- العميد صفوت الزيات: لماذا لا تتحرك أمريكا الآن لمواجهة القراصنة؟!

- هاني رسلان: الحل في عودة المحاكم الإسلامية إلى السيطرة على الصومال

- اللواء طلعت مسلم: لا يوجد أي موانع أمام الدول العربية من التحرك المشترك

- جمال نكروما: الصمت العربي ضاعف المشكلة والحل استقرار الصومال

- د. عبد المنعم درويش: مصر ستفقد 6 مليارات دولار سنويًّا ما لم تحل الأزمة

تحقيق- خالد جمال:

لا يختلف اثنان اليوم في أن ظاهرة القرصنة في خليج عدن والمحيط الهندي أصبحت تمثل "صداعًا مزمنًا" للمجتمع الدولي بأكمله، ولِمَ لا والقضية تكتسب بُعدًا إستراتيجيًّا خطيرًا، خاصةً أن حوالي 16 ألف سفينة تجارية تعبر سنويًّا مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر وخليج عدن، كما أن 30% من حركة النفط الخام العالمي تمر عبره؟!

 

وذكرت صحيفة الـ(جارديان) البريطانية أن القراصنة قاموا بنحو 92 عملية خلال عام 2008م؛ نجح منها 32، كما أسفرت عن احتجاز 268 من البحَّارة من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى 12 سفينةً؛ أبرزها ناقلة النفط السعودية العملاقة وسفينة الأسلحة الأوكرانية.

 

وفجَّرت عمليات القرصنة قضايا عديدة، وفتحت ملفات مغلقة، ولفتت النظر إلى أمور وزوايا كانت غائبةً عن كثيرٍ من الناس، وأول ما تُفجِّره عمليات القرصنة هو ماهية وأهداف القراصنة وتوجُّهاتهم، ولعل ازدياد العمليات بشكلٍ ملحوظٍ ومدى التقدم التقني والعسكري الذي يُبديه القراصنة يجعلنا نتساءل عن الجهة التي تُموِّل القراصنة وتُدرِّبهم، والمصلحة التي تعود عليها من هذا الدعم.

 

كما أن تصريحات المسئولين العسكريين في حلف الناتو تؤكد عجز جحافل القوات المتمركزة بالقرب من خليج عدن عن صدِّ هجمات القراصنة أو الحدِّ منها؛ فهل يعكس هذا عدم قدرة حقيقية على المواجهة؟ أم يشير إلى بدايةٍ لخلق الحجج والتبريرات لتدخلٍ أمريكي عسكري جديد في المنطقة تحت دعاوى عدم توفر الأمن وحماية المصالح الأمريكية؟

 

ويربط الخبراء بين تزايد عمليات القرصنة وابتعاد المحاكم الإسلامية عن السيطرة على الصومال؛ حيث شهدت فترة سيطرتهم انحسارًا شديدًا للقراصنة، ويؤكد الخبراء أن الوجود الإثيوبي يُشكِّل أكبر خطرٍ على أمن الصومال.

 

أما الحديث عن الأمن القومي المصري والعربي فيدفعنا إلى البحث عن تفسيرٍ لحالة الصمت التي غلَّفت النظام المصري على الرغم من التهديدات المباشرة التي تُمثِّلها عمليات القرصنة لقناة السويس أحد أهم الموارد في الدخل القومي المصري، خاصةً بعد إعلان شركة نرويجية تغيير مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح نتيجة ارتفاع تكاليف تأمين السفن المارَّة عبر قناة السويس، ومن المتوقَّع أن تحذوَ شركات أخرى حذو الشركة النرويجية.

 

وتؤكد الإحصائيات الرسمية مدى تأثر عائدات قناة السويس بعمليات القرصنة؛ حيث حقَّقت قناة السويس خلال شهر أكتوبر الماضي أقل عائد لها خلال 6 أشهر؛ فقد حقَّقت في أكتوبر 2008م نحو 467.5 مليون دولار مقابل 469.6 في سبتمبر من نفس العام.

 

طرحنا كل القضايا والملفات الشائكة على الخبراء السياسيين والإستراتيجيين في محاولةٍ منا لفهم ما يجري هناك.

