![]() |
|
د. الغباشي العطوي |
إن تكوين الأمم وتربية الشعوب لمهمة شاقة تحتاج إلى رجال، كما أنها تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد والعلم والمال, وإضاعة الوقت من بين أيدينا في غير فائدة إنه لجرم عظيم سنحاسب عليه أمام الخالق البارئ الوهّاب، فما خلقنا الله سبحانه ووهبنا نعمه إلا ليبلوَنا أنشكر أم نكفر، فمن أنعم الله تعالى عليه ووهبه العمر والشباب والعقل والعلم والمال والتمكين فسخرها جميعًا في إعمار الأرض وملأها عدلاً وتبنَّى قيم الخير والنماء فيها فهو الشاكر لأنعم الله، والمستحق من الله الزيادة والنماء، وقد سعد في الدنيا والآخرة، ومن كفر بأنعم الله عليه فغفل عنها، وظلم نفسه والناس، وطغى وتجبر وسدر في غيه، فقد باء بسخط من الله وعذاب، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾ (إبراهيم).
ولعل أهم ما يصيغ حركة المجتمعات هي مجموعة العقائد والشرائع المترسخة في البناء النفسي لأبناء كل مجتمع والتي تحكم في الغالب مطالبهم وتصرفاتهم، فإذا أردنا أن نعيد المجتمع إلى ما كان عليه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكريم رضوان الله عليهم أجمعين وعهد من تبعهم من السلف الصالحين، فالواجب الأول هو تنقية العقيدة، والتي اختلطت بعقائد الجاهلية والوثنية وعقائد المغضوب عليهم وكذلك الضالين، حتى ترهلت عقيدة المسلمين، بل غابت عن واقعهم في غالب الأحيان، ثم ترسيخ العقيدة الإسلامية في هذا المجتمع. والواجب الثاني هو تنقية التشريعات التي تحكم هذا المجتمع من كل تشريع يخالف شرع الله عز وجل وصياغة بناء تشريعي نابع من مصدري التشريع الأصليين القرآن الكريم والسنة المطهرة إضافة لما اتفق عليه فقهاء الأمة في ذلك.
إذًا فبناء المجتمع المسلم يحتاج إلى إعادة صياغة للبيئة المحيطة في ضوء بناء عقيدي صحيح وبناء تشريعي محكم منبثق من هذه العقيدة الصحيحة، لهذا فنحن في حاجة شديدة إلى التمسك بهذين العنصرين لبناء اجتماعي شامخ شامل يضمن حركة دافعة للمسلم وسط بيئة مجتمعية مسئولة تتكافل وتتكاتف وتتكامل وتتعاون على البر والتقوى، وتتحرك في إطار عقيدة صحيحة تعصمها من الزلل، وشريعة عادلة تحكمها، تضبط وتقوم أدنى انحراف لها.
أولاً: البناء العقيدي للمجتمع المسلم:
إن البناء العقيدي لأفراد المجتمع يوجههم الوجهة الصحيحة لما ينفعهم في الدنيا والآخرة ويبني نفوسًا تواقةً إلى الخير راضية مطمئنة مبرأة من الأطماع والأثرة والشح المطاع والهوى المتبع، وتتحلى بالقناعة والشجاعة والإقدام والصبر والجلد والإيثار، إن البناء العقيدي لأفراد المجتمع يبني هممًا عاليةً تستصغر سفاسف الأمور ولا تستوقفها، وتطلب دائمًا المعالي، تتحلى بكل الفضائل وتتخلى عن كل الرذائل.
والبناء العقيدي الصحيح هو الأساس الذي يقوم عليه الدين وتصح معه الأعمال، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ (الكهف) وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)﴾ (الزمر)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65)﴾ (الزمر).
وأركان الإيمان التي يجب أن يشملها البناء العقيدي هي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر خيره وشره.
