سري سمور

 

كثيرًا ما تجد من يتقن اللعب بالكلمات وقلب المعاني من الكُتَّاب وحملة الأقلام في زماننا، ومن كان كاتبًا وله موقع سياسي أو اجتماعي قد يحظى باهتمامٍ أكثر من غيره، ويحار المرء أحيانًا حين يقرأ ما يكتب؛ أهذا رأيه الشخصي؟ أم أنه يعبِّر عن موقف سياسي معين؟ وهذا الصنف من الكُتَّاب ممن لهم موقع سياسي تجد أنه يلجأ أحيانًا إلى الحديث مباشرةً لطرح وإيصال وجهة نظره.

 

إلا أن هناك من يحترف وضع أفكار تحتاج إلى نقاش وأخذ وردٍّ على أنها مُسلَّمات وحقائق لا يرقى إليها الشك وما على القارئ إلا التعاطي معها وفق ذلك!.

 

الكاتب والسفير والسياسي السيد نبيل عمرو من الفئة الأخيرة؛ فهو عضو مجلس ثوري لحركة فتح ووزير ونائب مجلس تشريعي سابق وسفير للسلطة الفلسطينية في مصر حاليًّا، بعدما قبِل (طوعًا أو كرهًا أو استسلامًا) أن يتولَّى منصب السفير تحت إمرة رياض المالكي.

 

وخلال السنوات الماضية حرصت على قراءة كل ما يكتبه عمرو، ولا يخفى على من يقرأ أو قرأ للرجل أنه ضليعٌ في اللغة وأساليب الكلام المنمق، ويتقن تزيين ما ينفِّر المرء منه بطبعه!.

 

وأنا لا تستهويني فكرة الرد على كتابات الآخرين بشكل تفصيلي، خاصةً أن الرد يكون أطول من المقال، وسلفًا أعتذر عن الإطالة، لكن مقال السفير نبيل عمرو المنشور في صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية يوم السبت 25/10/2008م العدد (10924) يستلزم التوقف والرد، على الرغم من أن المقال نشر منذ أكثر من أسبوعين؛ لأن المقال والرد عليه جاءا مع تعثُّر انعقاد جلسات الحوار الفلسطيني في القاهرة، ولأنه بقلم شخصية سياسية لها موقعها داخل السلطة وحركة فتح وليس مجرَّد مقال رأي لكاتب أو محلل أو مفكر، ولأن المقال والمُعَنْوَن بـ"قبل الحوار... حماس وفتح" احتوى على كثيرٍ من النقاط التي تتطلَّب الرد والمناقشة، وأيضًا التوضيح للعديد من المغالطات وقلب الحقائق، علمًا بأنني تمهَّلت قبل الرد أو نشر الرد؛ لعل السفير المحترم يكتب مقالاً جديدًا أو استدراكيًّا، فرأيت ألا مفر من الرد.

 

ابتدأ السفير نبيل عمرو مقالته بالقول: "رغم الأزمة المالية التي تواصل اجتياحها للعالم كله، إلا أن الحوار الفلسطيني- الفلسطيني ما يزال يحظى بقدرٍ كبيرٍ من الاهتمام، ومردّ ذلك على الأرجح إلى أهمية الموضوع لأكثر من طرف إقليمي ودولي".

 

الكثير من القضايا تشغل بال واهتمام الناس والدول غير الأزمة المالية، ولكن أذكِّر سعادة السفير بأن هذه الأزمة ربما سرَّعت عجلة الحوار، وخفَّفت من وطأة الضغوط الأمريكية على الطرف الذي يمثله، إجمالاً لا أدري لماذا ابتدأ السفير مقالته بهذا الحديث!.

 

ثم يدخل السفير عمرو في الموضوع: "فالموضوع هو محاولة جدية لإنهاء وضع فلسطيني غير مسبوق؛ فمنذ بداية الصراع الفلسطيني- الفلسطيني وحتى أيامنا هذه وإلى أجلٍ غير مسمى، يحدث أن تنشأ سلطتان متصارعتان في وطن واحد: سلطة في الضفة الغربية مكبلة باحتلال عسكري واستيطاني يمس مجمع أعصاب الحياة الفلسطينية بأدق تفاصيلها، وسلطة أخرى محشورة في زنزانة مكتظة بالناس والأزمات، وهذه السلطة أخذتها العزة بالإثم وورَّطت نفسها بشعارات والتزامات مستحيلة، وقدَّمت نفسها إلى العالم على أنها أول نظام حكم يؤسسه الإخوان المسلمون في هذا الزمن".

 

ما أبرعك يا سعادة السفير في التبرم واللعب بالكلمات!؛ فسلطة الضفة مُكبَّلة- حسب تعبيرك، وهو حقيقة- باحتلال عسكري واستيطاني، ورغم ذلك مررتَ على هذا الأمر ببضع كلمات عابرة، وكأن الأمر بسيط وسهل وأمره مقدور عليه؛ فمقال مؤلف من حوالي (1280) كلمة لم يأخذ الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية منه إلا كلمات بعدد أصابع اليد، فضلاً عن تجاهل سعادة السفير لموضوع القدس وتهويدها واستهداف مقدساتها، وكأن القدس ليست من الضفة الغربية؛ لينتقل السفير مباشرةً وبسرعة لما أراد التحدث عنه، وهو السلطة التي أخذتها العزة بالإثم- حسب تعبيره- والتي قدَّمت نفسها على أنها أول نظام يؤسسه الإخوان المسلمون في هذا الزمان.

