السلام عليكم..
أنا أمٌّ لتوءم (ذكرين)، وهما أصغر أولادي؛ كان الأول في المرحلة المتوسطة مجتهدًا ويأخذ نسبةً مرتفعةً تتراوح بين 95% إلى 97%، أما الثاني فكانت نسبته من 83% إلى 88%، وكانا في مدرسةٍ واحدةٍ وفي فصل واحد أيضًا من التمهيدي.
وكانا يلعبان ويخرجان لأقاربنا مع بعضهما، فلاحظت أن الثانيَ يعتمد على الأول في كل شيء؛ فمثلاً لو سألته: "ما هي واجباتك اليوم؟" يلتفت فورًا إلى الأول ويقول له: "ما هي واجباتنا؟"، مع أنهما في نفس الفصل، وتفاقم الأمر لدرجة أنه إذا سألناه عما فعل اليوم أو "أين تريد أن تذهب؟" أو أي سؤال ينظر إلى الأول ويسأله ثم يجيب، أو أحيانًا ينظر إلى الأول وينتظر إلى أن يجيب، مع أن السؤال موجَّه إليه.
وليس له أصدقاء؛ بل أصدقاؤه هم أصدقاء الأول، وإذا اتصلوا وردَّ عليهم الثاني يقولون له: "أين أخوك؟".
فخفت أن يتطوَّر الأمر فقمت بنقل الثاني إلى فصلٍ آخر مع أنه كان معارضًا لنقله، أما الأول فكان مؤيدًا، وكان هدفي هو: حتى يعتمد على نفسه ويتخذ قراراته بنفسه دون الرجوع إلى أخيه وليكون له شخصيته المستقلة.
والذي حصل أنه من ناحية الدراسة: تعرَّف على أصدقاء جدد وأصبح يعرف واجباته بنفسه، مع أنه أحيانًا- أو أكثر الأحيان- يتصل بأصدقائه الذين معه بالفصل حتى يخبروه بالواجبات وبالدروس، وإذا قلتُ له: "أنت حاضر معهم بنفس الفصل.. لماذا تسألهم؟"، يقول: "نسيت ماذا قال الأستاذ".
ودائمًا أقول له: "اكتب كل شيء يقوله الأستاذ من واجبات أو اختبارات في دفتر الملاحظات اليومية، حتى شرحُ الأستاذ اكتبه في جانب الملخص بدفترك"، لكن يقول: "إن شاء الله سأكتب"، ..ولا يكتب شيئًا.
أما من ناحية أمور الحياة اليومية: فقد ازداد اعتماده على أخيه أكثر فأكثر، لدرجة أن أخاه يرسم له الخطط ويعلمه بالتفصيل، ماذا يخبرنا إن سألناه عن أي شيء؛ فإذا سألناه: "ماذا فعلت اليوم؟" يتكلم بطلاقة لوهلة أو ثانية ثم يمسك عن الكلام وينظر إلى أخيه، وكأن عينيه تسأل أخاه: "أأتكلم؟ ماذا أقول لهم؟"، مع أن هذا مجرد كلام "سواليف"، بل مع الوقت أصبح أصدقاؤه أصدقاء أخيه لا أصدقاءه، وأصبح أخوه يتحدث معهم ويتحدثون معه، وإذا اتصلوا ورد عليهم الثاني يقولون له: "أين أخوك؟".
كنت رافضةً أن يخرجا مع أصدقائهما خارج المدرسة، سواء في البيوت أو في المطاعم؛ لأن أخاهم الأكبر كان يخرج كثيرًا (من الطفولة) فأصبح لا يهتم بالدراسة وليس عنده صبر على المذاكرة ودرجاته ضعيفة، ومرتين نجح بالدور الثاني، أما الباقي فبالدور الأول، وتعثَّر في الجامعة، وخفت أن يصبحوا مثله، لكن رضيت لهم بعد إصرارهما على الخروج فأصبحا يخرجان معهم من المتوسطة، والآن هم في الصف الثاني من الثانوية (كلاهما علمي)؛ الأول تدنت نسبته بشكل كبير إلى 93% وأصبح لا يريد المذاكرة، أما الثاني مع أنه لم تتغير شخصيته إلا أنه تحسَّنت نسبته؛ ففي الصف الأول ثانوي نسبته 90%، وفي أيام الدراسة- في البيت- إما الإنترنت أو التلفاز أو الـ"بلاي ستاشن"، أما في يوم الأربعاء والخميس إما أن يخرجا مع أصدقائهما أو مع أبناء أقاربهما، وكذلك في الإجازة الصيفية وعطلة رمضان يسهران ويخرجان يوميًّا تقريبًا ويسهران أحيانًا حتى الرابعة فجرًا.