إن البناء العقيدي لأفراد المجتمع يحقق ما يلي:
1- يربط الفرد بالله ربه ورب كل شيء ومليكه، ويعلم به يقينًا أن الله سبحانه وتعالى يعطي عطاء ربوبيته إلى كل خلقه، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)﴾ (هود)، ويستوي في ذلك العطاء كل الناس، المؤمن والكافر، البار والفاجر، فلا الغِنَى دليل كرامة ولا الفقر دليل إهانة، ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ (الفجر)، فتجد المسلم الذي تربى على العقيدة الصحيحة مطمئنًا إلى قدر الله عز وجل، ساكنًا وقورًا حييًا، يعلم يقينًا أنه خالق الأشياء كلها وهو القاهر فوق عباده، يدبر الأمر، بيده ملكوت كل شيء، مالك الملك، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، يعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عندما يتربى المؤمن على معاني الربوبية يطمئن فؤاده على رزقه وأجله ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)﴾ (الذاريات)، لا يشك في سلامة الطريق وصواب الفكرة التي آمن بها ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)﴾ (آل عمران) مهما علا الباطل وانتفش، وصال وجال المبطلون، يطمئن على أمنه وأمن أهله ومجتمعه، لا يداهن ليضمن لنفسه ولأولاده لقمة العيش، لأنه تربى على ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ (الذاريات)، فتجده منفقًا في سبيل الله لا يخشى الفاقة، مجاهدًا في سبيله لا يهاب الموت، يقول الحق ولا يخشى في الله لومة لائم.
2- يؤمن الفرد بأنه "لا إله إلا الله" فلا معبود سواه، ولا مشرع إلا هو، ولا خضوع ولا ذل ولا انكسار ولا ركوع ولا سجود ولا طاعة إلا لله، "فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" مهما علا شأن المخلوق فالخالق أعلى وأجل، مهما تجبر المخلوق وتوعد وعذب وبطش وقضى بظلمه، فالمؤمن قد تربى على أن الله هو الجبار وأن عذابه أشد وأبقى، وأن الله سيقتص له من الظالمين، فالمؤمن المتربي على العقيدة الصحيحة يحقق في نفسه لا إله إلا الله ويحمل عليها أهله ويربي عليها مجتمعه ويسخر حياته لتعبيد الناس لله رب العالمين، لا يعبدون مالاً ولا سلطانًا ولاجاهًا ولا جبارًا ولا هوىً ولا شهوة، حطموا أصنام الجاهلية كلها، واستيقنوا أنه لا إله إلا الله، فلا معبود سواه ولا حاكم إلا إياه ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)﴾ (القصص)، يأتمرون بأمره وينتهون عما نهى، يفعلون الخير ويحضون عليه، يبتعدون عن الشر وينهون عنه، يطلبون دومًا رضا الله، تربوا على أن يكونوا كما أرادهم الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة)، وعندها تجد مجتمع العزة والكرامة والشموخ، مجتمعًا يسير نحو الله، متحابًّا، مترابطًا، متناصحًا، متسامحًا, متكافلاً ومتواصلاً وكل ذلك برباط الله.
3- يربي المسلم على حب النصيحة وأن يؤديها على أكمل وجه خالصة لله، أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر، وأن تكون كما أرادها المشرع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" (رواه مسلم)، والمسلم لا يقف عند حد في نصيحته طالما أن ذلك فيه صلاح للبلاد أو العباد، فيكون المجتمع المتناصح، نصيحة في الله ولله، ندفع بها تحكم الأشرار في رقابنا ومقدراتنا، ونعول عليها قبول دعاء الصالحين منا، روى الترمذي بسند حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
4- يربي المؤمن على الثقة الكاملة في منهج الإسلام، وشريعة الإسلام، فهي منزلة من الله الحكيم العليم الخبير، مستمدة من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كتاب مكنون تعهد بحفظه الحفيظ، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فالقرآن دستور كل مؤمن تربى على عقيدة الإيمان، وأن هذه الدعوة التي يحملها هي دعوة الله، حمل لواءها المرسلون جميعًا، ختمهم الله سبحانه بسيد الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، جاءوا جميعًا ليؤكدوا وحدانية الله ووحدة الدين، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)﴾ (آل عمران)، وقد كُذّبوا جميعًا وأوذوا وأُخرجوا من ديارهم، وحُوصروا واضطُهدوا، وخاض الناس في أعراضهم إفكًا وزورًا، واحتملوا وصبروا وثبتوا على دعوة الله، ليعلمونا أن ذلك سنة الدعوات، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ (البقرة).