 

يقول العميد أركان حرب صفوت الزيات المحلل العسكري والإستراتيجي: إن مجموعات القراصنة الصوماليين عبارة عن تشكيلاتٍ عصابية تجمَّعت من ميليشيات عسكرية مارست العنف قبل ذلك في الصومال، بالإضافةِ إلى مجموعةٍ من الخبراء في المسائل التقنية المتعلقة بالملاحة والاتصالات، والتي تقوم بعملية الدعم الفني للقراصنة نظير مقابل مادي متفق عليه يحصلون عليه من الفدية في عملياتهم.

 

وأضاف الزيات أنه في حقبة سيطرة قوات المحاكم الإسلامية على مقاليد الأمور في الصومال تقلَّصت عمليات القرصنة في خليج عدن وساحل المحيط الهندي بشكلٍ ملحوظٍ حتى كادت تختفي تمامًا نتيجة إحكام قوات المحاكم لسيطرتها على السواحل الصومالية.

 

ثمن الخلط

 الصورة غير متاحة

ناقلة نفط سعودية تم اختطافها أمام سواحل الصومال

ويؤكد الزيات أن المجتمع الدولي كله يدفع الآن ثمن الخلط بين حركات التمرد الإسلامية التي لديها مشروع وبرنامج سياسي إسلامي وبين التشكيلات العصابية التي ظهرت بسبب ضعف سيطرة الدولة أو الحكومة على البلاد.

 

وأشار الزيات إلى أن الوجود العسكري البحري الدولي في المنطقة غير كافٍ لردع القراصنة؛ فالكتلة المائية المطلوبةِ السيطرةٌ عليها تزيد عن مليون ميل مربع؛ تحتاج في تأمينها ما لا يقل عن 80 سفينة متنوعة، في حين لا يوجد في هذه المنطقة الشاسعة سوى 14 أو 16 سفينة فقط، كما لا توجد هناك حاملات طائرات لتغطية المنطقة.

 

وفي نفس الإطار يتساءل الزيات عن عدم تخصيص أمريكا حاملة طائرات توجد في المنطقة، مجيبًا في الوقت ذاته بأن الجهد الدولي للقضاء على القراصنة مشتِّت وغير واضح المعالم؛ فحلف الناتو يتحدث عن إرسال 7 سفنٍ لحماية طريق الملاحة وكسر شوكة القراصنة، مؤكدًا أن شركات الأمن الأمريكية والبريطانية التي بدأت تتحرك بالفعل يبرز دورها في هذا المجال، وربما يكون ذلك هو سبب التباطؤ الدولي في التحرك نحو علاج الأزمة.

 

ويستنكر العميد الزيات حالةَ الصمت العربي المريب تجاه القضية على الرغم من أنها تمسُّ الأمن القومي العربي لدول عديدة؛ على رأسها مصر والسعودية، واضعًا علامات استفهام ضخمةً على مواقف تلك الدول.

 

وحذَّر الزيات من خطورة الوضع الحالي على الأمن القومي المصري، مذكِّرًا بموقف البحرية المصرية في حرب 73 عندما كان لها وجود قوي في منطقة باب المندب وخليج عدن لمنع وإسقاط العمليات الصهيونية؛ الأمر الذي يدل على دراية مصر ومعرفتها بأهمية وحيوية تلك المنطقة لها سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا.

 

وينفي إمكانية تعرُّض مصر إلى ضغوطٍ أو تهديداتٍ اقتصادية فيما يتعلق بقناة السويس ومدى خطورة عمليات القرصنة على حركة الملاحة بها، وما تُمثِّله من قيمةٍ كبيرةٍ في الدخل القومي لمصر.

 

ويدعو إلى اتخاذ الدول العربية- وخاصةً تلك المُطلِّة على البحر الأحمر- موقفًا داعمًا لإيجاد حكومة صومالية قوية قادرة على حماية سواحل الصومال، متهمًا إياها بالتأخر الذي يشوب كل تحركاتها الخاصة بأمنها القومي والإستراتيجي، وقال: "إن مَن يتصوَّر أنه سوف يقبع خلف حدوده آمنًا فهو واهم، كما أن من يستسلم لنظام عالمي ولا يستطيع مواجهة التحديات فعليه أن يدفع الثمن، وهو ما نراه الآن في العراق وفلسطين والصومال والسودان".