 

هلاَّ تفضَّل سعادة السفير وشرح لنا أي شعارات وأي التزامات مستحيلة يشير إليها، ومن هو الذي يحدد تلك الاستحالة وما المقياس، وفي أي خطاب أو تصريح قدَّمت الحكومة في غزة نفسها على أنها أول حكم للإخوان المسلمين، لنراجع خطابات الأستاذ إسماعيل هنية والناطقين باسم حكومته وطاقمه، وأضف إليها تصريحات المتحدثين باسم حركة حماس، سواء وهم مستغرقون في عواطف جيَّاشة أو بحديث متعقِّل هادئ، لم أعثر على أي دليل أو قرينة على أنهم قدَّموا أنفسهم كذلك، وكما قلت في البداية: هناك من يحترف تقديم أفكار على أنها مُسلَّمات وحقائق يريد من الآخرين أن يتعاطوا معها كذلك، بينما هي ليست سوى فرضيات نابعة من تعصب ونظرة فئوية وحسب!.

 

ثم يكمل: "يدخل الحوار الفلسطيني- الفلسطيني ممرًّا حاسمًا" كلام سليم، ولكن يا سعادة السفير.. أليس من واجبك أن تسعى- ولو بقلمك الذي تستطيع نشر نتاجه في أكبر الصحف وتلخصه في معظم الفضائيات- بحكم تنفُّذك وموقعك أن تحاول منع الفشل؟! وهل فكَّرت حين كتبت هذه المقالة: أتساعدنا على النجاح أم تدفعنا نحو الفشل؟!

 

ثم يَلِجُ سعادة السفير في دور التنظير والتحليل: "ومن موقعي، كمواطن لا يدَّعي الحياد في الموقف والالتزام، أجد لزامًا عليَّ أن أكون موضوعيًّا في عرض المعطيات واستنتاج الخُلاصات"، ولكم تمنَّيت حين وصلت إلى هذا الجزء من المقال أن تكون موضوعيًّا، ولو كنت غير محايد وأن تعرض المعطيات وأن تستنتج، لا أن تتعامل بالأفكار والآراء المسبقة.

 

"ذلك يتطلَّب تحديد اللاعبين وقراءة واقعهم وقدراتهم، بعيدًا عن ادعاءاتهم واستخلاصاتهم الخادعة"، جيد، وبناءً على ذلك وحسب هذا الكلام يفترض أن ما سيأتي بعده يتحدث عن "اللاعبين"، يتحدث عن طرفين على الأقل، ولكن مباشرةً وراء هذا السطر كتب السفير: "حماس:".

 

قبل أي نقاش، ولنسأل: أي كاتب مبتدئ يحكم بالعدل، أو أي قارئ ولو كان مقلاًّ حين يقرأ كلمة حماس وراءها (:) النقطتان.. ألا يستنتج مما سبق ومن عنوان المقال- وأذكّر به: "قبل الحوار.. حماس وفتح"- أن الكاتب سيتحدَّث عن حماس ثم فتح، أو عن حماس ثم بقية الفصائل.. المهم أن الحديث لن يقتصر على حماس وحدها، ولكن- ومع الأسف- تحدَّث السفير عن حماس من وجهة نظره ونظر الطرف الذي ينتمي إليه، وأنهى مقالته على ذلك، ولقد ظننت أنني سأجد في آخر المقال كلمة "يتبع" أو أية إشارة إلى أن المقال هو الجزء الأول وسيليه جزء ثانٍ، ولكن مع الأسف لم أجد، وانتظرت مقالاً جديدًا للسفير بلا جدوى، وهذه وحدها تنقض ادعاء السفير نبيل عمرو للموضوعية وعرض المعطيات واستنتاج الخلاصات كما قال؛ فالمعطيات عنده فقط عن حماس، والاستنتاج بناءً على ما يفترضه "في" و"عن" حماس، ودعونا نرى فرضيات السفير:

 

"حماس: منذ فوزها غير المحسوب في انتخابات المجلس التشريعي، كان الخطأ الأول تفسيرها للفوز على أنه ثقة مطلقة منحها الشعب الفلسطيني لها، ومن واقع هذه الثقة ظنت أنها ملكت الحق في إلغاء كل ما سبق، ورسم خط المستقبل بيدها دون التفكير في شراكة حقيقية، وإنما مراهنة لكسب الوقت وتعزيز القبضة على السلطة".

 

أرجو ألا يكون هذا الكلام نوعًا من المناكفة ومحاولة الثأر؛ نظرًا لأن سعادة السفير "نبيل محمود يوسف عمرو" ترشَّح عن حركة فتح في دائرة الخليل وحصل على (41293) صوتًا، وحصل مرشَّحو كتلة التغيير والإصلاح على جميع مقاعد الدائرة التسعة، والشهادة لله فإن السيد نبيل عمرو كان قريبًا جدًّا من الفوز؛ حيث إن فارق الأصوات بينه وبين النائب "محمد الطل" (6060) صوتًا، ولعل عبارة "غير محسوب" تأتي في هذا السياق، وهذه دعابة منِّي في غورها جِدٌّ.. غير المحسوب من قِبل من بالضبط يا سعادة السفير؟ منك مثلاً؟ أم من حماس؟ أم من فتح؟ أم من الشعبية؟ أم من أمريكا؟ كان يفترض بك التوضيح لا أن تترك الاستنتاج لي حتى أظن أن الأمر شخصي بحت!.