والعقيدة الصحيحة تزرع في المؤمن بها أن سنن الله غلابة، وأن الباطل مهما علا وانتفش فهو إلى زوال ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49)﴾ (سبأ)، وأن العدل يدوم والظلم يزول "دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة"، وأن من السنن أن العدل أساس الملك وأن دولة العدل تدوم ولو كانت كافرة ودولة الظلم تزول ولو كانت مؤمنة، وأن الظالمين والمتجبرين والمتكبرين والمزورين لإرادة الشعوب والمحتكرين لأقوات العباد والمتاجرين بأعراضهم والعابثين بحرياتهم، مهما علا شأنهم واتسع ملكهم وانبسطت إرادتهم وقويت شكيمتهم وازدادت في البنوك الوطنية والأجنبية أرصدتهم، فستدور الدائرة يومًا عليهم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51)، والمؤمن لا يضيره هذا العلو ولا يغرّه، ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾ (آل عمران)، فالوعد من الله أن علوهم إلى سفول وعزهم سيصير ذلة، ولن تغني عنهم قوَّتهم من الله شيئًا، ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: من الآية 24)، وأن من سنن الله في الكون اليسر بعد العسر، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح)، وكما قال الشاعر:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج
والمؤمن على يقين من أن الفجر يبزغ بعد أشد ساعات الليل ظلمة، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب.
5- يهذب الغايات فتكون الغاية العظمى هي الله، ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)﴾ (الشورى)؛ حيث يربي المؤمن على أنه راجع إلى الله وسيقف بين يدي جبار السماوات والأرض يحاسبه ويسأله عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به، والمؤمن صحيح العقيدة ينشغل بالآخرة عن الدنيا، فإذا ما طلب الدنيا يومًا طلبها ليربح بها الآخرة فإذا وقفت الدنيا في سبيل الآخرة طلق الدنيا وباعها رخيصة واشترى رضا الله، فلا يشتري لهو الحديث، ولا يتلوى أو يتلون مع الطامعين أو الظالمين، ولا ترهبه السياط ولا السجون، ولا يتسلق ولا يتملق ليعلو في الدنيا وإذا فاتته لا يتحرق، فيندر بين أفراد المجتمع الصراع على رغائب الدنيا، يؤثرون ما عند الله على ما سواه، يأملون رضاه، ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)﴾ (الإسراء).
6- يهذب الوسائل التي يتعامل بها الناس، فالمؤمن صحيح العقيدة غايته عظيمة وهي الله عز وجل، ولا بد لنيلها من وسائل تليق بجلال الله وكماله "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، فالغاية لا تبرر الوسيلة، عندها يتعامل المجتمع المسلم بالوسائل والأخلاق المشروعة، فترتقي الأخلاق والمعاملات، فالمجتمع متعبد لله بصحيح العبادات، إنه مجتمع التقى والعفاف.
7- يربي المؤمن على الرضا واطمئنان القلب، فهو مستيقن من عدل الله، مطمئن على رزقه وراضٍ به، "علمت أن رزقي لم يأخذه غيري فاطمأن قلبي"، مؤمن بقضاء الله وقدره، يردد دومًا "قدََّر اللهُ وما شاءَ فعل" و"ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر، فكل ما جاء به الله خير، ويؤمن بأن الله بيده مقادير كل شيء وأنه لو اجتمعت الأمة على أن تنفع فردًا أو تضره فلن يكون إلا ما كتبه الله له أو عليه وهو ما زال جنينًا في بطن أمه، فينبت هذا اليقين شجاعةً وإقدامًا في قول الحق والدفاع عنه، ونصرة المظلوم، والجهاد في سبيل الله، كما ينبت صبرًا وثباتًا على تحمل الأذى والتضييق والاستخفاف، ويربي المؤمنين على معاني السخاء والإنفاق والتكافل والبذل والتضحية والفداء.
