معلومات النشر:

- العنوان: المئذنة الحمراء.. سيرة ذاتية

- المؤلف: إبراهيم غوشة

- الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات- بيروت

- تاريخ الصدور: الطبعة الأولى 2008م

- عدد الصفحات: 376

بيروت- محسن صالح:

عندما يتحدَّث إبراهيم غوشة بنفسه عن تجربة الإخوان المسلمين في الأردن وفلسطين وعن تجربة حماس فلا بد أن يلقى آذانًا مصغيةً من كافةِ المتخصصين والباحثين في الشأن الفلسطيني، فضلاً عن أبناء الحركة الإسلامية والمتابعين لشأنها.

 

لأول مرة يُصدر أحد أبرز قيادات حماس في الخارج مذكراته، وهي بحق شهادة على العصر، وعلى تجربة الإخوان وحماس من داخلها؛ ولذلك تأتي غنيةً بالمعلومات التي تُنشر لأول مرة، لرجلٍ عاش في الوسط الإخواني الفلسطيني والأردني لمدة تزيد عن خمسين عامًا، ولرجلٍ كان هو الناطق الرسمي باسم حماس في الفترة 1991- 1999م، وأحد أبرز صنَّاع قرارها السياسي، خصوصًا في السنوات الاثنتي عشرة الأولى من نشأتها، وهو ما يعني أن هذا الكتاب سيصبح مصدرًا لا غنى عنه للباحثين والدارسين للقضية الفلسطينية، وخصوصًا التيار الإسلامي الفلسطيني.

 

كتاب "المئذنة الحمراء.. سيرة ذاتية" صدر في طبعة مجلدة في نوفمبر 2008م، عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، وهو مكوَّن من 376 صفحة من القطع المتوسط.

 

اختار غوشة لمذكراته اسم "المئذنة الحمراء" لينقلنا إلى أجواء مدينة القدس؛ حيث نشأ، وحيث كان لون مئذنة المسجد قرب بيته أحمر.

 

يتحدث غوشة في كتابه المكوَّن من 15 فصلاً بلغة سهلة صريحة؛ يمتزج فيها الجانب الاجتماعي العائلي الإنساني بالجانب الحركي والدعوي، والجانب السياسي والجانب المقاوم، بشكلٍ لا تكلّف فيه، وبعيدًا عن لغة "الأنا" التي تكثر في كتب المذكرات، وتجد نفسك أمام شخص مؤمن بدعوته، ومشربًا بروح الولاء والجندية لها، ومستعدًا للتضحية في سبيلها.

 

وُلد إبراهيم غوشة سنة 1936م بعد نحو شهرٍ من انتهاء المرحلة الأولى من الثورة الكبرى في فلسطين، ويتحدث غوشة في الفصل الأول من كتابه عن عائلته وذكريات طفولته، ويصف القدس وأحياءها وأسواقها والمسجد الأقصى في الفترة التي سبقت حرب 1948م.

 

ويتحدَّث في الفصل الثاني عن ذكرياته حول نكبة 1948م، ويتعرض لمعركة القسطل واستشهاد عبد القادر الحسيني، وعن اضطرار العائلة إلى الانتقال إلى أريحا قبل العودة إلى القدس مرةً أخرى.

 

ويتحدث عن تزايد الاهتمام السياسي في أوساط الفتيان والشباب ومحاولة التعرف على الطريق الأمثل لتحرير فلسطين، ويذكر أنه انجذب، عندما كان في الصف السادس الابتدائي، إلى دروس الشيخ تقي الدين النبهاني التي كان يُلقيها في شعبة الإخوان المسلمين، وأنه انتظم في الإخوان عندما كان في السابع الابتدائي، متلمِّسًا طريق أخيه الأكبر مرسي وابن خاله محمود العريان.

 

ثم يتحدث عن بدايات حزب التحرير في القدس، وكيف تمكَّن النبهاني من استقطاب أغلب مثقفي ومعلمي الإخوان المسلمين، ولم يَبْقَ إلا عددٌ محدود أمثال زكريا قنيبي وإبراهيم أبو عرفة، ثم كيف استعاد الإخوان زمام المبادرة، مستفيدين من أجواء انتشار الإخوان القوي في مصر وشرق الأردن، ومن عودة الطلاب الدارسين من مصر، وكيف أسهم أمثال شحادة الأنصاري وسالم علي سالم ومحمد نمر وهبة في إعادة تنظيم وتقوية العمل الإخواني في القدس، ويُلقي غوشة إضاءات جديدة على أنشطة الإخوان المسلمين في القدس حتى سنة 1954م.

