- ربات البيوت: الأسعار ارتفعت للضعف والجاهز أرخص
- أصحاب المخابز: موسمنا الذي ننتظره كل عام "انضرب"
- د. عبد العظيم: غلاء الأسعار غَيَّر من عادات الناس
- العسقلاني: الضغوط المادية ضخمة وأدعو إلى مقاطعة الكعك
تحقيق- فاطمة صابر:
ارتبطت الأعياد في ذاكرة الشعب المصري منذ مئات السنين ببعض المظاهر والملامح التي دائمًا ما تواكب هذه الأعياد، وربما إذا أخذت تبحث عن سرِّ ارتباط هذه المظاهر بالأعياد فربما تجد لها أصلاً تاريخيًّا وربما تذهب جهودك سدىً.
لكننا جميعًا في النهاية نتفق على أنه لا يمكن لعيد الفطر المبارك مثلاً أن يمر دون أن تنشغل البيوت المصرية بصواني و"صاجات" الكعك والبسكويت.
وقد مرت على بلادنا حالات كثيرة من الفقر الذي وصل أحيانًا إلى حدِّ المجاعة، لكن مع ذلك لم تختفِ هذه الظاهرة، وكنا نراها حتى داخل أدنى المناطق فقرًا وعشوائيةً، لكن الجديد الذي أتت به حكومة نظيف والحزب الوطني مع الحالة التي وصل لها الشعب المصري من الفقر والجوع وغلاء الأسعار بل والبحث عن لقمة العيش في أكوام القمامة؛ كاد كل ذلك أن يقضي على ظاهرة امتدت قرونًا طويلة.
فلأول مرة يختفي من شوارعنا هذا المشهد الجميل لنساء وفتيات وأطفال يجلسن في بيوتهن حول المائدة يقطعن ويرسمن كعك العيد، وبالتالي لم نعد نرى في شوارعنا المشهد المترتب على ما سبق لنفس النساء والفتيات وهُنَّ يحملن فوق رءوسهنَّ "صاجات" الكعك.
(إخوان أون لاين) دخل إلى البيوت، وحاور ربات المنازل وأصحاب المخابز وخبراء الاقتصاد؛ الذين أجمعوا على أن اختفاء هذه الظاهرة هو أحد بركات حكومة ونظام الحزب الوطني.
الكمية قليلة
في البداية ذكرت لنا ماجدة عبد الله "ربة منزل" بأنها كانت في الماضي تشترك هي وجيرانها في عمل الكعك ويذهبن إلى الأفران، مشيرةً إلى أنهنَّ قد يجلسن إلى الفجر في إعداده وتسويته، ويعدن إلى البيوت حاملات الكعك، ويقُمن بالتوزيع بكميات كبيرة على جيرانها والتقديم منه لضيوفها.
وأوضحت أن الوضع الآن اختلف كثيرًا؛ لأن الأسعار ارتفعت، فارتفع سعر الدقيق إلى الضعف مباشرةً، وكذلك زادت أسعار الزيت والسكر، مؤكدةً أنها إذا قامت بعمل كعك هذا العام فإنها ستعد كمية محدودة لأولادها وستعدها داخل منزلها، قائلةً: "لا داعي للذهاب إلى الفرن؛ لأن الكمية قليلة".
أما أسماء سليمان فقد آثرت هذا العام اللجوء إلى شراء الكعك الجاهز بما يكفي منزلها فقط لا غير والتقديم لبعض الضيوف منه، موضحةً أنها لا تفكر في عمله في المنزل لِمَا سيكلفها من جهد وأموال، وقالت: "الدقيق سعره نار، والسمن والسكر، ده غير تكلفة تسويته في الفرن والجهد".
عزة عبد العزيز فتاة مقبلة على الزواج تذكر أنها من المستحيل أن تقوم بعمل كعك في بيتها؛ لما تراه من جهد من والدتها فيه، ولما تعلمه من أسعار الدقيق والزيت، قائلةً: "الدنيا مولعة، وبدلاً من أن يَصرف من سأتزوجه الفلوس على الكعك والبسكويت يبقى نصرفها على الأكل أحسن".