8- يربي المؤمن على أن لله ملائكة كرامًا لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهم من جنود الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (المدثر: من الآية 31)، وهم مع المؤمنين يحفظونهم ويدافعون عنهم بأمر الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾ (الحج)، وهم يكتبون الأقوال والأفعال " ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق)، فيتربى على المراقبة لله وعلى الثقة في معيته وعلى الاطمئنان إلى تأييده ونصره وتثبيته للمؤمنين، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)﴾ (الأنفال).
9- يربي المسلم على استغلال طاقاته وقدراته وعدم إهدار هذه الطاقات في غير فائدة للبلاد والعباد، أو تعطيل هذه الطاقات أو إضعافها، فالمؤمن بنى عقيدته على أن الله تعالى أمره بالعمل وسيحاسبه عليه يوم القيامة، ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾ (التوبة)، فالمؤمن إمامه خير المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم يحذره من القعود والتفريط في نعم الله عليه فهو مسئول عنها يوم القيامة، مسئول عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به، والعقيدة السليمة تجعل الفرد لا يفرط في الطاقات ولا يعطلها، فتزيد بذلك طاقات العمل في المجتمع المسلم وتزيد بذلك الفاعلية الاقتصادية للمجتمع فالمال فيه مبنيٌ على الطهر والصلاح كسبًا وإنفاقاً، مبنيٌ على النفع للبلاد والعباد، كذلك طاقات العلم والشباب والصحة والحكمة والإيمان فلا بد أن تكون مستثمرةً جميعها بأقصى قدرها في خدمة دين الله وعباده.
10- يربي المؤمن على القوة والثبات والشجاعة فهو يستند إلى ركن شديد ويعلم أن القوة والثبات والهداية إلى الحق من الله، وقوة المؤمن ترتكز على عقيدة التوحيد التي تربى عليها، فهو يرفض الهوان والمذلة في الأرض لارتباطه بالسماء، ويعلم أنه بعقيدته السليمة ولو كان وحده فهو أمة، لأنه يستمد قوته وثباته من الله، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)﴾ (إبراهيم)، والمؤمن يستيقن أن قول الحق والثبات عليه جهاد في سبيل الله يرضى به ربنا على عباده فينزل عليهم السكينة والثبات، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾ (الفتح)، وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين منة من الله تعالى عليهم وهي: السكون والطمأنينة، والثبات عند نزول المحن المقلقة، والأمور الصعبة التي تشوش القلوب وتزعج الألباب وتضعف النفوس، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)﴾ (الفتح)، فمن نعمة الله على عبده في هذه الحال أن يثبته ويربط على قلبه، وينزل عليه السكينة، ليتلقى هذه المشقات بقلب ثابت، ونفس مطمئنة، فيستعد بذلك لإقامة أمر الله في هذه الحال، فيزداد بذلك إيمانه، ويتم إيقانه.
ثانيًا: البناء التشريعي:
إن المجتمع في حاجة إلى بناء تشريعي يرسم للإنسان طريق حياته ويضبط حركته وينظم ممارساته، والشريعة الإسلامية هي البناء الإلهي لحركة الحياة في المجتمع، وضعها الخالق سبحانه بعلمه وحكمته وتدبيره وتقديره، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الذي خلق الإنسان فسواه وقدره ويعلم مكنونات نفسه وما يصلح هذه النفس أو يضرها، فهو التشريع الأوحد القادر على الاستدامة والاستمرارية مع كل عصر وكل مصر، وتلبية احتياجات النفس البشرية ومطالبها مهما اختلفت الأجناس والأفهام والثقافات . ﴿وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)﴾ (التوبة).