 

"وحركة حماس تنزلق من خطأ إلى آخر" طبعًا سعادة السفير تفرَّغ لإحصاء "أخطاء حماس" وتحليلها وترتيبها وفق تصوراته الخاصة التي اعتبرها حضرتُه موضوعيةً، وهنا أطرح سؤالاً على السفير المحترم: لو خسرت حماس في انتخابات التشريعي ولو بفارق بسيط أمام فتح.. هل ستكتب أن فوز فتح هو ثقة جزئية لا مطلقة؟ أم أنك ستكتب أن الشعب يجدد ثقته بـ"فتح" ويصادق على برنامجها السياسي والنضالي؟

 

وأذكِّرك حين فاز الرئيس أبو مازن في انتخابات الرئاسة التي قاطعتها حماس وكيف اعتبرت فتح أن هذا الفوز هو تفويض شعبي عام، وسأفترض جدلاً أن حماس فسَّرت فوزها بما ذكرت، رغم أنه لا دليل مادي على ذلك، أيعيبها ذلك لدرجة أن تكتب عنه مقالاً فيما يُسمَح لغيرها بهذا التفسير؟ لماذا؟ وعلى أي أساس؟

 

أما عن الشراكة فأحب أن أذكِّر سعادة السفير أن حماس فور فوزها، وبشهادة الرئيس محمود عباس، حاورت كل الكتل والفصائل لتشكيل حكومة موسعة، إلا أن محاولاتها ووجهت بالرفض؛ إما مراهنةً على أن التجربة لن تدوم أكثر من أربعة أشهر كما قيل بعد تشكيل الحكومة العاشرة، أو خوفًا من انتقام الأمريكيين والأوروبيين وطبعًا المحتلين، ولا ننسى كيف كان يُطلَب من حماس تبني برنامج سياسي هي فازت بناءً على نقيضه لتشكيل حكومة معها؟

 

ويمضي سعادة السفير في بحر التحليلات الموهومة: "كان منطق حماس في الدفاع عن نجاحها يرتكز إلى ما تراه بديهيةً لا تناقش، وهي حتمية احترام الجميع للنتائج التي أفرزها صندوق الاقتراع، بما في ذلك أمريكا و"إسرائيل"، مع حتمية أن تتحول فتح التي سقطت في الانتخابات إلى متعاونٍ مع حماس في أمر تثبيت سلطتها وتجسيد خيارها السياسي الذي هو منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا، بلا ملامح".

 

وأيضًا أسألك يا سعادة السفير: كيف قرأت منطق حماس لتصفه بهذا؟ ما دليلك؟ ثم أليس منطق الديمقراطية التي صدَّعتم رءوسنا ببركاتها ولطالما غنيتم لها ولفضائلها، يقتضي احترام نتائج الانتخابات؟ بل هذا هو الأساس، أي احترام النتائج، وما يحزُّ في النفس أنك قرنت أمريكا والكيان الصهيوني بـ"فتح"، وهذا لا يليق بمحترفٍ في الكتابة وضليعٍ في اللغة العربية مثلك؛ فكلامك هذا يوحي بأن الكيان الصهيوني وأمريكا وفتح في نفس السلة، وهذا لا يليق بحركة فتح التي تتولَّى سعادتُك موقعًا فيها.

 

وهناك وفاق وطني وقبله اتفاقية في القاهرة كردٍّ على ادعائك أو تظاهرك بعدم رؤية الملامح، ثم يأتي سعادة السفير بما يسميه: "ولعل أبرز الدلائل على ارتباك حماس هو فقدانها البوصلة السحرية التي توفِّر لها النجاح في سلطةٍ أسَّستها اتفاقات أوسلو، مع استمرار المقاومة المسلحة التي ألغتها أوسلو، وحين كانت حماس تضطر إلى الاختيار بين سلطةٍ متنازع عليها، ومقاومةٍ مُسجَّلة في شعاراتها، كانت تختار السلطة وتضحِّي بالمقاومة، وتفاهم التهدئة الأخير هو القرينة الدامغة على ذلك".

 

أحمد الله أنك تقر بأن أوسلو يلغي حق الشعب المحتل أن يقاوم قوة الاحتلال بالوسائل المسلحة، شهادة عليك لا لك يا سعادة السفير لو فكرت قليلاً، وعلى كلٍّ فإن شارون قد ألغى أوسلو قولاً وفعلاً، لكنك ومن معك تتمسَّكون بتلابيبه أو ببقاياه المبعثرة وتصرون على الدفاع عن هذه البقايا.

 

أما حديثك عن التهدئة الأخيرة، فسبحان الله العظيم الذي غيّر الأحوال؛ ألا يعلن الرئيس محمود عباس عن دعمه للتهدئة وضرورة تثبيتها والحفاظ عليها؟ أم أنك صاحب موقف مختلف؟ وهل نسيت يا سعادة السفير أن حماس حين نفَّذت عملية الوهم المتبدِّد دفعت- وما زالت حتى اللحظة- ثمنًا باهظًا تجسَّد في مضاعفة وتكثيف الحصار عليها واعتقال نوابها؛ مما أخل بأغلبيتها البرلمانية حتى اللحظة؟! لماذا فعلت حماس ذلك ما دامت السلطة عندها أهم من المقاومة؟! أهو خطأ في الحسابات؟! حسنًا.. بإمكانها التراجع والاكتفاء بإخراج نوابها وبعض الأسرى من رموزها ورموز الفصائل الأخرى لتعود بقوة إلى السلطة.

 

أما التهدئة يا سعادة السفير، والتي كثر الحديث عنها، فهي بتوافق الفصائل لا بالإكراه، وقد استُغلَّت- وما زالت- لمراكمة الاستعداد للقادم لدى فصائل المقاومة تسليحًا وتدريبًا وتجنيدًا، وما التوغل الأخير وتصدي كتائب القسام له إلا دليل على ذلك.