الموسم ضاع
الأمر عاد بخسارة على أصحاب المخابز الذين لا يعملون طوال شهر رمضان ويعتبرون العشر الأواخر والإعداد لكعك العيد موسمًا مهمًّا لهم.. يقول محيي الدين شوكت صاحب أحد المخابز: "كنا في العشر الأواخر من رمضان لا ننام تقريبًا، ونظل حتى الساعات الأولى من الصباح نشغل ماكينة البسكويت ونسوِّي الصاجات كبيرة الحجم في الفرن، لكن حالنا هذا العام والعام الذي سبقه عجيب الشكل؛ فكل مَن جاء لي حتى الآن حوالي خمس أو ست نساء فقط؛ منهنَّ اثنتان يعدان تلك الكميات لأن لديهن ابنتَيْن ستتزوجان في العيد وهما تعدان لهنَّ كعك العُرس.
لم يختلف الحال لدى عبد الحليم علي والذي قال: "الناس كانت بتيجي للأفران لأنها كانت بتعمل كميات كبيرة في صاجات لا تدخل إلا في فرن المخبز لدينا، لكن دلوقتي الدقيق والسكر بقوا نار، والناس عمرهم ما هيعملوا الكميات دي".
وأكد عبد الحليم أن هذا الأمر بالطبع عاد على المخابز بخسارة شديدة؛ لأن تلك الأيام كانت تعتبر موسمًا مهمًّا بالنسبة لهم، ليس فقط في ذلك الوقت ولكن من العام إلى العام كان أصحاب الأفران والمخابز ينتظرونه ويعد المكسب الحقيقي لهم.
غلاء الأسعار
ذهبنا إلى خبراء الاقتصاد لمعرفة رأيهم؛ فأوضح الدكتور حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن الناس الآن يلجؤون إلى شراء الكعك الجاهز؛ لأنه أرخص من الصناعة المنزلية، مشيرًا إلى أن ربات المنازل كُنَّ يلجأن قديمًا إلى العمل في المنزل حينما كان الدقيق رخيصًا ومتطلبات الكعك بسيطة، متسائلاً: لكنهم الآن ماذا يفعلون والسكر والسمن والزيت والدقيق كله قد تضاعف ثمنه؟!
وأكد د. عبد العظيم أن الكل أصبح يلجأ لشراء الجاهز والكل يختار على حسب دخله، مضيفًا أن غلاء الأسعار قد غَيَّر من سلوك الناس وما اعتاد عليه الناس من عادات وتقاليد في عمل الكعك واجتماع الجيران مع بعضهم البعض.
وأكد أن هذا الكساد قد أثَّر بلا شك بالسلب على أصحاب المخابز؛ لأن عمل الكعك لديهم كان بمثابة الانتعاشة لهم خلال العام، وأنه كان مصدر رزق لديهم وقد انقطع!.
دعوة للمقاطعة
لكن محمود العسقلاني المنسق العام لحركة "مواطنون ضد الغلاء" وجَّه دعوةً لربات البيوت المصرية لمقاطعة كعك العيد؛ موضحًا أننا الآن في حالة ضغوط مادية ضخمة جدًّا؛ لذلك توجد أشياء لا بد من التنازل عنها، خاصةً إن كانت غير أساسية ويمكن الاستغناء عنها، مشيرًا إلى أنه لن تحدث أزمة سياسة إذا اختفت من حياتنا.
وأكد العسقلاني وجود حالة أزمة فكر فقر وفقر فكر، موضحًا أننا إذا نظرنا مثلاً إلى معدل دخل الفرد فإننا سنجده أقل بكثير من أي دولة أخرى، لكننا نجد أن حجم إنفاقنا على الأكل أكثر بكثير من أي دولة أخرى، مرجعًا سبب ذلك إلى الأفكار المتوارثة والعادات والتقاليد التي لا يتخلى عنها الشعب المصري.