إن التشريع الإسلامي لكل قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية والعسكرية والرياضية والنفسية والعلمية والإعلامية والأحوال الشخصية والأسرة والبيت والمرأة والطفل، وغيرها الكثير، مما ينظم حركة الحياة بكل دقائقها، يقف هذا التشريع الإلهي عند نقطة الوسطية، فلا تفريط ولا إفراط، إنه تشريع وسطي متوازن، لا ينحرف ولا يميل، لا يهدر الطاقات عبثًا ولا يكبتها هملاً أو حرقًا، بل إن معطيات التشريع الإسلامي تأتي متوازنة ومتكاملة ومتفاعلة مع الاحتياجات الإنسانية في دقة وإحكام وانسجام تام، ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنهج الوسط في عصرنا هذا الذي كثرت فيه النزاعات الفكرية ومدارس الفتوى، بين متسيبين لا تحكمهم ضوابط ولا أصول ولا قواعد زاعمين الحرية والإبداع والتنوير والفكر الجديد، وهم أبعد ما يكونون عن روح الإسلام ونوره، وما بين مدارس جامدة، لا يريدون أن يتزحزحوا قيد أنملة عن ماضيهم القديم، وهم في غفلة عما حولهم من أفكار وأحداث سريعة وجديدة وما نجم عنها من مشكلات عصر السرعة الفائقة والحرية المطلقة والانفتاح غير المدروس، غافلين عن مقاصد الشريعة، لكن الأمل معقود على هذه الفئة الوسط المستمسكة بهذا التشريع الوسط، يجمعون بين فقه الشرع وفقه الواقع، يجتهدون لا يبغون، يستهدون بالقديم ويستلهمون منه وينتفعون بالجديد ويستشرفون آفاقه، مستمسكين بثوابت الشرع التي تحكمنا ومتغيرات العصر التي تطرأ علينا.
إن التشريع الإسلامي يخلق بيئة رابية من الطهر والعفاف والنقاء حيث تجتث من المجتمع كل ألوان الإثارة والرغبات الفاسدة والمفسدة والإغراءات الهدامة، وتغلق كل الدروب والمسالك إلى ظلمات الخطيئة وسراديب الانحراف، حيث يعيش الجميع في نور الطاعة وشمس الاعتدال، فلا ظلم ولا ظلام، ولا رشوة ولا احتيال، ولا فجور ولا فسوق ولا عصيان، وتسود بين الناس مفردات وقيم العدل والحب والحياء، والعزة والإباء، والطهر والعفة والسماحة، والنخوة والشهامة والكبرياء، والجود والبذل والتضحية والعطاء، والجهاد والفداء، والنظافة والنظام والاستواء، والرجولة والعزة والإباء على كل عدو لدين الله، والذلة والانكسار لكل أخ مؤمنٍ بأنه لا إله إلا الله، بذلك تعلو الهمم وتتسامى الغايات وتصفو النفوس ويرتقي الذوق العام، وتسود في المجتمع الرقابة الذاتية المتأصلة في هذه الأنفس التقية، فيصبح المجتمع كله آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، فيكون التشجيع الجماعي للخير وأهله ومكافأة كل طاهر ومتطهر، ويكون الاحتقار الجماعي للانحراف وأهله مهما صغر حجم هذا الانحراف، احتقار جماعي بلا إثارة أو فضيحة أو انتقام، وبلا أدنى مساس بأمنهم أو حرياتهم، إن التشريع الإسلامي يجعل الحياة اليومية للأفراد هادئة، نظيفة، وآمنة.
إذا ما كانت منظومة الحياة تسوسها وتضبط حركتها هذه المنظومة الربانية (الشريعة الإسلامية) في جميع مؤسسات المجتمع (الإعلامية والتعليمية والصناعية والزراعية والاقتصادية والمهنية والصحية والبحثية والإدارية والدينية والسياسية والعلاقات الداخلية والخارجية، والشوارع والحارات والأزقة والبيوت والأفراد). فلن يحدث في أي دائرة من دوائر المجتمع أي نوع من الانفلات (الأمني أو الاقتصادي أو التربوي أو التعليمي أو الجنسي، أو غيرها).