 

مصالح مؤقتة

 الصورة غير متاحة

هاني رسلان

ويقول هاني رسلان رئيس تحرير ملف (الأهرام) الإستراتيجي وخبير الشئون الأفريقية: "إن سيطرة المحاكم الإسلامية على الصومال في الوقت السابق جنَّبت العالم ما يعاني منه الآن؛ حيث كانت ترى أعمال القرصنة مخالفةً للشريعة الإسلامية، وعندما أطاحت القوات الإثيوبية بدعم أمريكي بقوات المحاكم سادت الفوضى أرجاء الصومال، خاصةً في ظل وجود حكومة غير قادرة في الأساس على حماية نفسها أو فرض سيطرتها على الأوضاع هناك".

 

ويضيف أن الدعم الأمريكي لإثيوبيا يرجع إلى حدوث عملية تلاقٍ مؤقت للمصالح؛ فإثيوبيا لا تريد سيطرة قوات المحاكم الإسلامية على الصومال؛ لأن ذلك يعني أن المحاكم ستطالب بإعادة ضم أراضي صومالية أصيلة في كينيا وإثيوبيا، كما أن أمريكا حاولت قبل ذلك توحيد الميليشيات الصومالية المتناحرة لمواجهة قوات المحاكم، ولكنها فشلت فأرادت تعويض فشلها.

 

ويؤكد أن أمريكا لا تستطيع الصمود في تدخلاتها العسكرية في المنطقة، سواء في العراق أو أفغانستان.

 

ويرى أن تسارع عمليات القرصنة أصبح يمثل تهديدًا حقيقيًّا وجديًّا لقناة السويس؛ لأن أسعار التأمين على السفن والناقلات التي تمر بها سوف تزداد بنسبة 10 أضعاف؛ الأمر الذي جعل العديد من الشركات العالمية تحوِّل طريق الملاحة إلى رأس الرجاء الصالح بدلاً من قناة السويس؛ مما سيؤثر سلبًا في عائدات مصر من هذا المورد الحيوي للعملة الصعبة.

 

وفي هذا الإطار يقول رسلان: "إن مهمة تأمين تلك المنطقة المترامية الأطراف لا يقع على عاتق دولة بعينها، ولكنها مسئولية الدول المُطلَّة على البحر الأحمر وكذلك الدول الكبرى التي لها مصالح في المنطقة".

 

وبالنسبة لمصر يرى رسلان أن التأثير فيها سيكون اقتصاديًّا فقط، ولن يكون هناك تأثير من الناحية الإستراتيجية، ولكنه اتهم الدور المصري في المنطقة بالتراجع الشديد في كافة القضايا المتعلقة بالأمن القومي للبلاد؛ بدايةً من فلسطين، مرورًا بالعراق والسودان، وصولاً إلى الصومال، مطالبًا النظام المصري باتخاذ خطوات فعَّالة تليق بمكانة مصر وقوتها الإقليمية.
ومن وجهة نظره فالحل يكمن في تدخل إقليمي ودولي لبناء دولة الصومال والعمل على حراسة الصوماليين شواطئهم بأنفسهم، مستفيدين من تجربة المحاكم الإسلامية.

 

تدخل أمريكي

 الصورة غير متاحة

اللواء طلعت مسلم

ويرى اللواء طلعت مسلم الخبير الإستراتيجي أن تفاقم الأوضاع إلى الحد الذي وصلت إليه الآن من الممكن أن تتخذه أمريكا ذريعةً للتدخل في شئون دولة مثل الصومال؛ بحجة أنها لا تستطيع حماية سواحلها بما يهدِّد مصالح الأمريكان في المنطقة، مؤكدًا أن قوات حلف الناتو المتمركزة بالقرب من خليج عدن والمُكوَّنة من فرقاطتين ومدمرة لا تستطيع بأية حال من الأحوال مواجهة القراصنة.

 

ويتعجَّب مسلم من موقف بعض الدول العربية حيال الأزمة، وتساءل مسلم: "ألا تستطيع بعض الدول العربية إرسال ولو زوارق سريعة تضرب القراصنة، أو إرسال طائرة هليكوبتر؟!"، وأرجع ذلك إلى شعوره بوجود "فيتو" أجنبي على أي عمل عسكري عربي مشترك، كما أن جميع الوزراء العرب يجتمعون إلا وزراء الدفاع!!.

 

وينفي مسلم وجود تهديد معيَّن لدول مثل السعودية ومصر ودول الخليج بحيث يمنعها من التحرك لحل الأزمة وحماية أمنها القومي وعدم انتظار ما ستسفر عنه المجهودات الدولية دون تحرك عربي.

