- د. مصطفى الشكعة: يوسف زيدان أخطأ في كتابة رواية "عزازيل"
- د. مكارم الديري: حرية الإبداع محكومة بضوابط المجتمع
- يوسف الشاروني: رواية الكاهن المتعصب ضد الإبداع والأخلاق
تحقيق- مجد عبد الفتاح:
أثارت رواية "عزازيل" للدكتور يوسف زيدان مدير إدارة المخطوطات بمكتبة الإسكندرية حفيظةَ البعض، واعتبرها إساءةً للعقيدة المسيحية.
والرواية تتحدث خلال فترة تاريخية عن الانقسامات بين الكنائس الأرثوذكسية والخلافات اللاهوتية المسيحية القديمة، وعن طبيعة السيد المسيح عليه السلام والاضطهاد الذي قام به المسيحيون ضد الوثنيين في الفترات التي كانت فيها المسيحية سائدة في مصر.
وقد قامت الكنيسة برفع دعوى قضائية لمصادرة الرواية أو تصحيحها، والأمر على هذا النحو لا غرابة، ولكن استغلالاً للموقف تبارت الأقلام المسيحية إلى الطعن والهجوم على الإسلام، لدرجة أن قام الأب يوتا بتأليف عمل سماه رواية "تيس عزازيل في مكة"؛ هاجم فيه النبي صلى الله عليه وسلم بشراسة بالغة، وسخر من الإسلام بمقت وكراهية شديدين، ويكفي أن نقرأ مطلع الرواية لنعرف حجم التضليل والافتراء، ويقول الأب يوتا إنه اعتمد على مخطوطة قديمة من لقاء الرسول ببحيرا الراهب.
وفي بداية الرواية يأتي على لسان الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "كيف يقبلني قومي عليهم ملكًا وأنا عندهم حقير فقير؛ لأني يتيم عند عمي أبي طالب؟!" فيرد بحيرا: "ادَّعِ البقرة أولاً؛ فهي تفتح لك الباب؛ فقد تنبأ أنبياء من قبل مثل داود الذي لم يكن في إخوته أدنى وأحط منه"، فيقول الرسول: "كيف يصدقونني وأنا لا كتابَ بيدي؟!"، فيرد بحيرا: "أنا أعلمك في الليل وتعرِّفهم في النهار، وتقول لهم: جاءني جبريل".
هذه هي البداية فقط ليتصنع كمَّ الغل والحقد والنشوية والتزييف والافتراء على رسول الله عليه الصلاة السلام.
فإلى متى نُقحم الأدب في الطعن في العقائد والتشكيك فيها؟! فهل هذا يسمى حرية إبداع؟! وهل يدرك من يقومون بهذا من أي جانب خطورة إثارة الفتن الطائفية حول هذا الموضوع؟! نرصد آراء النقاد والأدباء في التحقيق التالي.
في البداية.. يقول الدكتور مصطفى الشكعة عميد كلية الآداب جامعة عين شمس الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية: إن الكتابةَ في الموضوعات عن المسيحية من غيرهم يعتبرها المسيحيون هجومًا عليهم، خاصةً فيما يتعلق بمسألة بنوة أو ألوهية المسيح، مع أن مفكرًا قبطيًّا مصريًّا كبيرًا قال لي في أمريكا إن كلمة "طفل" و"عبد" بمعنى واحد في اليونانية القديمة التي ترجمت إليها المسيحية القديمة (الآرامية) ثم حُرِّفت "طفل" إلى "ابن".
![]() |
|
د. مصطفى الشكعة |
ولكن المشكلة قائمة، ولكن ماذا ينبغي علينا كمسلمين؟ نحن مكلفون بالتعامل معهم بالمودة لقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (المائدة: من الآية 82).
ولا ينبغي أن نتدخل في مشكلاتهم؛ لأن هذا لا يفيدنا ويفسد المودة؛ ولذا فلست في صف يوسف زيدان، والإسلام أمرنا ببناء كنائسهم إذا هدمت، والآيات صريحة في ذلك، ولم تكرَّم السيدة مريم في المسيحية كما كرَّمها الإسلام، ونحن مأمورون بالمجادلة بالتي هي أحسن ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: من الآية 46).
ولا يوجد شيء اسمه تناول أدبي فيما يتعلق بالعقائد وازدراء الأديان، ولا ينبغي لنا ونحن غرباء عن دينهم أن ندخل في اختلافاتهم التي تنوء بها كواهلهم، هذا لا يفيدنا، بل يفسد المودة ويعطي فرصًا لخصوم الإسلام للطعن والهجوم.
والرواية التي كتبها الأب يوتا محض افتراء تضاف إلى آلاف المفتريات التي كتبها أعداء الإسلام، وهذا له تأثير سلبي على المجتمع الذي نعيش فيه مسلمين وأقباطًا.