 

ثم ينتقل سعادة السفير إلى الحديث عما أسماه "الخطأ الثاني" وهو: "عدم الإقرار بفشل تجربة الاستئثار بالحكومة الأولى، أي الحكومة الحمساوية الصرفة، والذهاب إلى مكة لإبرام اتفاق تسعى من خلاله إلى كسب الوقت وليس إلى تأكيد شراكه فعلية مع الآخرين".

 

لماذا مطلوبٌ من حماس أن تقر بفشل- كما تسميه- وليس مطلوب من غيرها الإقرار بسلسلة بل سلاسل من الفشل والأخطاء والخطايا عبر سنوات طوال؟! أين العدالة في ذلك؟! أليس أوسلو خطيئة؟ أليس اتفاق باريس الاقتصادي سببًا رئيسيًّا فيما وصلنا إليه؟ ألم نتحوَّل إلى متسوِّلين للقمة العيش مقابل كرامتنا الوطنية وحقوقنا؟! هل اتفاقية أو تفاهمات المعابر نجاح وانتصار؟! ماذا تريد يا سعادة السفير لمن حصل على أغلبية برلمانية وفاوض أيامًا طوالاً لتشكيل حكومة موسعة فرفض الآخرون شراكته أن يفعل؟!

 

أما الذهاب إلى مكة فأنت كنت حاضرًا هناك، وذهبتم بدعوة من الإخوة في السعودية، وجرى توقيع الاتفاق الذي فرحت له فرحًا الله يعلم مداه، ولكن- وأنت تتحدث عن الشراكة- هل أسَّستَ لشراكةٍ حقيقيةٍ؟! ألم تعتبروا السفراء والمحافظين حكرًا لكم وحرامًا على من سواكم؟! وأنت الآن سفير من لون يتشابه به كل زملائك تقريبًا في بلاد العرب والروم والعجم!!.

 

ويمضي سعادة السفير بعيدًا ليتحدَّث عن حكومة الوحدة الوطنية، وكيف أن حماس "قبلت حماس بحكومة الوحدة الوطنية، إلا أنها وبعد أقل من شهر على اتفاق مكة بدأت تصرخ مطالبةً بتعديله، مبرِّرةً ذلك بعدم تحقُّق الوعد الذي أمَّلت نفسها به، ودخلت حكومة الوحدة من أجله، وهو إنهاء الحصار، وفتح الأبواب على مصاريعها لحماس، كي تفتح خطًّا من غزة إلى طهران، وخطًّا آخر من غزة إلى أوروبا ثم البيت الأبيض، إن أمكن!".

 

أستغرب عداء السفير لإيران، وأنا لا أتجنَّى؛ فمقابلته مع قناة (العربية) بُعَيد تعيينه سفيرًا ما زالت موجودة، وقد تطوَّع فيها لقذف إيران بحجارته، هل نسيت أن أبا عمار كان أول زعيم يصل طهران بعد نجاح الثورة عام 1979؟! هل نسيت قوة العلاقة بين فتح ونواة الحرس الثوري؟! وسبحان الله الذي آتاك يا سعادة السفير علمًا تعرف به النوايا والآمال التي يملكها الواحد، بل حركة مثل حماس نفسها، بفتح الأبواب التي تتحدَّث عنها وتحكم على نواياها من خلال دخول حكومة الوحدة، فهل تكرَّمت علينا وعلمتنا قليلاً من أدوات هذا العلم الذي تستكشف به النوايا.

 

ثم يأتي سعادة السفير للعب دور الكاتب الساخر والمستهزئ بعد لعب دور المحلل العالم بالنوايا ليقول، نعم يا سعادة السفير، ورغم أنني- وللأمانة- لا أتذكر: "وليس أدل على ذلك من تشخيصٍ أعلنه السيد خالد مشعل، للوضع الفلسطيني والعربي، قال فيه: إن الأمة في أفضل حالاتها؛ فما عليها إلا أن تحشد الجيوش وتتوجه إلى القتال وتُنهيَ كل شيء!".

 

إني سمعت هذا الكلام من السيد مشعل، علمًا أنني أتابع خطاباته وتصريحاته، إلا أن استهزاءك ونظرك إلى شعبك وأمتك على أنهم يجسِّدون الهزيمة كصفة جينية لا كحالة عابرة من التاريخ.

 

اعذرني؛ فهذا ما فهمته من سخريتك، نعم.. الأمة بخير رغم الهزائم والظروف الصعبة مقارنةً بالكيان اللقيط رغم كل قوته، والدليل الدامغ هو حرب تموز 2006 يا سعادة السفير، أم ستشكك في هذا أيضًا؟

 

ثم يأتي السفير لغزة ليصف الحدث بـ"خطيئة انقلاب غزة"، صدِّقني يا سعادة السفير أن الناس ملّوا من استخدام كلمة "انقلاب" ومضغها على الألسن وتسويد الصفحات في كتابتها، بل باتت تبعث على السخرية أحيانًا والضجر أحيانًا أخرى، ولا تظنَّنَّ أن لها المفعول الذي ترجوه، خاصةً في هذا الوقت، ثم إن الرئيس محمود عباس قد تخلَّى عنها بعدما كان يردِّدها صباح مساء، فيا سعادة السفير بالتعبير الشعبي:"خيِّط بغير هالمسلة"!.