والناظر إلى هيئة المسلمين وبيوتهم وشوارعهم ودوائر عملهم ومعاهد علمهم وعلاقاتهم مع إخوانهم ثم مع أعدائهم، يجدنا في حاجة شديدة إلى هذا التشريع الإسلامي الذي يتصدى بقوة لهذه الأمراض التي تنخر في جسد المجتمع كله سوسًا من الرذائل والأمراض، تأكل قلوب الناس، من إثارة للرغبات الجنسية والشهوات المادية على مدار اليوم في كل ميادين الحياة، بداية من الإعلام المتعطش للرذيلة القائم على الانحلال، السائر على طريق الغواية، المنتفخ من المقامرة على حساب الناس والمتاجرة بأعراضهم، مرورًا بالمؤسسات التي تفشت فيها الرشوة والمحسوبية وأكل المال العام والخاص بالباطل، وإهدار وقت العمل وإمكانيات العمل، واستغلال المناصب في الثراء الفاحش، وتعيين أهل الثقة والمعارف وإبعاد أهل التقى والمحتاجين، وغيرها الكثير مما أخذناه عن أعداء ديننا تأثرًا بانحلالهم دونما نظر لما عندهم من جد واجتهاد وعمل وأخذ بالأسباب، مما أوردنا موارد التهلكة وجرنا إلى السقوط والتدني والخسران حتى تبوأت دويلات العالم الإسلامي مكانتها عن جدارة واستحقاق في ذيل الأمم، أقدمها وأحدثها، فكان من نصيبنا الصغار والأصفار في كل شيء بداية من الحريات، فالشفافية، فحقوق الإنسان، فالديمقراطية، فالرياضة، والتعليم، والصناعة، وخسرنا الزراعة والسياحة والأرض والعرض، فكل أرض محتلة وكل موارد وخيرات مغتصبة وكل دم مهدر أو عرض منتهك ستجده دومًا مسلمًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
إن هذه الخروقات في أخلاق ومعاملات المسلمين تسببت في ضياع أوقاتهم وإهدار طاقات شبابهم وصحتهم ممن انحدر مع المنحدرين في المستنقع العفن لهذه الإثارة والرغبات الهدامة المخالفة للشريعة الحنيفية الغراء، كذلك فإنها تحطم أعصاب المسلمين الذين تأبوا على هذا الانحراف ووقفوا عاجزين عن إزالته أو استشفاء المجتمع الإسلامي منه.
إننا في حاجة إلى تشريع اختاره الله بعلمه لصلاح من خلقهم ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)﴾ (القصص)، تشريع إسلامي يحكمنا ويتوافق مع التربية العقيدية لهذا المجتمع المسلم، وليس إلى تشريعات تخالف هذه العقيدة بل يجب على كل مسلم حاكم كان أو محكوم أن يعمل بكل جد على تنقية القوانين التشريعية التي تحكم بلاد المسلمين من كل قانون أو مادة في قانون يخالف التشريع الإسلامي فلا خيار للمسلم إذا ما اختار له خالقه، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا (36)﴾ (الأحزاب)، ناهيك أن يستحدثوا قانونًا جديدًا يخالف شرع الله.
إن المسلم الذي تربى على العقيدة السليمة ثم تحكمه شريعة لا تلتزم بالإسلام يقع في سيره وحركته اليومية في حيرة وتناقض شديدين بين طاعته لله وطاعته لأولي الأمر المخالفين في حكمهم لشرع الله، وقد تأخذه فتوى سلطوية، أو حديث عالم (كان قبل أن يدور به كرسي المسئولية الذي يخشى أن يُنتزَع من فوقه، محبوبًا وموثوقًا به) إلى طاعة الحاكم وعصيان الحكيم، إن ذلك يدفع المجتمع إلى الانفصام، ومن القوانين سيئة السمعة والتي لا بد من تغييرها لتوافق الشريعة الإسلامية على سبيل المثال لا الحصر:
1- فرض الله عز وجل الحجاب على نساء المسلمين.. ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ (النور)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما "يا أسماء إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحل لها أن يظهر منها إلا هذا وهذان- وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجهه وكفيه الشريفين-"، ومع اتفاق الأئمة على فرضية الحجاب واختلافهم على فرضية النقاب، فإنه لا ينكر كل من تربى على العقيدة والشريعة الإسلامية فرضية الحجاب، يقول الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي "الحجاب فريضة والنقاب فضيلة"، ويقول "الحجاب مفروض والنقاب غير مرفوض"، ومع كل ذلك فإن كثيرًا من بلاد المسلمين لم تستسلم لأمر الله، فالمرأة الملتزمة بحجابها تلاقي الكثير من العنت والظلم والتضييق والفصل من العمل خاصة إذا كانت في المواقع المؤثرة خاصة الإعلام، وفي بعض الدول الإسلامية يمنع القانون لبس الحجاب خاصة في المصالح الحكومية ومنها تونس وتركيا، إنهم يُكرِهُون نساءَهم على الرذيلة ويدفعونهن إلى البغاء وهن يردن الإحصان والعفاف، ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)﴾ (النور: من الاية 33).
