وعند الصباح يحمد القوم السُّرى.
والآن وقد وكل الله إليكم رعاية أقرب طائفة من الأمة إلى الإسلام وحقوق الإسلام وتعاليم الإسلام وحياطة الإسلام، في عزة أبية جعلت القلوب ملتفة حولكم والآمال منوطة بكم، فإنا نتقدَّم إليكم بالتذكرة، والذكرى تنفع المؤمنين، وندلي بالنصيحة، والنصيحة ركن من أركان الدين، ونهنئ المنصب بكم ونهنئكم به تهنئةً لا يُقصد بها إلا وجه الله، في طيها تقدير لعظم التبعة وجلال المهمة، وأمل في قوة النفس ومضاء العزمة، وإشفاق مما ينطوي تحت أجنحة الحوادث المدلهمة، تولى الله حياتكم وسدد في الإصلاح خطواتكم، ولسنا نفيض في بيان واجب أنتم أعرف الناس به؛ فإن الحاجة إلى الفعال لا إلى الأقوال، وإنما نجمل فنقول:
إن الشرق الناهض يتجه بنهضته إلى أخطر النواحي على كيانه القومي والروحي، وإن الأزهر وحده هو الذي يستطيع أن يحوِّل هذا الوجهة إلى أفضل الاتجاهات، إذا سلمت عقيدة أبنائه وصحت أفكارهم وقويت نفوسهم، وأن المسئول الأول عن ذلك شيخ الأزهر، وكل راعٍ مسئول عن رعيته، وأن الأزهريين والعالم الإسلامي من بعدهم يترقَّب من الأستاذ الأكبر أن يقود الأزهر حثيثًا إلى هذه الغاية، ولَرَقابة الله أدق وأعظم، والله أحق أن تخشاه.
فإلى الأمام، والله ولي توفيقكم، وقلوب المسلمين تؤيدكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
وعندما توفي الشيخ محمد مصطفى المراغي نعت مجلة الإخوان للأمة الإسلامية وفاة الشيخ المراغي تحت عنوان: "فقيد الأزهر والإسلام في ركب الموت"، موضحةً أن هذا الرجل الذي كان ملء الأزهر وملء الحياة العامة، والذي طالما سحر النفوس بهدوء صوته، وبهرها بواسع معرفته، الرجل لم يغلب على نفسه، ولم يهزم في كرامته يومًا ما، كانت كبرياء الإيمان بالله وبالنفس أظهر ما في خلاله؛ مما يجعل الإحساس بالمصاب فيه كبيرًا، فكان زعماء الحياة المدنية يلمسون في شخصيته رأسًا مرتفعة، وهامةً سامقةً، علم المتكبرون من أهل الأرض كيف يعنون لكبرياء أهل السماء، فما استطاع أحد منهم أن يجرَّه في ركابه، ولا أن يقفه ببابه، وتلك حسنة للشيخ الأكبر ترجح بالكثير، وينبغي ألا تغيب عن بال العلماء المسلمين الباقين بعد على ظهر الأرض.
إن الشيخ المراغي كان شخصية إسلامية عامة فوق أنه شيخ للأزهر، بل إن موقعه من الشئون الإسلامية والسياسية الكبرى كان كثيرًا ما يطغى على حدود عمله الإداري في الأزهر، وقد أغضب ذلك الكثير من رجال السياسة، وألَّب الأزهريين أحيانًا عليه، ومع ذلك فقد الأزهر والأزهريون رجلاً من أوسع رجال الإسلام أفقًا، وأغزرهم علمًا، وأبصرهم بمسائل الدين والسياسة والتشريع والفلسفة، وأقدرهم على التوفيق بين هذه الأمور كلها.
إن بعض الهيئات السياسية تريد أن تفهم منصب مشيخة الأزهر على أنه ناظر مدرسة أو مدير جامعة، وهذا خطأ؛ فإن حالة المسلمين المدنية والسياسية، بل والعلمية والاجتماعية، تعطي هذا المنصب فضل سلطان مادي وأدبي لا ينبغي تجاهله، وليس من الحكمة أن ننقص منه، وقد استمسك الشيخ المراغي بحقوق منصبه المرسومة والمفهومة كلها، فرحمة الله عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد أكد الإخوان احترامهم للأزهر ودوره في إصلاح الأمة ونشر الإسلام والتصدي للتبشير كثيرًا، فكتبت صحفهم أن الإخوان لا يرون أنفسهم ولا رسالتهم شيئًا غير الأزهر ورسالة الأزهر، وأنهم يهتمون بشئونه اهتمامهم بشئون مكتب الإرشاد العام وشعب الإخوان وفروعهم.
ولذلك فالإخوان يودون للأزهر أن يؤديَ دوره الريادي، وأن يشعر أبناؤه بسمو رسالته، تلك الرسالة التي لم تَرَ الدنيا رسالةً أجمل منها، ليقودوا العالم إلى الخير، وما في ذلك مبالغة ولا إغراق، وللإخوان في الأزهر كتائب مجهَّزة وجنود عاملون مؤيدون وفلذات أكباد هي من قلب الإخوان يقومون بهذه الرسالة.
ولعناية الإمام البنا والإخوان بالأزهر كان دائمًا يرسل بخطابات إلى شيخ الأزهر تتضمن بعض إصلاحات شئون الأزهر؛ فقد أرسل برسالةٍ في الإصلاح الأزهري تحت عنوان صورة المذكرة التي رفعها فضيلة الأستاذ المرشد العام للإخوان المسلمين إلى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر؛ قال له فيها:
"بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فأشرف بأن أرفع إلى فضيلتكم مقترحات بشأن الإصلاح الأزهري الذي عقدت عليكم الآمال في إنفاذه بطريقةٍ تحفظ للأزهر صبغته وتعيد إلى الإسلام مجده، وعلم الله أنه ما حدا بي إلى ذلك إلا اعتقادي أن من واجب كل مسلم أن يتقدَّم بالنصح في هذا الأمر الخطير الذي يؤثر أبلغ الأثر في مستقبل الشرق والإسلام، والله أسأل أن يسدِّد في الإصلاح خطاكم، وأن يؤيد الإسلام بجهودكم، وأن ينهض مصر ومن ورائها العالم الإسلامي على أيديكم، وهو ولي التوفيق".
------
1- شركة البصائر للبحوث والدراسات، من تراث الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.
---------
* باحث تاريخي- Abdodsoky1975@hotmail.com