 

ثم يقدِّم لنا سعادة السفير خبرًا ومعلومةً مهمة: "فوجئ العالم بسرعة انهيار فتح والسلطة في غزة أمام هجمات مُركَّزة ومتتالية قامت بها ميليشيات حماس"، شرُّ البليَّة ما يُضحك يا سعادة السفير، أي عالم هذا الذي "فوجئ"؟! وبما أنك في مصر أقول لك: "مش تخينة دي حبتين؟!"؛ فهل أجريت استفتاءً على مستوى العالم واستفتيت قارَّاته الست وكان نص الاستفتاء أو الاستطلاع: "هل فوجئت أم لا بما جرى في غزة؟" أم أن نرجسيتك اختزلت لك العالم لتظن أن شعور العالم هو شعورك مثلاً، هذا على فرض أنك قد فوجئت، وأشك بهذا، وسأخبرك ولو في طيات الحديث لماذا.

 

كما أن كلام السفير يحمل تضليلاً كبيرًا، حين يتحدَّث عن انهيار فتح والسلطة أمام ميليشيات حماس- حسب تعبيره- لأن حماس جزء من السلطة، وتترأس حكومتها، وليست قوة خارجية جاءت إلى السلطة فاستولت عليها، بل إن رئيس الوزراء كان يشغل منصب وزير الداخلية؛ لأن السيد هاني القواسمي كان قد استقال بسبب انزعاجه وغضبه من تصرفات رشيد أبو شباك، أما قولك: "أُلقي بعض الكوادر من أسطح البنايات الشاهقة" فأكتفي بدعوتك إلى مراجعة تصريحات توفيق أبو خوصة عن حسام محمد أبو قينص رحمه الله وجعل الجنة مثواه؛ حيث تحدَّث أبو خوصة لقناة (الحوار) عن القتل على الهوية التنظيمية وعلى اللحية؛ حيث إن المرحوم حسام أبو قينص كان ملتحيًا فقال أبو خوصة بوضوح: "الشاب فتح، وأمين سر شعبة.. الشباب شافوه ملتحي فقتلوه!" فرحمة الله على حسام الذي ألقي لأنه ملتحٍ من علٍ!.

 

ثم أحيلك إلى تصريحات السيد هاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وكذلك تصريحات الأستاذ محمد حسنين هيكل، علمًا بأن الأخير موقفه سلبي من الحركات الإسلامية عمومًا، ومن الإخوان خصوصًا، إلا أن هذا لم يمنعه من توضيح ما جرى برواية تختلف تمامًا عن روايتك، وأيضًا ما جاء في مجلة (فانيتي فير) الأمريكية قبل شهور، بل دعك من كل هؤلاء وما قالوه، وعلى قاعدة من فمك أدينك؛ فقد ذكرت العديد من المواقع الإخبارية أنك يا سعادة السفير قد قلت بُعيد ما جرى وبصراحة: "أعطينا غزة مقاولة لدحلان!"، وعندما يجري التعامل مع الأوطان بمنطق "المقاولات" فعلى الأوطان السلام، ومن يبذر الشوك يَجْنِ الجراح!.

 

وغزة إحدى المقاولات التي كشفت عنها، وعسى ألا تكون هناك مقاولات أخرى فتحت "عطاءاتها" وصودق عليها في مكان ما من فلسطين أو خارجها!.

 

ثم يعمِّم سعادة السفير كلامه على العالم كله فيقول: "وكان بديهيًّا أن يخسر الإخوان المسلمون في العالم كله كثيرًا من صورتهم النمطية؛ فإذا كان حكم الإخوان المسلمين بذات الصورة التي ظهر عليها حُكم غزة، فعلى كل أخ مسلم أن يودع حلم الحكم في أي مكان آخر؛ ذلك أن غزة هي "الفترينة" الحية التي تمتلئ بنماذج سلطوية لا يحبها الناس ولا يستطيعون التعايش معها في بلدانهم ومجتمعاتهم".

 

لا أدري يا سعادة السفير لماذا تصر أنت والعديد ممن يتحدث عن حركة الإخوان المسلمين على أن "قدر" الإخوان والصورة التي يجب أن يظهروا بها هي صورة من يُذبح ويُعذَّب وتحاك ضده المؤامرات فيصمت ويواجهها بطيبة قلب قاتلة، لتتحول مأساتهم بعد عشرات السنين إلى أفلام وثائقية وسينمائية وروايات ومذكرات مكتوبة ومتلفزة، فما الذي جناه الإخوان حين تعاملوا بمنطق ضبط النفس إلى حد التحوُّل إلى ضحية يقتلها الجلاد أو يسجنها ويعذبها ويمتهن كرامتها؟! ثم من قال لك إن شعبية الإخوان قد تراجعت؟! إذا كان حديثك عن الأردن فتلك حالة خاصة لها ظروفها وملابساتها التي لا يتسع المجال للحديث عنها الآن، ولكن ماذا عن فوز أردوغان؟! ثم إنني أتحدى أنه لو أجريت انتخابات محلية أو عامة تتسم بالحرية والنزاهة اليوم أو غدًا في أيّ بلد، بما في ذلك مصر التي أنت سفير فيها، فإن الإخوان سيحقِّقون بها نجاحًا مذهلاً، وأنا أصر على هذا التحدي يا سعادة السفير.

 

ولا تنسَ أن الجيل المؤسس لحركة فتح جذورهم إخوانية، وهم لا ينكرون ذلك، والتيار اللا ديني لم يتسلَّل إلى فتح إلاّ بعد سنوات من انطلاقتها، ثم دعك من الإخوان وصورتهم النمطية، ويكفيك أن تلعب دور المنظِّر العالم بخفايا الأمور في الساحة الفلسطينية، ولا تقفز على خشبة المسرح لتقول: "أنا منظِّر العالم بأسره...هذا ليس جيدًا"!.