2- ختان الإناث ضرورة بشرية في غالب الأحيان إن لم تكن فريضة شرعية، وهو من سنن الشريعة الإسلامية والتي توجب الاعتدال والوسطية في كل شيء، وفي هذا المعنى الوسطي للغريزة الجنسية عند المرأة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأم عطية ومهنتها ختان الإناث "أخفضي ولا تنهكي" ولأن (اعتدال المزاج الجنسي عند المرأة من الأمور التي تجعل حياتها وحياة المجتمع جميعه تسير في كل يوم سيرًا سهلاً متوازنًا بأقل قدر ممكن من الإثارة والاحتكاك والاحتراق، وبأكبر قدر ممكن من الحث على التعفف والطهر) كما يقول أستاذنا الدكتور أحمد العسال، ولأن أعداء الإسلام يعلمون ذلك فقد كبر عليهم أن تعيش مجتمعاتنا في بيئة من الطهر والعفاف، فأرادوا أن يخرجوا نساءنا من عفافهن وطهرهن إلى مستنقع إثارة الغريزة واحتراق الشهوة، فأعلنوها حربًا على ختان الإناث بالتساوي والتوازي مع الحرب على الإرهاب، ومارسوا الضغوط على آلاتهم في بلاد المسلمين حتى أصدروا القوانين التي تحرِّم وتجرِّم الختان للإناث.
3- يشرع لنا ربنا عز وجل تعدد الزوجات عند حاجتنا لذلك مثنى وثلاث ورباع، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا (3)﴾ (النساء)، ثم تحرِّمه وتجرِّمه دولٌ إسلاميةٌ مثل تونس.
4- يشرع لنا ربنا الميراث بدقة وعدل شديدين ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)﴾ (النساء)، ثم تترك ساحات الإعلام جميعها للمتطرفين الحقيقيين الذين تأبوا على شريعة الله، الشريعة الوسط للأمة الوسط، ويؤلبون الناس على هذه الشريعة بدعوى أنها تظلم المرأة، وهم يريدون العدل للمرأة (وهم الظالمون)، وأن تتساوى في الميراث مع الرجل، فصاغوا مشروع قانون ربما يصبح بين عشية وضحاها من القوانين التي تحكم بلاد المسلمين.
5- تؤكد الشريعة الإسلامية أن شهادة الرجل بشهادة امرأتين لأسباب لا يعلمها إلا الذي خلق الذكر والأنثى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (البقرة: من الآية 282) وهؤلاء المتخنثون يطالبون بالمساواة بين الرجل والمرأة في الشهادة، ولأننا في عهد أرادوه لنا أن يكون عهد المرأة، فلربما يحدث فيه كل شيء وأي شيء.
ملاحظة:
يلاحظ أن جميع هذه المخالفات للشريعة الإسلامية تمس المرأة المسلمة، والتي هي عصب هذه الأمة ومدرسة إعداد المجتمع المسلم، وكما يقول الشاعر:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق
لهذا أرادوا لهذه الأمة أن تتربى على غير الشريعة الإسلامية فيكون من السهل اختراق هذه الأمة واحتراقها عندما يقطعوا جذورها المستمدة من العقيدة والشريعة الإسلامية.
