رمضان علاج القلوب التائهة والنفوس اليائسة؛ فيه يسطع نور الإيمان وتنتشر روحانيات السلام، ويُكبَّل إبليس وأبناؤه، ولكن يظل شياطين الإنس يعثيون في الأرض فسادًا مفطرين مجاهرين بالمعاصي.. هؤلاء استحقوا بجدارة لقب "شواذ رمضان".
شريف عبد الرحمن (موظف بمؤسسة خاصة) يقول: "أصابتني الدهشة الشديدة عندما وجدتُ مسئول الأمن عن المؤسسة التي أعمل بها يشرب الشاي ويُدخن السجائر علنًا، وبرَّر لي ذلك بأنه لا يستطيع أن يُكمل يومه بدون السجائر والشاي، وأن هناك الكثيرين غيره كذلك، وأن الله غفور رحيم"!!
وتقول صفاء محمود: "أنا أصوم طوال الشهر، ولكني أفطر فقط عندما أخرج في نزهةٍ مع أصدقائي؛ فنشتري الطعام من أحد المطاعم الكبيرة أو المولات، ولكني ألتزم باقي الشهر بالصيام".
أحد الشباب طالب بجامعة 6 أكتوبر قال لنا: "أفطر في شهر رمضان أنا وأصدقائي لأننا لا نحب الخداع والادِّعاء؛ فنحن لا نصلي ولا نتجنب المحرمات فلا قيمة لصيامنا؛ ولا أرى فائدة من الادعاء والتجمل أو النفاق".
اضطراب في الهوية
يقول الدكتور عماد مخيمر أستاذ علم النفس بجامعة الزقازيق إن ضعف إيمان تلك النوعية من الشباب واضطراب هويتهم هما السبب وراء مثل هذا الفعل الشاذ؛ فنجد نوعية من البشر، وخاصةً بين الشباب، يصرون على إظهار أنهم يختلفون عن الآخرين حتى لو من خلال مخالفة الدين والمجتمع والوالدين؛ فتلك الشخصية تعارض لتثبت أنها موجودة.
ويضيف: "إن ذلك أحد السلوكيات السلبية لإثبات الشخصية من خلال محاولة هدم كل ما هو قيمي وأسري وأخلاقي؛ فهو نوع من التمرد والهوية السلبية لإنسانٍ لا يملك ضبطًا داخليًّا؛ فنجد طفلاً صغيرًا لم يتجاوز العاشرة يجلس وحيدًا في المنزل وبلا مراقب وهو جائع وعطشان إلا أنه لا يمكن أن يفطر؛ لأنه يتمتع بالضمير ويشعر بالفخر لصيامه".
ويطالب المجتمع بأن يأخذ ذلك الأمر بقوة ولا يتهاون فيه؛ لأن ذلك محاولة لهدم الشريعة، ولأن فساد جزء يمكن أن ينتقل ليفسد الآخرين حوله، وأن من لا يملك نظامًا قيميًّا ضابطًا داخليًّا لا بد أن نخلق له الضبط الخارجي، ولا بد أن يحدد المجتمع له عقوبة رادعة؛ لأن ذلك الفعل هو استهتار بكل القيم، ولا بد ألا يمر مرور الكرام على المجتمع في أيام الشهر الكريم.
ويصف نفسية المفطر جهرًا في شهر رمضان بالصراع بين التدين ومسايرة الآخرين والتأمرك والتمرد على المجتمع، وهذا النموذج مضطرب وغير طبيعي؛ فالإنسان الطبيعي في تلك المواقف يتبع "إذا بليتم فاستتروا" أما هذا النوع المتمرد مضطرب الهوية فهو يجهر بالفطر ولا يخاف مشاعر الآخرين.
ويؤكد أن ذلك عَرَض وليس مرضًا، وأن علينا أن نبحث عن العلة الأساسية لدى هذا الشاب، والتي هي غالبًا اضطراب نفسي واضطراب في الهوية وشعور قوي بأن المجتمع غير معترف به، بالإضافة إلى شعور بالفشل، ويتصور هذا النموذج أنه يسترد القيمة المفقودة عن طريق تلك الأفعال الشاذة والمنحرفة.