 

وفي الفصل الثالث يتحدَّث غوشة عن باقي عقد الخمسينيات، وخصوصًا مرحلة دراسته للهندسة في مصر، وعن العمل الإخواني السرّي للفلسطينيين والأردنيين تحت ظروف أمنية صعبة أيام حكم عبد الناصر، وعن كيفية التنسيق بين الإخوان القادمين من الأردن والقادمين من قطاع غزة، ويلقي غوشة أضواءً مهمة على رابطة طلبة فلسطين؛ حيث يؤكد أن القائمة الطلابية التي كان يدعمها الإخوان كانت هي التي تفوز في الانتخابات، وكان في البداية بقيادة ياسر عرفات الذي كان مقربًا للإخوان، ثم بقيادة صلاح خلف (أبو إياد) الذي كان عضوًا في الإخوان، غير أن النشاط الإخواني الطلابي أصابه الضعف مع أواخر الخمسينيات بسبب الضغط الأمني عليهم.

 

وحول الإخوان وعلاقتهم بنشأة حركة فتح ينبِّه على أن الرواد الأوائل من فتح كانوا أعضاءً في الإخوان، أمثال خليل الوزير (أبو جهاد) الذي كان يُمثِّل إخوان غزة عندما كان يلتقي غوشة، ممثلاً عن إخوان الأردن، ويشير إلى أسماء عبد الفتاح حمود، ورياض الزعنون، ومحمد يوسف النجار ممن أصبحوا قادة في فتح، كما يوضِّح كيفية الانفصال والتمايز بين من أسسوا فتح وبين الإخوان، ويقدم غوشة في هذا الفصل تقييمًا لتجربة عبد الناصر.

 

ثم يتحدث غوشة عن فترة عمله في بلدية الكويت 1962- 1966م، ويُقدِّم رؤيةً حول إنشاء منظمة التحرير وموقف فتح والإخوان منها، ويتوقف للحديث عن أول مراقب عام للإخوان المسلمين الفلسطينيين الأستاذ هاني بسيسو الذي كان يعمل مدرسًا في العراق، والذي استدعاه الإخوان لقيادة التنظيم الفلسطيني سنة 1963م؛ حيث استقر في مصر، وقد قبض على بسيسو مع سيد قطب في الضربة التي تعرَّض لها الإخوان سنة 1965م، ومات في السجن.

 

عاد غوشة إلى الأردن، وعمل في بناء سد خالد بن الوليد، ومن هناك ينقل إلينا التفاعل الإخواني مع كارثة حرب يونيو 1967م، والعمل الفدائي الفلسطيني، والإسهام الإخواني في معسكرات الشيوخ، ورؤية الإخوان لمعارك الجيش الأردني مع المنظمات الفدائية في 1970- 1971م.

 

شارك غوشة في بناء أبراج الكويت في أوائل 1971م، ثم عاد ليشارك في بناء سد الملك طلال في الأردن منذ أواخر 1972م، ويتحدَّث غوشة عن بداية العمل الإخواني في نقابة المهندسين في الأردن عندما أسندت إليه رئاسة تيار الإخوان فيها سنة 1973م، وبدأت مشاركتهم في التزايد منذ مجلس النقابة التاسع 1974- 1975م، إلى أن تمكَّنوا من استقطاب ليث شبيلات ودعموه ليصبح رئيسًا للنقابة 1982- 1983م، ويتوقف المؤلف عند الثورة الفلسطينية في لبنان، والثورة الإسلامية في إيران.

 

ويكشف غوشة النقابَ عن جوانب من العمل الإسلامي لفلسطين في الخارج؛ أبرزها تشكيل قسم فلسطين الذي يتبع قيادة الإخوان في الأردن؛ وذلك بعد أن اندمج التنظيم الفلسطيني في قطاع غزة مع إخوان الأردن سنة 1978م، ويتحدث عن المؤتمر الداخلي الذي عقده هذا القسم سنة 1983م، بحضور عددٍ من قيادات الإخوان من الضفة الغربية، أمثال حسن القيق، ومن قطاع غزة أمثال عبد الفتاح دخان، ومن الكويت أمثال خالد مشعل.. وغيرهم.

 

وهو لقاء مهم حدَّد مسارات وأولويات العمل الإخواني تجاه فلسطين، وأكد أن العمل الجهادي في فلسطين لا يتعارض مع العمل لإقامة الدولة الإسلامية، وإنما يسيران جنبًا إلى جنب، كما أكد المؤتمر بذل الاستعدادات اللازمة لانطلاقة العمل المقاوم، كما يشير غوشة إلى تشكيل جهاز فلسطين بقرارٍ من التنظيم العالمي للإخوان، وهو الجهاز الذي كان يتابع من وراء ستارٍ انطلاقة حماس وما تلاها.

 

ويشير غوشة إلى بدايات تفرُّغه في حركة حماس سنة 1989م، بطلبٍ من محمد عبد الرحمن خليفة المراقب العام للإخوان آنذاك، وقد أُسندت إلى غوشة مهمة تشكيل أول لجنة سياسية لحركة حماس؛ حيث تفرَّغ للعمل فيها في الكويت.

 

في الفصل الثامن يُلقي غوشة الضوءَ على علاقة حماس بفتح ومنظمة التحرير، وعن موقف حماس من الدخول في المنظمة عندما اشترطت سنة 1990م الحصول على 40% من مقاعد المجلس الوطني.

