كان وصول سفينتَي التضامن الدولي مع غزة مساء الأحد لحظةً فارقةً في التاريخ المعاصر؛ ليس لأهل غزة فحسب بل للمنطقة عمومًا؛ فهما أول سفينتين دوليتين، حسبما فهمنا، تصلان إلى ميناء غزة منذ أربعين عامًا، وهما أول سفينتين تكسران الحصار الجائر على أهلنا في غزة، وهو الحصار الممتد منذ حوالي عامين، وبكسر هذا الحصار- ولو رمزيًّا- يشعُّ النور أخيرًا في النفق المظلم، وتعلو الآمال بنهاية الاحتلال، ونهاية الآلام دون تنازلات مهينة.
لقد نجح الوفد الدولي بمن ضمَّه من عجائز وشباب من جنسيات عدة فيما لم تفكر فيه الهيئات الشعبية والإنسانية العربية والإسلامية، ولا أتحدث هنا عن الحكومات العربية لأن موقفها معروف، وقد ذكرتني هذه العملية الناجحة لوفد التضامن الدولي بالجهود السابقة لكسر الحصار عن ليبيا، والتي جاءت بمبادرة إفريقية وليست عربية، وكذا كسر الحصار على العراق، والذي تم بدايةً بمتضامنين دوليين، وأذكر في حينها في عام 2001م أننا تشجَّعنا كنشطاء مصريين في ترتيب أول رحلة مصرية لكسر الحظر الجوي على العراق، وقمنا باستئجار طائرة ضمت العديد من الفنانين والمثقفين ورجال الأعمال ونشطاء سياسيين، ولم يرهبنا التهديد الأمريكي بإسقاط الطائرة- بدعوى أنها هدفٌ معادٍ- من المضيِّ في رحلتنا التي طارت من القاهرة مباشرةً إلى بغداد، وحرصنا خلالها على أن تكون مجرد رحلة إنسانية بعيدة عن الدعاية أو الاستغلال السياسي.
لقد فتحت الوفود الدولية الباب أمام الوفود العربية في حالتَي ليبيا والعراق من قبل، واليوم ينبغي أن يتكرر الشيء ذاته مع غزة، خاصةً أن الأمر أيسر مع وجود منافذ بحرية قريبة من غزة لثلاث دول عربية؛ هي: مصر وسوريا ولبنان، يمكن أن تنطلق قوافل مماثلة منها تحمل وفود المتضامنين، وتحمل أيضًا شحنات الإغاثة الطبية والغذائية للمحاصَرين في غزة.
وأظن أن الحكومات العربية الثلاث التي تمتلك منافذ بحرية قريبة من غزة تخفَّفت الآن من الضغوط والحرج، وتستطيع أن تأذن لانطلاق بواخر منها إلى غزة؛ تأسيًا باليونان وقبرص غير العربيتين.
ليس هناك مجال الآن للتردُّد من قِبل الهيئات الشعبية والإنسانية العربية لتبدأ على الفور الإعداد لرحلات مشابهة لرحلة الغربيين، وعلى اتحاد الأطباء العرب المبادرة بترتيب قافلة طبية عربية كبيرة لتذهب فورًا إلى غزة عبر البحر، وعلى الجمعيات الخيرية والإنسانية المصرية التحرك لترتيب رحلات مماثلة، وعلى النشطاء في كل الدول العربية والإسلامية الطَّرْق على الحديد وهو ساخن، والتحرك اغتنامًا للحظة الراهنة التي انصاعت فيها حكومة الاحتلال لإرادة الشعوب.
نقطة مهمة نستفيدها من رحلة التضامن الغربية مع غزة، وهي التنوُّع، سواءٌ العرقي أو الجنسي أو الديني الذي يكتسب تضامنًا دوليًّا كبيرًا؛ فلتحرص الوفود المصرية والعربية التي تستعدُّ لكسر الحصار على أن تلتزم بهذا التنوع، وحبَّذا لو استطاعت أن تنسِّق مع هيئات إنسانية دولية أوروبية أو أمريكية؛ فرغم الانتقادات الكبيرة الموجَّهة إلى العولمة إلا أنها ولَّدت أيضًا فكرة التضامن الشعبي الدولي.
------