الكرم يطلق على كل ما يُحمد من أنواع الخير والشرف والجود والعطاء والإنفاق.
وقد سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم لله"، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله" (البخاري).
ولا أعني بالكرم في رمضان ما شاع بين الناس من العطاء المادي للفقراء في شكل صدقة أو زكاة، والولائم وموائد الرحمن فقط، ولكن ربما يتسع المفهوم المقصود فيصبح "رمضان كريم" مع الله ومع الرسول- صلى الله عليه وسلم- ومع النفس ومع الناس.
فمن صفات الله سبحانه أنه الكريم، وهو الكثير الخير، الجواد المعطي الذي لا ينفد عطاؤه، فما أحوجنا للكرم مع الله في الشهر الذي أكرمنا فيه بالكتاب المنير!.
وفرصة الكرم مع الله في الامتثال لأوامره والانتهاء عن نواهيه، والفرصة سانحة من خلال قراءة القرآن الكريم وإحصاء الأوامر وإحصاء النواهي على قدر المستطاع، وتحويل عملية القراءة للمصحف إلى نشاطٍ يومي مغيِّر للسلوك ورافع للدرجات، فما نظن أن القرآن نزل لنقرأه ونتسابق وتتباهى بكمِّ ما قرأناه، ولكن الأمر أكبر من ذلك بكثير؛ فالأمر ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا﴾.
فهل يمكن عمل أجندة توضع فيها الأوامر وأجندة نكتب فيها النواهيَ لتكون لنا دليلاً وتعيننا على تعديل سلوكنا طوال العام، وهذا العمل يفتح مجالاً للعمل الجماعي بين أفراد الأسرة في شهر رمضان لقراءة المصحف قراءة متأنية وفيها قدر كبير من التفكر والتركيز.
وما أحوجنا للكرم مع النبي- صلى الله عليه وسلم-!، وسبيله الاقتداء به وبسنته والصلاة والسلام عليه، والسير على منهجه، واتباع هديه، وتوقيره، والدفاع عنه من كل تشويه، في عصر ظاهر أعداء الإسلام على عداوته في شخص الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهل لنا أن نحفظ كل يومٍ حديثًا بسيطًا، ونتعاون على ذلك مع أفراد الأسرة لاختيار الحديث الذي ستقوم الأسرة كلها بتأكيده وحفظه ونشره بين المتعاملين معها.
وما أحوج المسلمين للكرم مع النفس في شهر رمضان والتدريب عليه ليكون زادًا لباقي أشهر السنة! فلا يهين المسلم نفسه، أو يعرضها لقول السوء أو اللغو، وقد وصف الله عباد الرحمن بأنهم: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (الفرقان: من الآية 72)، وما أهون أن يجلس المسلم أمام شاشة التليفزيون لمشاهدة العري واللغو والعلاقات المحرمة! وما أهون ضياع فرصة العبادة وقراءة القرآن في الشهر الكريم والإسراف في الجلوس أمام التليفزيون فيما لا يفيد في أمر الدنيا أو أمر الدين!.
وهل لمَن يعيش على النميمة بين الناس أن يستغل كرم شهر رمضان للإقلاع عن هذه الصفة الذميمة التي توقع بين الناس وتمحق ثواب المرء؟! فمن شغله الذكر لم يعد لديه وقت للحديث عن الناس.
وللبخلاء الفرصة في تعديل سلوكهم بالنهل من كرم رمضان؛ فالعطاء فيه واسع، ومنه إفطار الصائم، وكسوة المحتاج، والإنفاق على اليتامى والمساكين، خاصةً في التعليم والعلاج؛ فهذه الأمور تصعب عليهم فيتركوها وهي في النهاية لا تسيء إليهم فقط، ولكن يتحمل جميع أفراد المجتمع تبعاتها.
ومن الكرم مع النفس التوبة الخالصة لله، وهي تجعل صاحبها يعيش صافيا للذهن مطمئنا وهاديا ومهتديا لديه الفرصة الكاملة للعطاء الصالح، وهي تتطلب من المسلم أن يستغل شهر رمضان لرد المظالم للناس واسترضاؤهم وطلب العفو منهم وهي أمور لا بد منها لاكتمال التوبة النصوح إلى الله تعالى، ومن ثَمَّ فهي من أكثر مظاهر الكرم مع النفس وعزتها وصلاحها.
