الآن الشعب الفلسطيني في الشتات والوطن المحتل، يطالبك يا سيد محمود عباس بالخروج إلى العلن وتوضيح الأمور والأحداث التي تحصل في كواليس سلطتكم، والتي تتم بقدرٍ عالٍ من السرية والصمت؛ وذلك من أجل إكمال مشروع دايتون في الضفة الغربية، والذي يمر بسرقة منظمة التحرير الفلسطينية وحركة "فتح"، من قِبل عرَّاب دايتون سلام فياض وياسر عبد ربه.
وحتمًا إنك تعلم حيثيات القرار الأخير لمجلس الوزراء في حكومة فياض اللا شرعية والصادر في الثامن والعشرين من الشهر المنصرم، والذي ينص على خضوع جميع أطر ومؤسسات وهياكل منظمة التحرير تحت سيطرة رئاسة مجلس الوزراء وتدرك مدى خطورته على الساحة الفلسطينية.
السيد عباس.. هذا القرار الصادر هو بمثابة رصاصة التحذير الأخيرة لكم، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أنياب عصابة دايتون قبل فوات الأوان، وهي الفرصة الأخيرة لكم كي تحافظوا على ما تبقى لهذا الشعب المسكين من منجزات يمكن أن تكون له سندًا، ولهذا فإن هذا القرار الذي يبدو أنه سيطبَّق بصمت في أروقة السلطة يحمل في طيَّاته الكثير من الخطورة المدمرة لقضيتنا ويؤكد العديد من الحقائق.
أثبت هذا القرار قطعًا أن سلام فياض وحكومته اللا شرعية تحكم بالمال والدعم الأمريكي مقابل تنفيذ الأجندة السياسية والأمنية الأمريكية في الضفة الغربية؛ حيث إن المال هو الورقة الرابحة في القرار الذي يؤكد أن جميع موظفي مؤسسات منظمة التحرير سيخضعون لمال دايتون، وبالتالي فإن رئاسة الوزراء هي المخولة بتوزيع المناصب على من تراه قادرًا على تنفيذ برنامجها السياسي الاستسلامي.
هذا القرار ينعى إلينا وإلى شعوب العالم الحر اغتيال منظمة التحرير وإلى الأبد؛ لأنها منذ الآن أصبحت مسئولة من قِبل السلطة وحكومة فياض، وليست هي المسئولة عن السلطة، بمعنى أن فياض ومن لفَّ لفه سيسيِّرون منظمة التحرير وفق برنامجهم السياسي، وربما سيقومون بطرد شخصيات وطنية كبيرة من داخل المنظمة، ربما سيكون في مقدمتهم فاروق القدومي والزعنون ومن يعارض سياسة الهرولة لدى السلطة.
هذا القرار يوحي بمشهد سياسي خطير على أرض الواقع ربما سنراه بعد أربعة أشهر من الآن حين تنتهي ولاية محمود عباس؛ فالسيد فياض ربما يهيئ نفسه من الآن لكي يكون هو خليفة إمارة رام الله بالمال الأمريكي؛ حيث تكون منظمة التحرير وقتها قد أصبحت في مهب الريح، وهنا تنجح الولايات المتحدة الأمريكية في تطبيق جزئي لمشروع الشرق الأوسط الجديد في الضفة الغربية، حين تنصِّب قيادات منصاعة للقرار الأمريكي، كما حصل في أفغانستان حين جاء كرزاي إلى الحكم فوق الدبابات الأمريكية، ومثلها العراق، أو كما سيحصل غدًا بالمال الأمريكي في الضفة الغربية، حين يجيء فياض أو أحدهم فوق الدولار الأمريكي.
قطَع هذا القرار الأمل البسيط لدى الشعب الفلسطيني بعودة الحوار الوطني، ولكنه في ذات الوقت كشف أسماءَ ووجوهَ من يعرقل هذا الحوار ويضع العوائق أمامه؛ وذلك لأننا جميعًا نعلم أن ملف منظمة التحرير وضرورة إصلاح مؤسساتها هو ملف معقد من ملفات الحوار الوطني ذات الخلاف، وبالتالي فإن إعادة هيكلة مؤسسات المنظمة وفق نظرة فياض وعبد ربه دون الرجوع إلى الفصائل الفلسطينية، ودون اتفاق وطني شامل هو بمثابة الطعنة الأخيرة في صدر الحوار الوطني، ومن جهة ثانية تأكيدًا لما قلناه سابقًا فإن الحوار الوطني ممنوع بفيتو أمريكي، وهو ما أكده عزام الأحمد لأول مرة مؤخرًا: "لم يعد مطلوبًا شطب منظمة التحرير، وإنما صناعة سلطة فلسطينية، وصناعة "فتح" على المقاس الأمريكي، وإن هناك فيتو أمريكيًّا على بدء الحوار الوطني"، وليس هذا وحسب، بل إن السيد تيسير قبعة نائب رئيس المجلس الوطني قال: "إذا كان أبو مازن بدِّو وحدة وطنية بتصير".
هذا القرار يعتبر العلامة الفاصلة والواضحة والصادقة على أن هناك فعلاً فريقًا من داخل السلطة متأمرك بدرجة عالية، يريد جعل القرار الفلسطيني بيد الصهاينة والأمريكان؛ ولذلك على الرئيس محمود عباس أن يخرج إلى الشعب الفلسطيني ويكشف كل الوجوه والأسماء السوداء التي تعبث بقضيتنا وتخون هذا الشعب، وأن يتخذ إجراءاته من أجل طردهم وتقديمهم إلى المحاكمة" (هل تستطيع ذلك يا سيد عباس؟ لا أعتقد ذلك).
هذا الشعور عبَّر عنه الكثير من الشخصيات الوطنية في منظمة التحرير، ومنهم أسعد عبد الرحمن عضو اللجنة التنفيذية في المنظمة: "هناك محاولة ليس فقط لتجاوز منظمة التحرير، وإنما لخطف اللجنة التنفيذية والقرار الفلسطيني ليتم تركيزه في يد الحكومة".
هذا الكلام- يا سيد محمود عباس- وما سيترتب عليه غدًا، أنت ستكون المسئول الأول عنه أمام الشعب الذي لن يغفر، والتاريخ الذي لن ينسى، والأجيال القادمة التي لن ترحم.. أنت المسئول عنه لأنك سمحت وتغاضيت عن تلك الأسماء والوجوه لكي تعمل في الخفاء دون رقيب ومحاسبة ما يحلو للصهاينة.. أنت المسئول عن الانقسام الفلسطيني لأنك غير قادر على إيقاف هؤلاء المهرولين وسياساتهم القذرة، وأعطيتهم الفرصة كي يقرروا لنا ما يريدون.. أنت المسئول لأنك غيبت المرجعية السياسية الفلسطينية ومنحتها دايتون وفياض وعبد ربه ليرسموا ما يريدون في الكواليس.
السيد عباس.. أنت المسئول عن كل ذلك وأكثر.. هل لك أن تستيقظ؟!
------
* الضفة المحتلة.