ويناشد الآباء الاهتمام بتربية الأطفال على احترام الدين والأخلاق والقيم الثقافية الخاصة به، حتى لا تضيع شخصيتهم مع طوفان العولمة، ويعاني المجتمع الغربة بين أفراده وقيمه ونسجه الأخلاقي.
الرضا والانتقام من المجتمع
الدكتور فؤاد السعيد خبير بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية يقول إن المعتاد أن من لم يلتزم في الشهور العادية نجده يلتزم في شهر رمضان؛ فحتى الإنسان غير الملتزم دينيًّا يكون غير راضٍ عن نفسه، ولكنه في ذات الوقت لديه أمل كبير في إصلاح ذاته وفي مساندة الله له، وبالتالي كان هذا النوع من المسلمين يحاول انتهاز فرصة رمضان وطقسه الروحاني الجماعي من أجل التقرب إلى الله وإصلاح الذات، ولكن المجتمع الآن شهد تطورًا جديدًا وخطيرًا؛ حيث لاحظنا ظهور نماذج لا تحرص على انتهاز فرصة هذا الجو الروحاني، والأكثر من ذلك أنهم يُقدِمون على جرح مشاعر إخوانهم الصائمين مجاهرين بإفطارهم.
ويضيف الدكتور السعيد أن المجتمع الإسلامي أصبح مصابًا بالازدواجية؛ فنجد بعض الفئات تلتزم بالفروض والطقوس والمظاهر بشكل فيه قدر كبير من الالتزام الذي يراه البعض تشدُّدًا، بينما نجد فئاتٍ أخرى لم يعد لديها الأمل في إصلاح نفسها، وتُظهر ضعفًا كبيرًا فيما يتعلق بتغيير نمط حياتها وسلوكها اليومي.
فالنماذج ذات الإرادة الرخوة التي لا تستطيع مقاومة كوب من الشاي أو سيجارة موجودة طول التاريخ (زادت الآن لدرجة أنها أصبحت ملحوظة) سببه حالة الإحباط العام التي تعيشها قطاعات واسعة من الشباب وفقدانهم الأمل في تحقيق الحد الأدنى المناسب لحياة اجتماعية سليمة أو الحصول على فرصة عمل شريف ذات وضع مادي واجتماعي معقول.
كل تلك الضبابية تصيب الشباب بضعف الإرادة؛ فلا يقوَى على مواجهة أبسط المغريات، وقد يكون جهره بالإفطار في تلك الحالة تشفيًا في المجتمع وانتقامًا منه لأنه ظلمه واتهمه دائمًا بالتقصير؛ مثله مثل الطفل الذي يربَّى دائمًا على القسوة والتسلُّط والأوامر غير المبرَّرة؛ فكذلك حال هؤلاء المضطربين فهم وُلدوا في مجتمع متسلط سياسيًّا واجتماعيًّا.
ويؤكد أن أسلوب الدعوة في مجتمع اليوم لا يناسب تطورات الحياة ولا يقوى على رد إغراءات الشيطان، مضيفًا أن ظاهرة الدعاة الجدد الذين يخاطبون الشباب لاقت نجاحًا كبيرًا وأثَّرت في الشباب وفهَّمتهم ولم تُدِنْهم أو تُعادِهم.
حجج باطلة
ويقول الدكتور عطية عبد الموجود أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر إن الشباب الذين لا ينفذون أمر الله بصيام رمضان؛ بحجة أنهم يرتكبون معاصيَ أخرى ومخالفات شرعية متعددة، ومن ثم فإن الصيام لا يفيدهم؛ لا بد أن يعلموا أن هذا وحي شيطاني ووسوسة إبليسية تريد صدَّهم عن شريعة الله عز وجل وإقناع أنفسهم بهذه الحجج الباطلة والأعذار الواهية.
وفي السنة النبوية المطهرة ما يدحض هذا الزعم ويُبطل هذه الفِريَة، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب.. من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء"؛ أي قاطع لشهواته، وهذا الحديث يثبت عكس ما يقوله هؤلاء الشباب؛ حيث يظهر الصيام وسيلةً من الوسائل المهمة التي يُستَعان بها على ترك المعاصي؛ فهم لو صاموا فإن صيامهم يمنعهم من ارتكاب المعاصي ومما يغضب الله عز وجل.