في أيام الدراسة (وسط الأسبوع: السبت إلى الثلاثاء) يخرجان من المدرسة الساعة 1 أو 1:30 لكن يجلسان عند المدرسة مع أصدقائهما لمدة 15 إلى 20 دقيقة تقريبًا، إما للسواليف أو يذهبون إلى بقالة قريبة ويشتريان ثم يرجعان إلى المنزل (الطريق من المدرسة إلى المنزل 15 دقيقة تقريبًا) ثم ينامان حتى الخامسة عصرًا، وأتعب إذا أيقظتهما؛ لأنهما لا يريدان أن يصحُوَا.
ثم يتناولان طعام الغداء ويجلسان إلى آذان المغرب ثم يشربان القهوة معنا إلى آذان العشاء ثم يشاهدان التلفاز أو يحاولان أن يجدا أية علة للخروج (اشتري قلم، أصور دفتر ولد..) إلى 12 مساءً ثم ينامان، وهكذا.. لا يوجد وقت للمذاكرة، والأربعاء يخرجان مع أصدقائهما، والخميس نصفه مع أقاربهما والنصف الآخر مع أصدقائهما.
كيف أجعل الثاني واثقًا من نفسه وله شخصيته المستقلة؟ حيث زاد اعتماده على أخيه، وأخوه أصبح يناديه بـ"غبي".. "متخلف"، وهذه الكلمات تؤثر فيه جدًّا جدًّا، وتقطِّع قلبي مع أني نبهت على الأول بأن لا يناديه بهذه الألفاظ وأنهما أخوان، ولم ينفع تخويفه بالله، ولم ينفع تهديدي إياه بأن أدعوَ عليه، لدرجة أن الثاني أصبح لا يتخذ أي قرار لأنه لا يثق بنفسه، حتى إذا لبس الشماغ سأل أخاه أو من عنده: هل أضع الشماغ هكذا أم هكذا؟
كيف أقنع الأول بأن هذا أخوه فلا يناديه بهذه الألفاظ الجارحة وغير الحقيقية؟ لأن أخاه الثاني عاقل وعلى مستوى من الذكاء؛ فهذه الألفاظ كذب.
أخاف عليهما من الخروج خارج البيت فكيف أمنعهما؟ وكيف أجعلهما يذاكران من أنفسهما؟ دون أن أقول لهما: "ذاكرا"، أو اجعل إحدى أخواتهما تذاكر لهما؟
وجزاكم الله خيرًا.
تجيب عن الاستشارة: حنان زين الاستشاري الاجتماعي في (إخوان أون لاين):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عزيزتي أم التوءم (الذكرين).. ختمتِ رسالتك بعدة أسئلة، منها: كيف أجعل ابني واثقًا من نفسه؟ وكيف تقنعين الأول بألا ينادي أخاه بالألفاظ النابية؟
والحقيقة.. إنني أتمنَّى أن يتسع صدرك لتساؤلي، وهو: لِمَ كل هذا الضعف وقلة الحيلة بين سطور كلماتك؟ ولماذا أشعر بغياب الأب؟ أم هو فعلاً غير موجود؟
على العموم.. الثقة في النفس هي إحساس الشخص داخليًّا بقيمة نفسه، فيترجم هذه الثقة في كل حركاته وسكناته، ويتصرَّف بشكلٍ طبيعيٍّ دون تردد أو قلق؛ فتصرفاته نابعة من ذاته؛ لا شأن لها بالمحيطين به، وهذا ما يفتقده ابننا الثاني بدرجة كبيرة جدًّا، وعندما يكتسب الثقة بالنفس فإنه سيملك أمره بعد الله سبحانه وتعالى ويعتز بنفسه وبوجهة نظره، وبالتالي سيكون لديه الاستعداد للقيام بالأمور التي تتوافق مع إمكانياته إذا توافرت القناعة وتحمَّس لمواجهة التحديات.
من الواضح أن هناك خللاً ما في التربية أو معاملة المربِّين للتوءم أدَّت إلى إصابة أحدهما بفقدان الثقة في النفس والآخر بالغرور.
فالثقة في النفس تقدير للإمكانيات والقدرات، أما الغرور فهو فقدان أو إساءة هذا التقدير والإصرار على الرأي وإن كان خطأً وتسفيه رأي الآخرين.
بالنسبة للأمور التي تؤدي إلى الثقة في النفس:
1- اجلسي مع الابن الثاني، وأسمعك تقولين: "فعلت ذلك مرارًا وتكرارًا"، وأقول لك: افعليه دائمًا بشرط الحوار الجيد والأسلوب الجيد، وشاوريه في أمر غير تافه واستمعي له بإحساس، ودعيه يخبرك برأيه ثم اشكريه ولا تحاولي أن تعدِّلي من رأيه طالما أنه لا يخالف الشرع.
2- أعطيه قدرًا من الحب والحنان الممزوج بالثقة والرجولة، مثل كلمات الترحيب والافتقاد: "وحشتني يا نور عيني- منور يا باشا-إيه الشياكة دي يا بطل؟!".