وهل للمدخنين أن يكرموا أنفسهم بالإقلاع عن التدخين؟!؛ ففترة الصوم كافية لإثبات أن هذا السلوك السيئ يمكن الإقلاع عنه وأن إرادة الإنسان فوق كل شيء.
وللكرم مع الجسد مظاهر مهمة في رمضان؛ منها حفظه من التخمة والسمنة، وما أهمية هذا الكرم في شهر رمضان؛ حيث يلجأ كثير من الناس إلى ملء بطونهم بالطعام وقت الإفطار بدون ضابط؛ مما يصيبهم بالتخمة والكسل والنوم فيقعدهم عن أداء الصلاة ويحول بينهم وبين صفاء الذهن والتعبد؟!.
ومن الكرم مع الجسد العمل والنشاط وترك النوم بالنهار؛ حيث يلجأ العديد من الناس إلى تقصير فترة الصوم بالنوم والقعود عن العمل، وإذا كان هذا الأمر ضارًّا في البيت فإن ضرره يكون أضعافًا في ساحة العمل؛ لما يترتب عليه من ضياعٍ لحقوق الناس والتقاعس عن أداء العمل وقلة الإنتاج، وهو ما لا يليق بالشهر الكريم.
وللبنات المتبرجات أن يكرمن جسدهن بستره كما أمرهن الله، فما أعظم الانتصار على الشيطان وعلى مَن يزينوا للناس سوء أعمالهم! وما أقوى للنفس من الانتصار على شهواتها وكبح جماحها؟! فمن استطاع كبح شهوة الطعام، ألا يسهل عليه أن يكبح باقيَ شهوات النفس؟! وهي فرصة أعطاها إيانا الشهر الكريم لنكرم أجسادنا بطاعة الله ورسوله.
ومن الكرم مع الأهل والأقارب معاملتهم معاملةً حسنةً، والإنفاق عليهم؛ فخير الإكرام والإنفاق أن يبدأ المسلم بأهله وزوجته، قال الله- صلى الله عليه وسلم-: "دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة (إعتاق عبد)، ودينار تصدقتَ به على مسكين، ودينار أنفقتَه على أهلك؛ أعظمها أجرًا الذي أنفقتَه على أهلك" (مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا أنفق المسلم نفقةً على أهله وهو يحتسبها- أي ينوي عند إنفاقها أنها خالصة لوجه الله- كانت له صدقة" (متفق عليه).
يستوجب الكرم علينا العمل اليومي والتعود على ذلك، وشهر رمضان فرصة لتثبيت دعائم هذه العادة الطيبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان؛ فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا" (البخاري).
وقد يَعِدُ الشيطان أحدنا الفقر، ولكن الله عز وجل يعد المؤمنين المغفرة ويجعل لهم ثمرة الطمأنينة والفرح.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 274).
وإكرام القريب قبل الغريب واجب، والإسلام يضاعف ثواب إكرام القريب؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم (القريب) ثنتان: صدقة، وصلة" (الترمذي والنسائي وابن ماجه).
وإكرام الضيف والجار مما حثنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (متفق عليه).
ومن الكرم مع الناس التبسم في وجوههم، وما أحوجنا له في شهر رمضان؛ حيث يتحجج البعض بالصوم من أجل تبرير سوء المعاملة!، ولنتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" (مسلم).
والكرم والإنفاق في حوائج المسلمين عديدة؛ منها في وقت الحروب، وفي أزمات التعليم، وإن كان هناك وباء أو مرض، وفي الكوارث والأزمات الاقتصادية، ولكن في مثل هذه الظروف لا يستطيع الفرد المساعدة بشكلٍ فردي، ولكن يلزم العمل الجماعي ومن خلال مؤسسات موثوق فيها، مع الحفاظ على نية العمل لله تعالى واستحضار الأجر والثواب، وقال تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 272).
--------
* كلية الإعلام جامعة 6 أكتوبر