6- يحرم ربنا عز وجل الخمر والميسر، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)﴾ (البقرة)، ويلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم شارب الخمر وساقيها وبائعها وشاريها وحاملها والمحمولة إليه وعاصرها، وفي القانون الوضعي لا يعاقب أحد من هؤلاء الملعونين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصنع الخمر ويعلن عنها في بلاد المسلمين وتباع وتشترى وتعرض وتحمل وتشرب علنًا وكأننا نعلن لله جميعًا أننا نجاهره بالمعاصي، والميسر أخو الخمر محرم في شريعة الله ولكننا نجده مباحًا ومقننًا وتتبناه القنوات الفضائية والأرضية في كل وقت وحين بلا رقيب ولا حسيب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
7- الربا من المعاملات المالية التي حرمها ربنا عز وجل في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279)﴾ (البقرة)، ومع ذلك فكل المجتمع الإسلامي بأسره يتعامل باقتصاديات السوق وتحكم المعاملات المالية في هذه المجتمعات جميعًا القوانين والتشريعات الربوية المخالفة للشريعة الإسلامية، مع وجود كافة الدراسات التشريعية لتطبيق الشريعة الإسلامية في كافة المجالات ومنها المجال الاقتصادي، ومع أن الله قد آذن المرابين بالحرب، نجد كثيرًا من المسلمين قد قبلوا التحدي والحرب مع الله ورسوله ولم يتركوا الربا، ويتمارَوْا ويَلْووا أعناق الآيات ليحلوا ما حرم الله.
8- الدعوة إلى الله فريضة على كل مسلم ومسلمة لقول ربنا عز وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ (108)﴾ (يوسف)، وقوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران) وقصر الفلاح في الآية على هذه الأمة الداعية تستوجب أن يشمل ذلك كل الأمة حيث إن كل الأمة يأمل في الفلاح وليست فئة بعينها من هذه الأمة، إنها أمة الخير جميعها ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ (110)﴾ (آل عمران)، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلغوا عني ولو آية"، ومع ذلك كله فإن القوانين التي تحكمنا تُجرم من اعتلى منبر الدعوة لله بدون ترخيص معتمد من أمن الدولة (أقصد من وزارة الأوقاف).
إن هذه المخالفات لشرع الله عز وجل من شأنها خلق مناخ متأزم يدفع المجتمع بأثره إلى حافة الانهيار والتدني والسقوط، بينما الحياة في ظل الشريعة الإسلامية وتكامل التربية المجتمعية بضمان البناء العقيدي والبناء التشريعي جنبًا إلى جنب يضفي على البيئة الاجتماعية التزامًا وطهرًا وعفافًا ونظافةً واعتدالاً في جميع مناخاتها الحياتية، مما يحقق بناءً مترابطًا للحياة الاجتماعية الصحية، حيث تكون الوقاية هي قاعدة الحياة اليومية، وقاية من الانحراف والانجراف والسقوط، وقاية من الزلل والشطط والغواية، وقاية من الخداع والكيد والمكر، وقاية من التطرف أينما وكيفما كان أو كانت بواعثه، وقاية من الخضوع للترغيب المضل أو الترهيب المذل، وقاية من الولوج في أي طريق يغضب الله الكبير المتعال.
اللهم ربنا ألهم أبناء هذه الأمة الهداية والرشد والسداد، وأهدنا جميعًا إلى طاعتك وحسن عبادتك، واعصمنا من الخديعة بغير منهجك، ورَضِّنا بقضائك، واجعلنا دائمًا تحت لوائك نأتمر بأمرك ونجتنب نواهيك، ألهم ولاة أمور المسلمين السداد والرشاد ليحكموا بشريعتك، ويعدلوا بين رعيتك، ويربوا الناس على كتابك، فيتكون المجتمع المسلم الصادق العفيف الطاهر النظيف العامل النشيط، الذي يسوده العدل والمساواة والحب والمؤاخاة، مجتمع متعارف، متكافل، متفاهم، متلاحم، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر على راحته والحماية والرعاية لحقه، مجتمع يرضي ربه فيرضى سبحانه عنه، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، أرزقنا قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنةً ونعيمًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته وسلك طريقه إلى يوم الدين.
----------------