![]() |
|
د. مكارم الديري |
أما الدكتورة مكارم الديري أستاذة الأدب والنقد بجامعة الأزهر فتقول: إن حرية الإبداع لا تعني التطاول على الأنبياء وثوابت الأمم، خاصةً ونحن في مرحلة هزيمة حضارية، وأصبحنا في موقف الدفاع عن أنفسنا، فكيف بقبطي الأمة أن يستثمروا هذا الوضع السيئ لإثارة الفتنة الطائفية؛ لأن هؤلاء يستغلون الأدب وينفخون النيران بدلاً من إخمادها.
ومسألة أن الرد بالمثل إن ورد خطأ من جانب في عمل أدبي فيكون الرد بعمل آخر، ليس للإضافة الأدبية، بل للتشهير أو الرد والطعن والتشكيك؛ فهذه مسألة لا تليق بمَن يكتب الأدب إذا كان أدبيًا أصلاً، مشيرةً إلى أن لغة الخطاب في التناول الإبداعي ينبغي أن يكون لها ضوابط؛ أولها عدم الطعن في العقائد الدينية، ثم عدم التعرض لثوابت المجتمع أو إثارة الفتن، ويفضَّل أن يبتعد الأدباء عن تناول الأنبياء في الأعمال الإبداعية؛ لأننا مطالبون بالإيمان بأنبياء الله جميعًا، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)﴾ (البقرة: ).
وتضيف الدكتورة مكارم أن هذا لا يتعارض مع حرية الإبداع في شيء؛ لأنه لا بد أن يتقيد على الأقل بضوابط المجتمع الذي يعيش فيه، فضلاً عن أن الأدب لا بد أن يكون له رسالة؛ لأن الآداب الراقية تسعى إلى ترقية المشاعر وإثراء الوجدان، ورسالتها تنمية المجتمع في مختلف الجوانب، ولا تسعى إلى النيل من القيم والثوابت أو إثارة الفتن والغرائز، أما من يقول إن الأديب حرٌّ حريةً مطلقةً فهذا مردود عليه؛ لأنه إذا كان العمل عن تجربة إنسانية ومشاعره الخاصة ولا يقوم بنشرة فهذا شانه، أما أن يقوم بنشره في المجتمع فهناك حق المجتمع؛ فالحرية لا بد أن تكون منضبطة بضوابط المجتمع وثوابته.
من جانبه أكد الأديب والروائي الكبير يوسف الشاروني أنه قرأ رواية "عزازيل" للدكتور يوسف زيدان، مُشيدًا بمستواها الفني، وأنها لا تمس العقيدة المسيحية، بل تناول فترة تاريخية معينة، واعتمد في ذلك على وثائق، وتقول الرواية عن فترة في التاريخ إن الوثنيين كان يضطهدون المسيحيين، ولما سيطر المسيحيون مارسوا الاضطهاد مع مَن سبقهم شأن جميع الدول والتاريخ في مختلف الأماكن، والأقباط كشطوا الرسوم الفرعونية، وموجود ذلك في معابد الأقصر وآثار النوبة القديمة.
وقال: "لا أعتقد أن الرواية فيها هجوم على المسيحيين، وما أُثير حولها من جانب الأقباط إنما يتم تناولها من غير أهل التخصص، ومن قام بتأليف رواية مضادة ليس أديبًا.. المسألة لا بد أن تُناقَش من منظور أدبي، ولا يدلي برأيه إلا شخص متمرس بالأدب، أما أن يقوم رجال دين برفع قضايا ضد المؤلف فهذا يعتبر من التخلف؛ لأن من يقرأ لا يفرق بين العمل الأدبي والمقال أو الكلام المنشور".
يضيف الشاروني أن الأدب يحمل رسالةً إنسانيةً بوجه عام، ولا ينبغي أن تكون بشكلٍ وعظي، بل في إطار الحدث، والقارئ هو الذي يستخلص ما يفيد.
ويرفض الشاروني أن يستغل الأدب في الإثارة أو الفتنة الطائفية ويقال إنه حرية إبداع.
القانون والإبداع
أما الدكتور إبراهيم صالح نائب رئيس محكمة النقض الأسبق فيؤكد أن حق الاجتهاد والإبداع يكفله الدستور والقانون، لكن بشرط إلا يطال المقدسات والأديان؛ لأن الأمر إذا تحوَّل إلى ذلك فإنه يُشكِّل جريمةً نصَّ عليها قانون العقوبات المصري، والتي يُطلق عليه جريمة ازدراء الأديان.
كما أن قانون حماية الفكر والإبداع لا يجيز مطلقًا التطاول أو ازدراء الفكر الديني، ومن ثَمَّ فإن مثل هذه الأعمال تكون مجرَّمة؛ فليس معنى حرية الفكر المساس بما يقدِّمه الناس ويؤمنون به؛ على رأس ذلك الشريعة الإسلامية، وهذا الفعل يندرج في الجرائم الجنائية.