3- كوني المشجِّعة الدائمة له حتى ولو كنتِ الشاهد الوحيد على إنجازاته ولو كانت بسيطةً، وَثِقِي أن لها مفعولَ السحر في نفسه.
4- ابتعدي عن المقارنة بين الأبناء، وإذا أردت ابنًا متميزًا فعليكِ أن تكوني أمًّا متميزةً بإبراز أفضل ما عنده، كأن تقولي: فلان تعجبني أفكاره، وفلان يعجبني ذوقه و...
وإن أردتِ أن تحميه فقارنيه بنفسه بأن تقولي مثلاً "مش محمد ابني اللي يعمل كذا" أو "الدماغ العالية لمحمد حبيبي كانت تفكِّر زمان بصورة أجمل".
5- اربطيهم بالله عز وجل وباللجوء إلى الاستخارة والاستشارة؛ فهي تقلِّل من التردد بدرجة كبيرة جدًّا.
6- كافئيه إن اتخذ قرارًا أو بادر بعمل ما؛ حتى يعتاد على أن يثق بنفسه، ولا تعلِّقي على كل تصرف سيئ بالنقد، بل تغافلي عن بعض الأمور بعض الوقت.
أما بالنسبة للابن الأول الذي يهزأ بأخيه:
1- فعليك بالحوار معه بالحسنى، وذكِّريه بخطورة السخرية والاستهزاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (الحجرات: من الآية 11).
وذكِّريه بأن الإنسان حينما يتعلَّق بالله فإنه يأوي إلى ركن شديد، وحين يتعلَّق قلبه بجهد أو قوة أو فتوة فإنه يكون قد هلك وخسر ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ (القصص: من الآية 78).
2- شجِّعيه حينما لا ينعت أخاه بصفات سلبية؛ ليس حرصًا منه بل نسيانًا، ولا تُشعريه بذلك، بل اعتبري أنه حريص على عدم إيذاء أخيه.
3- كوني حازمةً في التعامل مع هذا الابن وضعي صور عقاب إذا تلفَّظ بهذه الألفاظ، والعقاب لا بد أن يكون مؤلمًا نفسيًّا، مثل الحرمان من خروج أو فسحة أو لعب أو....
بالنسبة للخروج من المنزل وكيف تمنعيهما:
الخروج ليس كلُّه شرًّا، بل هو مطلوب بنسبة إن كانت صحبتهم متوسطة أخلاقيًّا، ومعروف خط سيرهم، أي أين سيذهبون، ومعروف موعد رجوعهم (غير مقبول الرابعة فجرًا)؛ فلا مانع من التنزه أو الغداء أو العشاء خارج المنزل، ولكن أهم شيء هو وضع القواعد بحوار ناجح ومرونة والحزم في متابعة وتطبيق هذه القواعد، وأقول: الحزم لا القسوة.
وبالنسبة لموضوع المذاكرة فأعتقد أن هذه هي المشكلة، وأعيد على سيادتك أنه من الواضح أنكِ تفتقدين الحزم في أمورٍ كثيرةٍ؛ فمثلاً أخبرتِنا أنه كان يتصل بزملائه ليعرف الواجبات، والأصل أننا نضع قاعدة ثابتة مع الأولاد؛ مفادها ممنوع منعًا باتًّا استعمال التليفون في معرفة الواجبات طالما أن الابن لم يتغيَّب.
وبالنسبة للمذاكرة فلا بد- سيدتي- أن يكون لديهم دافع حتى يُقبلوا على المذاكرة، بمعنى أن تحثِّيهم وتشجِّعيهم على المذاكرة، مع إشعارهم بأنكِ لن تحرميهم من فترات الراحة على أن يكون التشجيع قريبًا والقاعدة الأساسية:
1- رغبة + إرادة + ممارسة + جهة = متعة.
2- لا بد من ممارسة رياضة يوميًّا، ولتكن الجري.
3- ساعديهما على تنظيم وقتهما بوضعهما جدول للمذاكرة.
4- قرِّبيهما من شخصية ناجحة يتحاوران معها، ويا حبذا لو بدأتِ ذلك بدعوة إلى غداءٍ لهما معه في مطعم.
5- لا تنسَي أن تَدعي لهما ليل نهار، وأسمعيهما دعواتك بطريق جميلة، ودعميهما بثواب وأجر طلب العلم.
كذلك من القواعد المهمة قبل بدء المذاكرة اليومية الطلبات المطلوب شراؤها، ويتم الشراء في زمن محدد، ولا تستجيبي لأي طلب بعد الميعاد المحدد طبعًا كلما سهل علينا ذلك.
6- يا حبذا لو ألحقتِهما بدورة تدريبية عن النجاح أو الطموح أو أية دورة تنمية بشرية تقوِّي الدافع لديهما.
---------