 

ويمضي سعادة السفير ليضع اشتراطا على الحوار القادم فيقول: «...فالانقلاب الدموي، مزق كل النظم والتقاليد والشرائع وهذا ما يتعين على حماس إدراكه.. والابتعاد عن استخدام كلمة الشرعية في الحوار القادم....» هذا شرط يضعه السفير على حماس عند الذهاب إلى الحوار ،ولكن يا سعادة السفير أنوه بأن مجلس العدل الأعلى في غزة قد حكم بالإعدام على بضعة أشخاص ارتكبوا جريمة قتل واغتصاب،والحكم يحتاج إلى مصادقة الرئيس عباس لتنفيذه ،فحماس لا تزال تعترف بشرعية الرئيس عباس ،ولكن نجد صورة مغايرة لدى الطرف الآخر،مع بالغ الأسف،وإذا كنت تطلب من حماس عدم الحديث عن الشرعية في الحوار المرتقب،فعن ماذا تريد الحوار ،وما بديل الحديث عن الشرعية من وجهة نظرك؟وضح لنا فلعل في اقتراحك بديلا سحريا عن الشرعية!

 

ثم يمضي بنا السفير أو المنظِّر الهمام في الحديث عن أخطاء حماس، من منظوره الموضوعي كما زعم، ليعود مرة أخرى إلى أسلوب التضليل: "ولقد أخطأت حماس مرةً أخرى وليست أخيرةً، حين طرقت أبوابًا كانت تُحرِّم على غيرها مجرد التفكير فيها؛ فمن أجل السلطة عرضت هدنةً تزيد عن خمس عشرة سنة، ولـ"إسرائيل" أن تفعل فيها ما تشاء في جوٍّ من الهدوء والرضا".

 

هنا أذكِّر سعادة السفير بأن عرض الهدنة قبل دخول حماس السلطة، بل حتى قبل وجود السلطة؛ فقد عرض الشيخ الشهيد أحمد ياسين هدنةً طويلة الأمد مع الاحتلال، ولكن لها شروط، وليس كما تقول يا سعادة السفير، ومرةً أخرى أنا أستغرب حديثك عن الهدنة وكأنك وأولادك كنتم على الثغور تقاتلون فحرمتكم التهدئة الحالية شرف القتال والشهادة!.

 

"ومن أجل السلطة أبرمت حماس اتفاق تهدئة، قدّمت فيه كل شيء لقاء لا شيء" فرية جديدة من سعادة السفير نبيل عمرو؛ لأن عين الرضا عن كل عيب كليلة، "وعين السخط تُبدي المساوئ"، ويبدو أن السفير وصل الحال به إلى أن يعتقد أنه المبصر في حارة العميان؛ فمصر التي أنت سفير بها هي التي رعت اتفاق التهدئة الحالي، وقد تمت التهدئة بتوافق فصائلي، وبارك الرئيس عباس التهدئة وأعلن عن سعيه لتثبيتها، أم أنك تنكر هذا؟! ثم إن التهدئة الآن محل نقاش من الفصائل، وإذا ثبت أنها تقدِّم كل شيء مقابل لا شيء كما تقول، فإن فصائل المقاومة ستكون في حِلٍّ منها، وعندها أرجو أن أقرأ لك مقالاً بعنوان "فلتذهب التهدئة إلى..."؛ تحرِّض فيه على القتال والمقاومة وإطلاق الصواريخ، ليكون قلمك رديفًا لبنادق المجاهدين والمناضلين في حربهم الضروس مع المحتل!.

 

ثم يتحفنا السفير المحترم بنبأ عظيم مفاده أن حماس: "وأقدمت من خلاله على اعتقال وحتى قتل من يطلق الصواريخ في زمن التهدئة" هات برهانك يا سعادة السفير، وقدِّم لنا أسماء المعتقلين و"القتلى"؛ لأن البينة على من ادَّعى، وإلى أن تأتيَ به- وهو ما أنت عاجز عنه حتى ولو كان كل من يتقن اللعب بالكلمات وقلب الحقائق لك ظهيرًا- وأذكِّرك بأنكم حين وقَّعتم اتفاق أوسلو من وراء ظهر الشعب، بل من وراء مؤسسات المنظمة الرسمية، وأطر حركة فتح التنظيمية، فرضتم "هدنة" من نوع خاص على الشعب والمقاومة.. هدنة إجبارية؛ استلزمت التجرد من كل سلاح حتى الحجر، وفرضتم ثقافةً سمَّيتموها "ثقافة السلام" ولكنها في الحقيقة ثقافة "..."، وكل هذا دون استشارة أية قوة أو فصيل، بما في ذلك القاعدة الفتحاوية التي تم زجها لتنخرط في السلطة لتنفيذ استحقاقات أوسلو دون أن يلتزم الطرف الصهيوني بالحد الأدنى مما وقع عليه.

 

وعمن قتل فقط أذكِّرك بالشهيدين "أيمن الرزاينة" و"عمار الأعرج" رحمهما الله؛ فهذان البطلان كان لهما دور في عملية بيت ليد الاستشهادية البطولية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 20 جنديًّا صهيونيًّا، وهما ليسا من حماس بل من حركة الجهاد الإسلامي؛ الحركة التي ألحظ أنكم تحاولون مغازلتها اليوم؛ ربما ظنًّا منكم أنها نسيت- وهي لم ولن تنسى- دم الشهيدين المذكورين الذين اغتالتهما أجهزة أمن أوسلو في 3/2/1996م الموافق 17 رمضان وهما يستعدان لتناول الإفطار في منزل في مخيم الشاطئ!.. هل نسيت هذا يا سعادة السفير؟! أم هل تنكر هذه الوقعة؟!