 

ويستعرض لقاءات الحوار مع فتح؛ حيث كان أولها في اليمن 10- 12/8/1990م، والثاني في أغسطس 1991م، كما يتحدَّث عن الاحتلال العراقي للكويت ومشاركته ممثلاً لحماس مع الوفود في محاولات رأب الصدع وإقناع القيادة العراقية بالانسحاب، كما يتحدَّث عن تصاعد الدور الإخواني في العمل السياسي في الأردن إثر فوزهم الكبير في انتخابات البرلمان 1989م، ويُلقي الضوء على بدايات قدوم عددٍ من قيادات حماس من الكويت للأردن، وبدايات ترسيم العلاقة بين حماس والحكومة الأردنية، ويشير إلى تعيينه أواخر سنة 1991م ناطقًا رسميًّا باسم حماس، وإلى الحوار مع الجبهتين الشعبية والديمقراطية، ولقاء الفصائل العشر سنة 1991م، الذي شكَّل فيما بعد تحالف الفصائل العشر في مواجهة اتفاق أوسلو.

 

يتحدَّث غوشة في الفصل التاسع عن تطور علاقة حماس مع الأردن، وكيف تم ترسيم العلاقة بينهما سنة 1992- 1993م، وعن تطورات العلاقة مع فتح والموقف من اتفاق أوسلو، وعن بدايات اتصالات حماس الخارجية أوائل 1993م، خصوصًا فيما يتعلَّق بالضغط من أجل إعادة مُبعَدي مرج الزهور؛ حيث تمَّت مقابلة مسئولين في السفارات الأمريكية والألمانية والبريطانية والإيطالية والنرويجية في عمَّان، غير أنه في نهاية مارس 1993م أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية قرارًا بحظر الاتصال بحماس.

 

يُركِّز غوشة في الفصل العاشر على الفترة 1994- 1996م، ويوضح عددًا من أنشطة حماس ومواقفها في معارضة اتفاق أوسلو، والعمليات الاستشهادية واستشهاد يحيى عياش، والعلاقة بفتح؛ وعودة العلاقات إلى التوتر مع الأردن واضطرار موسى أبو مرزوق وعماد العلمي إلى مغادرة الأردن سنة 1995م، وانتخاب خالد مشعل رئيسًا للمكتب السياسي خلفًا لأبي مرزوق في نهاية 1995م.

 

ويستعرض في الفصل التالي تطورات العلاقة مع الأردن، ويُلقي الضوء على محاولة اغتيال خالد مشعل وانعكاساتها، وتحرير الشيخ أحمد ياسين وجولته في الخارج، ثم يشرح في الفصل الذي يليه العلاقة المتوترة التي تفاعلت سنة 1999م مع الحكومة الأردنية والمخابرات، ويتكلم بالتفصيل عن عملية اعتقال قيادات حماس في الأردن وحياتهم في السجن، ومواقفهم السياسية، وعن عملية الإبعاد إلى قطر لأربعة قيادات؛ هم خالد مشعل، وإبراهيم غوشة، وسامي خاطر، وعزت الرشق، وما تبع ذلك من تعقيدات.

 

في الفصل الثالث عشر يتحدث غوشة عن الفترة 2000- 2001م وكيف تطورت العلاقة مع دمشق والأردن والسلطة الفلسطينية، وعن انتفاضة الأقصى، ويتوقَّف بالتفصيل عند قصة عودته إلى الأردن في منتصف يونيو 2000م، وما تعرَّض له من احتجاز في المطار دام نحو أسبوعين، إلى أن تم تسوية الأمر وفق ترتيب جديد، ثم اصطحابه فيه في طائرة سافرت إلى بانكوك ثم عاد إلى الأردن.

 

لم يفقد غوشة حيويته ومتابعته للأحداث في السنوات التالية، والمشاركة بما يستطيع من أنشطة وفعاليات، لكن وضعه في الأردن قيَّد من حركته.

 

ويقدَّم غوشة في الصفحات الباقية من الكتاب تقييمًا للسنوات 2001- 2007م، ويقدِّم رؤيته لتجربة حماس في الانتفاضة والعلاقة مع فتح، وأحداث 11 سبتمبر، ووفاة ياسر عرفات، وفوز حماس في الانتخابات التشريعية وما ترتَّب على ذلك من استحقاقات هائلة، والحسم العسكري في قطاع غزة.

 

ويكشف غوشة عن أنه تحفَّظ شخصيًّا على مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية؛ لما يترتَّب على ذلك من استحقاقاتٍ هائلة، مبيِّنًا أنه كان يخشى من إضعاف محور المقاومة في عمل حماس، ولكنه يؤكد احترامه رأي الأغلبية والتزامه به.

 

كتاب "المئذنة الحمراء" كتاب غني بالمعلومات والمواقف التي يحتاجها أي باحثٍ للتاريخ الحديث والمعاصر من قضية فلسطين، وقد كان جميلاً أن الكتاب قد اختُتم بفهرس للأسماء والأماكن والمؤسسات الواردة في الكتاب؛ مما يُسهِّل عمل الباحثين.