ويضيف: "إن كان من مميزات شهر رمضان وفضائله أن الشياطين مسلسلة فيه وتقل وسوستهم ويندر إغواؤهم لعباد الله عز وجل؛ فأولى بذلك شياطين الإنس؛ عليهم بدخول شهر رمضان وأن يكبحوا جماح أنفسهم، وأن يسيطروا على شهواتهم وأن يقمعوا نزواتهم وأن ينخرطوا عبادًا لله صائمين قائمين مع المسلمين، مراعين حرمة الشهر العظيم؛ فالله عز وجل قال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (الحج: من الآية 30)، وقال أيضًا: ﴿مَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب﴾ (الحج: من الآية 32)، وعلى أهل العلم الراشدين في الدين أن يأخذوا بأيدي هؤلاء وألا يتركوهم يقعون في حبائل الشيطان تتخطَّفهم من كل مكان.
للعصاة حقوق!!
ويؤكد أنه حتى لهؤلاء العصاة حق علينا؛ فلا بد أن نرشدهم ونوجِّههم ونُبطِل حججهم ونردَّهم إلى الصواب، وإلا فنحن مقصرون نحو هؤلاء، ومسئولون عنهم يوم العرض على الله عز وجل.
ويقول موجِّهًا حديثه إلى الآباء: "لا بد أن يكون الوالدان قدوةً لأبنائهما، وأن يحاولا إقناعهم بالحجة والموعظة الحسنة"، مشددًا على أن الإفطار في شهر الصيام جهرًا وهذا الاستهتار بالشريعة لا يصدر إلا من شباب لم ينالوا قسطًا كافيًا من التربية الإسلامية والتوجيه العائلي، فيقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: من الآية 6)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، كما قال سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام: "إن الله سائل كل راع عما استرعاه؛ حفظ أم ضيع".
وانتقل الدكتور عبد الموجود بالحديث إلى دَور الشارع المسلم والمساجد والمسلمين جميعًا في مواجهة تلك الحالات الشاذة؛ فيقول إن أهم حقوق المسلم على أخيه المسلم هي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإن لوسائل الإعلام بمختلف أشكالها وصورها دَورًا ملحًّا في تقديم المادة الدينية والزرعة الطيبة لرد هؤلاء إلى دين الله وتبصيرهم بأمور دينهم؛ فإذا وُجِّه هؤلاء عن طريق الوالدين والشارع والإعلام، وإذا سخَّر هؤلاء أنفسهم بصدق لخدمة دين الله فسوف يختفي هؤلاء من بين صفوف المسلمين.
وعن الحكم الشرعي بالنسبة لهؤلاء الذين يفطرون دون عذر يقول عنهم إنهم ينقسمون قسمين: الأول يخص إنسانًا يفطر ضعفًا في الوازع الديني ولكنه يقر بخطئه ويعترف بتقصيره وبأن الصيام من فرائض الله عز وجل على عباده؛ فإن كان الأمر كذلك فهو مسلم عاصٍ، أما إذا كان إفطاره منطلقًا من إنكاره فريضة الله في الصوم على عباده ولا يقر بفرضية الصوم؛ فهذا يعتبر إنسانًا مرتدًا؛ لأنه يُنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة؛ الأمر الذي يُخرج المرء من الإسلام.
وهنا يكون على أولي الأمر من المسلمين أن يعرضوا على هؤلاء التوبة ثلاث مرات، وأن يدعوهم إلى الاعتراف بما فرض الله؛ فإن أقروا ورجعوا عصموا دماءهم وأموالهم، وإلا وجب على الإمام أن يطبِّق فيهم حد الردة.
أما من يفطر مع إيمانه بفريضة الصوم فإن إفطاره يعد جريمةً ومعصيةً كبرى، ويجب عليه قضاء ما أفطره، ويذهب رأي آخر إلى قضاء ما أفطره مع أداء الكفارة، وهي بعد القضاء، وتكون صيام شهرين متتابعين، ولكي لا نيئِّس الشباب ونقنِّطهم من رحمة الله نفتي بالرأي الأول؛ القاضي بوجوب القضاء فقط.