 

وفي نفس السياق وتعقيبًا على موضوع الصواريخ فإن الرئيس محمود عباس وصفها مرارًا وتكرارًا بأنها "عبثية"، فهل تريد الآن شق عصا الطاعة؟! وحسب معلوماتي فإن السفير عمرو من المقرَّبين للرئيس عباس حتى في عهد الرئيس عرفات، فهل ثمة تغير؟! وعلى كل حالٍ فإن الصواريخ في مخازنها ويزداد عددها وتطويرها، كما تؤكد المقاومة ويقر أعداؤها، وقد انطلقت من جديد قبل أيام.

 

ومرةً أخرى أتمنَّى أن يبقى موقف السفير "المتعاطف" مع الصواريخ "العبثية" حين تسقط على سديروت وحتى على عسقلان وأسدود، لا أن "ينقلب" موقفه فيصفها بالتسبُّب في الضرر للمصلحة الوطنية، ويأتينا بمثال جديد يرى فيه أن حماس تطلق الصواريخ من أجل السلطة، مثلما "منعتها" من أجل السلطة، ولله في خلقه شئون، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.

 

ثم- وكما توقعت عندما بدأت بقراءة المقال- يتعرَّض السفير لموضوع كارتر: "ومن أجل السلطة تحوَّل جيمي كارتر، صانع كامب ديفيد، إلى رجلٍ عظيمٍ لمجرد أنه صافح قادة حماس، وقال لهم لا مستقبل لكم إلا بالاعتراف بـ"إسرائيل".

 

سبحان الله.. هناك مقطع سابق من مقال السفير أظنه إثباتًا على تناقضه؛ فالسفير قال في نفس المقال قبل سطور، وتعمدت ألا أعقِّب عليه إلا عند حديث السفير عن كارتر: "وما يدلل مرةً أخرى على أن حماس أخطأت في تقدير الواقع والتوقعات إنها وحين عرف رئيسها خالد مشعل بأن الرئيس محمود عباس أحضر دعوةً رسميةً لرئيس الوزراء آنذاك إسماعيل هنية من سويسرا بوصفه رئيسًا لحكومة الوحدة الوطنية، استقبل الخبر ببرود، مع أنه موضوعيًّا خطوة نوعية نحو كسر الحصار عن حماس ووصفة فعَّالة لدخولها المعادلة الإقليمية والدولية متأبطة ذراع فتح وليس بمفردها".

 

حيَّرنا سعادة السفير؛ فتارةً ينتقد "برود" و"تصلب" حماس المفترض، وتارةً يعيب على حماس لقاءها بكارتر؛ وهذه مشكلة سبق وأن كتبت عنها مقالاً تحت عنوان "المطلوب تثبيت المطالب من حماس"؛ فإذا أبدت حماس مرونةً قالوا: "أول الرقص حنجلة"، وإذا رأوا ما يرونه عكس ذلك وصفوها بأنها تعيش خارج الزمن والتاريخ، أولو رفضت حماس لقاء كارتر أكان هذا سيُرضي السفير؟! وعلى كلٍّ قال كارتر ما قال، ولكن كيف كان الرد عليه من حماس؟ هل كان الرد تفريطًا بالحقوق واستعدادًا للعب دور الحارس للمحتل ومستوطنيه؟

 

ولعلم السفير المحترم فإن أمريكا أرادت من حماس لعب دور حركات "إسلامية" أخرى، وتذكَّر كيف أن طارق الهاشمي وعبد العزيز الحكيم كانوا ضيوفًا مرحَّبًا بهم في البيت الأبيض، وكان بإمكان هنية ومشعل لعب نفس الدور، وعندها ستفتح لهما ولحركتهما خزائن المال وسيأخذون كل شيء؛ السلطة كاملة ومعها كل المنظمة، ولكن ما الفائدة من كسب بعده خسران مبين؟!

 

ولو سارت حماس على نهج من ذكرت لكنت أنا يا سعادة السفير قد سلقتها بلسانٍ غليظٍ وهجوتها بقلم جارح بلا تردد، ولكن هذا لم يحدث، وأسأل الله ألا يحدث.

 

ثم يفسِّر سعادة السفير تفسيرًا يبتعد عن الحقيقة أمدًا بعيدًا: "كل ذلك قدَّمته حماس، لقاء ثمن واحد وهو النجاة الشخصية لقادتها"؛ مما يثبت ويؤكد تفسير السفير هو أن قادة حماس ورموزها استشهد أبرزهم، ومَن تبقَّى منهم قدَّم ابنًا أو أكثر شهيدًا، والقادة الأحياء على قائمة الاغتيال الخاصة بالاحتلال، وساعة التنفيذ الله يعلم متى تكون؟

 

طبعًا أنا أعلم بأنه ليس مطلوبًا من الجميع أن يستشهد؛ فكلٌّ له دور يؤديه في خدمة الوطن والقضية، وأولاد السفير نبيل عمرو يقومون بدور مهم جدًّا، لا يقل عن دور أبناء قادة حماس الشهداء، في خدمة القضية والوطن في المكان المناسب؛ لا تسألوني عن هذا الدور؛ لأنني ببساطة لا أعرف!!.