 

وطالب مسلم بضرورة وجود نظام لمكافحة القرصنة يقوم على إنشاء مركز لمكافحة القرصنة في اليمن بالتعاون مع كينيا أو غيرها، ويكون به وسائل اتصال حديثة بالسفن، بالإضافة إلى بعض القطع الحربية مثل الزوارق السريعة وطائرات الهليكوبتر والمقاتلات تكون في وضع الاستعداد؛ حيث تتحرك بمجرد وجود تهديد للسفن التي تجوب المنطقة.

 

ويدعو إلى اتخاذ خطوات جادة لإحلال السلام بالصومال وإجراء مصالحة وطنية بين جميع القوى والفصائل، ولا وقت أفضل من هذا بعد أن اقتنع الرئيس الصومالي بعدم قدرة القوات الإثيوبية على السيطرة على الأوضاع.

 

ضربة موجعة

ومن جانبٍ آخر استبعد جمال نكروما الكاتب الصحفي المتخصص في الشئون الأفريقية وجود أهداف سياسية للقراصنة الصوماليين، وأكد أن هدفهم الأساسي هو جمع المال فقط، كما أنه يتشكَّلون من أطراف عديدة من الميليشيات المسلحة بالصومال.

 

كما استبعد نية أمريكا التدخل العسكري في الصومال بعد الضربة الموجعة التي تلقتها في أوائل التسعينيات، وبالتالي فهي لا تريد تكرار التجربة مرة أخرى.

 

وأشار إلى أنه من ضمن أهداف القراصنة الصوماليين لفت نظر المجتمع الدولي إلى قضيتهم المنسيَّة، وكذلك دعوة الدول العربية إلى الالتفات إليهم ومحاولة حل مشاكلهم ولعب دور الوساطة بين مختلف الجماعات والقوى على الساحة الصومالية.

 

ويشدد نكروما على أن الأمر يشكِّل خطورةً بالغةً على الأمن القومي المصري وعلى اقتصاديات مصر المعتمدة بشكلٍ كبيرٍ على إيرادات قناة السويس التي ستتأثَّر تأثرًا بالغًا؛ لأن معظم الدول ستُحوِّل طريق ملاحتها إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

 

وفسَّر نكروما حالة الصمت الرهيب التي سيطرت على الأنظمة العربية بعامل المفاجأة التي شكَّلتها زيادة وتيرة عمليات القرصنة، وكذلك إلى انشغال مصر بالقضية الفلسطينية والتجاهل الإعلامي المصري والعربي للقضية الصومالية، وانصباب اهتمامنا كله على ما يحدث في فلسطين والعراق ولبنان.

 

ودعا نكروما الدول العربية- وخاصةً النفطية- إلى تقديم المعونات والمساعدات الاقتصادية للصوماليين، وإجراء عمليات وساطة وصلح بين الأطراف المتنازعة.

 

مورد حيوي

 الصورة غير متاحة

عمليات القرصنة تهدد بتكبيد قناة السويس خسائر فادحة

ويرى الدكتور عبد المنعم درويش الخبير الاقتصادي أن عمليات القرصنة المستمرة في خليج عدن لها تأثير كبير في التجارة الدولية من ناحية وفي التجارة التي تمر بالبحر الأحمر وقناة السويس من ناحيةٍ أخرى، مؤكدًا أن هذه العمليات ستجعل السفن التي تمر بقناة السويس تفكِّر جديًّا في تغيير مسارها إلى طريق بديل مثلما فعلت شركة نرويجية وغيَّرت مسار سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

 

وأشار د. درويش إلى أن قناة السويس تُعَد من الموارد المهمة في الدخل القومي المصري؛ حيث تجلب لمصر حوالي 6 مليارات دولار سنويًّا، وهو الذي سيؤثر بلا شك في مسيرة الاقتصاد المصري، بالإضافة إلى الأزمة المالية العالمية.

 

ويضيف أن مصر وحدها لن تستطيع مواجهة القراصنة وحماية قناة السويس، إنما يستلزم الأمر ضرورة تضافر جهود الدول المُطلَّة على البحر الأحمر والاتحاد الأوروبي وأمريكا لكي تحميَ هذه القوى مصالحها في المنطقة.