محمد السروجي

بالتزامن مع بدايات جولات الحوار بين الإخوة الفرقاء "فتح وحماس"، والتي يوقن الجميع بأنها بدأت بمباركة أمريكية ولأهداف عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية والخارجية التي يعانيها المربع الصهيوأمريكي على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، وليس حرصًا على التوافق الفلسطيني أو الحقوق والثوابت الفلسطينية.. انطلقت التساؤلات والتكهُّنات: هل تملك أطرافه النية الصادقة والآليات الفاعلة للوصول به إلى برِّ الأمان؟ أم هي جولات ديكورية الشكل فارغة المضمون؛ يحاول بعض الأطرف إضاعة الوقت لتجاوز مرحلة راهنة ليست في صالحه لسبب أو آخر، كما يرى البعض أنه برغم الأزمة الراهنة التي تعانيها حماس وشعب غزة فمن المتوقع الوصول إلى انفراجة قادمة؟!
الأزمة الراهنة
وهي تتمثل في جملة من الشواهد والتوقعات، منها:
* استمرار الشقاق القائم بين الطرفين بسبب اختلاف المشروعات: مشروع المقاومة، مشروع المساومة، مشروع ثالث للذين يتعاملون مع القضية بفكر رجال الأعمال؛ لتكون القضية صفقةً تجاريةً بمعناها البحت.
* استمرار الحصار السياسي والاقتصادي والحدودي، والذي حوَّل القطاع إلى سجن يُحرَم نزلاؤه من الحد الأدنى لحقوق المساجين في الغذاء والدواء والحركة.
* القمع الحقوقي الذي يعانيه أعضاء حماس في الضفة من أجهزة أمن السلطة، والتي أصبحت تعاني فلتانًا إداريًّا، فأصبحت تخضع لسلطة وأوامر القيادات العليا والوسيطة بعيدًا عن سلطة الرئيس عباس شخصيًّا.
* التحريض الإعلامي المحلي من شخصيات نافذة في فتح: "أحمد حلس وأحمد قريع وعزام الأحمد ودياب العلي ونبيل عمرو وغيرهم"، بل وشخصيات نافذة إقليمية "وزير الخارجية المصري وتصريحاته التي تناقض الموقف المصري المعلَن".
* هاجس تخلي الدول الداعمة عن حماس لحسابات شخصية محلية وإقليمية، وهو أمر وارد ومتوقَّع في العلاقات الدولية؛ حيث لعبة المصالح التي قد تعلن أحيانًا أن الساسة لا خلُق لهم.
الانفراجة القادمة
وهي تتمثَّل في جملة التغيرات العالمية والإقليمية والمحلية الحالية والقادمة، والتي أدت إلى فتح ملف الحوار المطروح منذ فترة؛ بدأ بالحوار مع الغرب وما زال، ثم الحوار الفلسطيني الداخلي؛ فإن هناك العديد من الحوافز والدوافع والمبررات جعلت الغرب يسعى وبكل قوة "مُكرهًا ومُجبرًا" لإجراء هذه الحوارات مع رموز الحركة؛ من هذه الدوافع والأسباب:
* الصمود المدهش لحماس وشعب غزة أمام الحصار الظالم وكافة المحاولات الداخلية والإقليمية والخارجية لإفشال حماس وإسقاطها.
* نجاح الإعلام المقاوم المسلَّح والسلمي في توضيح الرؤية حول حقوقه المشروعة وقضاياه العادلة وبيان كذب الشائعات والأباطيل التي كانت تُثار حوله.
* التوجُّه الغربي الحالي لإجراء مراجعة شاملة لسياساته تجاه الأحزاب والحركات الإسلامية ذات التوجهات "المعتدلة" في المنطقة العربية؛ انطلاقًا من إدراكه لقوتها وتأثيرها في الرأي العام داخل مجتمعاتها، ولعل الحوارات التي جرت مؤخرًا في أكثر من عاصمة جزءٌ من هذا التوجه الجديد.
* رغبة الغربيين في معرفة المزيد من المواقف "الحمساوية" تجاه عدد من القضايا السياسية والاجتماعية والفكرية، فبعدما ثبت لديهم أن هناك مسافةً كبيرةً بين الفكر الذي تحمله الحركة- أي الفكر الإخواني المتسم بالعديد من سمات الاعتدال والوسطية والانفتاح على الآخر- والمدارس الفكرية الأخرى في حقل العمل الإسلامي تشوَّق الغرب أكثر فأكثر لمعرفة المزيد من مؤشرات هذه الوسطية والاعتدال والانفتاح.
* محاولة "عزل" الخصم التقليدي للغرب المتمثل في إيران عما يقال عن امتدادات لها في بعض الساحات الإقليمية كبيروت ودمشق وغزة، وجعلها وحيدةً في ساحة المواجهة المتوقَّعة بعيدًا عن أية تأثيرات في ساحات أخرى، وحرمانها من أي استعانة ببعض الأذرع التي قد تشاغل بها خصومها في تل أبيب وبعض العواصم.
وأخيرًا..
إضافةً للظروف السابقة يأتي الوضع الداخلي لحركة فتح؛ حيث الصراع القائم على قدم وساق بين الأجنحة المختلفة ذات الأجندات المتباعدة؛ لتكون سنن الله في كونه بزوال أجنحة الاستبداد والفساد والارتباطات الخارجية وبقاء التيار الوطني الخالص والمبعَد حاليًّا في القاع، لكنه ما ينفع الناس! هذه مجرد رؤية وتبقى الليالي حبلى بالأحداث!.
---------------