 

اتق الله يا سيد نبيل عمرو؛ فأنت تعلم أنك بهذا تفتري افتراءً أنت نفسك غير مقتنع به، عوضًا عن عموم الشعب الذين ظهرت لهم الحقيقة منذ سنين؛ فشتان شتان بين مَن يستشهد هو أو فلذة كبده وبين من "..."؛ فهم لا يستوون!.

 

ويواصل السفير غوصه في الافتراءات: "وها هي بعد كل ما قدَّمت، لا تملك غير الشكوى وتنظيم حركة الإنفاق".. حديثك أيها السفير عن الأنفاق مردود عليه سلفًا بقلم الأستاذ بلال الحسن؛ فالأنفاق تدل على أن شعبنا مبدع ولا يركن لجلاده، وما العيب في تنظيم حركة الأنفاق في الظروف الحالية؟ وهل الشكوى- حسب تعبيرك- عيب أم حرام؟ أتريد أن يبقى المحاصر صامتًا حتى يفتك الحصار به؟!

 

ثم أريد أن أسألك عن دورك في رفع الحصار عن قطاع غزة، لا سيما أن موقعك يسمح لك بلعب دور مهم؛ فأنت سفير في مصر المحاذية والرئة الخاصة بالقطاع، هل بذلت ما بوسعك في سبيل تخفيف الحصار ولو قليلاً؟! أتمنى ذلك!

 

ثم يتوقَّع السفير توقعًا مهمًا: "لو قرأ بعض أعضاء حماس هذه المقالة، فلربما يعتبرونها نوعًا من الهجوم الإعلامي أو التشهير أو التصعيد أو تسميم أجواء الوئام والوحدة المنشودة".

 

صدقًا.. لا أعرف ما موقف حماس الرسمي من مقالتك، ولكنها عوضًا عن كونها هجومًا وتشهيرًا، وما ذكرت، فإنها تُجسِّد التقوقع في قالب الحزبية الضيقة والبعد المطلق-لا الجزئي- عن الموضوعية ومحاولة قلب الحقائق علنًا.

 

ثم يقر السفير: "ربما يكون الأمر على هذه الصورة فيه بعض مبرر أو مسوغ أو حقيقة".

 

ولكنه- كما يزعم- يقصد أمرًا آخر: "إلا أن ما هو أهم هو ما أقصده من كل ما تقدَّم، وهو نصح حماس أن تأتيَ إلى الحوار، حاملةً حقائقها وليس أوهامها؛ فالحقائق تقول إن تجربة سلطة منفردة في حكومة هنية الأولى قد فشلت، وإن تجربة سلطة منقوصة في حكومة الوحدة الوطنية مع توجه إلى كسب الوقت وليس للشراكة قد فشلت كذلك".

 

فعلاً.. على الجميع أن يحمل الحقائق لا الأوهام، خاصةً أنت يا سعادة السفير، حسنًا.. أنت تقول عن فشل تجربة حماس؛ فهل الصورة على الضفة الأخرى أنصع وأجمل؟! هل أوسلو هو النجاح؟! هل المفاوضات الماراثونية واستمرارها في ظل تضاعف الاستيطان هو التفوق؟! هل عودة التنسيق الأمني انتصار يجب الحفاظ عليه؟! هل تحوُّل الناس إلى متسوِّلين للأموال المشروطة هو الذكاء؟! هل وجود شخص لا يُمثِّل أي حزبٍ صَغُرَ أو كَبُر، بل هو مطرود من كل التنظيمات، في موقع مهم في منظمة التحرير شرعية تريدنا الدفاع عنها؟! هل تنصيب من لا يمثِّل إلا مقعدًا أو اثنين حاكمًا على المال والأمن ظاهرةٌ صحية؟! هل إغلاق دُور تحفيظ القرآن الكريم وافتتاح مصنع للبيرة لبنة أساسية في بناء دولتنا ومجتمعنا؟! هل.. وهل.. وهل.. أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة قبل أن توجِّه سهامك يا سعادة السفير، أو قل "نصيحتك" إلى الآخرين.

 

ويختم السفير مقاله: "وما نحن ذاهبون إليه، وكي لا يفشل فلا مناصَ من إشهار الحقيقة والاعتراف بها والبناء عليها مهمًا كان ذلك قاسيًا".

 

نعم يا سعادة السفير.. أنا معك، ولكن أنت تريد حقيقةً مُفصَّلةً على مقاسك، والحقيقة لا تُجزَّأ ولا تُنتقَى، ونحن نريد مصالحة وشراكة ووحدة، من أجل مواجهة الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس، ولا نريد اتفاقًا لنذهب للاستسلام أو إعادة تنظيم للاحتلال تحت مسميات سرابية خادعة، والأفضل يا سعادة السفير أن يكون البناء على القواسم المشتركة ووحدة الدم والمصير، وليس على ما اختلف وما اقتتل حوله؛ فهذا يجب أن يخضع للعلاج لا أن يُبنَى عليه "من غير معلم" يا سعادة السفير.

 

وبانتظار مقالة أخرى للسفير نبيل عمرو تحمل بُشريات التوافق والوحدة والأمل، وتمجيد المقاومة، أضع هذا الرد والذي أعتذر مجددًا عن طوله على مقالته المذكورة، ومعذرةً من جديدٍ للإطالة.. والسلام عليكم.

-------

* قرية أم الشوف المُدمَّرة قضاء مدينة حيفا المحتلة.

حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلة.

بريد إلكتروني:

sari_sammour@yahoo.com

s_sammour@hotmail.com

sari_sammour@maktoob.com