في السادس والعشرين من نوفمبر 2008م انشغلت الدورة الطارئة لوزراء الخارجية العرب في القاهرة ببحث الحصار على غزة والحوار الوطني الفلسطيني وعملية السلام، وكنت أود أن ينوه الوزراء إلى ذكرى التضامن مع الشعب الفلسطيني بعد هذه الدورة بأيام ثلاثة في ذكرى صدور قرار تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من نوفمبر 1947م، ولكن يبدو أن الحظر على ذلك منذ أعلنه شامير رئيس وزراء "إسرائيل" في مؤتمر مدريد للسلام عام 1990م لا يزال قائمًا ومحترمًا.

 

ويمكن أن نحدد العلاقة بين الحصار والحوار في نظريتين، النظرية الأولى، هي أن هناك علاقةً وثيقةً بين الحوار الوطني أو الأزمة الوطنية في فلسطين، وبين حصار غزة؛ فالصراع بين حماس وفتح المتعدد الأسباب والجوانب قد أدَّى إلى شقِّ الصف الفلسطيني والشعب الفلسطيني، وتباعد الشقة السياسية عن المسافة الجغرافية بين الضفة والقطاع؛ ذلك أن هذا الصراع ورغبة "إسرائيل" في تعميقه دفعها إلى جذب أبو مازن إلى جانبها وحرضت البيئة العربية والدولية ضد حماس، خاصةً بعد أن اعتبر أبو مازن أن حماس منظمة إرهابية؛ لأنه لم يعد هناك معنى في نظره للمقاومة، في هذا السياق تعهَّدت "إسرائيل" مع أبو مازن على توحيد المصلحة وقوامها المعلن السعي معًا صوب عملية السلام وهي تعني عند "إسرائيل" تماهي أبو مازن مع "إسرائيل" لاتحاد المصلحة في التخلص من حماس حتى يخلو له طريق السيطرة الكاملة على مقدرات الأمور مع "إسرائيل" وفي الداخل الفلسطيني، وتضييع نتائج انتخابات يناير 2006م التي دفعت بحماس إلى السلطة.

 

ورأى أبو مازن أن إغفال الدستور بتفسيرات مختلفة هي عادة عربية مألوفة، ولكن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني وفق مفهومه تبرر كل التفسيرات، فإذا كان الشقاق الفلسطيني أثر من آثار الاختلاف حول الموقف من عملية السلام و"إسرائيل" والمقاومة، فإن أسباب الانشقاق لا تزال قائمةً ويتم التركيز عليها، مما يعني أن الانشقاق أثر للاختلاف ولكنه أصبح هدفًا أوليًّا "لإسرائيل"، فكلما جذبت أبو مازن إلى صفها، ازداد الشقاق والشقة بين فتح وحماس.

 

يترتب على ذلك وفق هذه النظرية أن حصار غزة، وإن كان إستراتيجية "إسرائيلية" بحجة الضغط على حماس وردًّا على إطلاق الصواريخ، إلا أن انكشاف سطحية هذا الدفع أفسح الباب أمام التفسير الآخر الأشد قربًا من منطق الأمور وهو أن حصار غزة يتم بمباركة عباس؛ لأنه كلما اشتدَّ الحصار اقترب الناس في غزة من نقطة الافتراق مع حماس ما دامت الرسالة أنه مع حماس يعاني الناس من شظف العيش ويشرفون على الموت، لعل ذلك يدفع حماس إلى تسليم غزة لأبو مازن، وهو هدف يبدو مشروعًا في نظر الجميع ما دامت حماس قد صورت على أنها استولت على السلطة بالقوة وفصلت غزة عن بقية الأراضي تحديًا لسلطة أبو مازن.

 

فإبادة سكان غزة يجد سنده في أنه عمل ليس مقصودًا لذاته عند أبو مازن ولكنه مطلوب لآثاره السياسية التي تهم أبو مازن كما تهم "إسرائيل" ما دام أبو مازن هو المتعاون معها وهو الذي مكَّنها من التخلص من حماس وفكرة المقاومة أصلاً ليستقيم الأمر لتمدد المشروع الصهيوني مقابل تخليد أبو مازن في السجل الذهبي للمشروع الصهيوني.

 

الدليل على صحة هذه النظرية أن مازن هو الذي اضطر مصر إلى إغلاق معبر رفح، وهو الذي لا يمانع في أن تغلق "إسرائيل" جميع المعابر وتمنع مقومات الحياة عن غزة، من الناحية الظاهرية هو صراع سياسي مع حماس، وتبرره دوافع أخلاقية وهي إنهاء الانقلاب، والتفاوض في هدوء مع "إسرائيل" لعلها تكافئ أبو مازن على هذه الخدمة التاريخية، فالتلازم قائم بين تعثر الوفاق الفلسطيني وبين حصار غزة؛ لأن نجاح الوفاق سوف يؤدي إلى إنهاء الحصار.

 

أما النظرية الثانية فترى أن الحصارَ لا علاقةَ له بالحوار الفلسطيني، فالحصار تمارسه "إسرائيل"، أما الحوار فتقوم به أطراف فلسطينية، ثم أن أبو مازن لا يمل من المطالبة بأن ترفع "إسرائيل" الحصار عن غزة ولكن ذلك على سبيل إبراء الذمة الإعلامية، وترى هذه النظرية أن أبو مازن لا يستطيع أن ينهي الحصار كما أنه لم يطلب فرضه؛ لأن الحصارَ جزءٌ من المشروع الصهيوني لإبادة الشعب الفلسطيني، ولا علاقةَ له بالصواريخ أو بمواقف حماس، لأن هذه المواقف في الواقع تطابق ما يطالب به أبو مازن ما عدا فكرة المقاومة التي يرى أنها تضر بالقضية، ويجب وقفها لعدم فعاليتها، وليس لعدم مشروعيتها، كما يرى أبو مازن أن الحوار ملف مستقل عن الحصار، ولا رابط بينهما؛ ولذلك وضع الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية الحصار والحوار بندين مختلفين، وما كان له أن يجمع بينهما أو يدمجهما لأن الاجتماع يرى أن الفشل في بدء الحوار يؤدي إلى استمرار الحصار من جانبٍ آخر، وهو أن توحيد الصف الفلسطيني يعطي قوةً للمطالبة برفع الحصار، كما أنه سيوفر شروط فتح معبر رفح على الأقل تلك الشروط التي أعلنتها مصر.

 

خلاصة القول، أن الحصار والحوار متلازمان، إما بشكلٍ سلبي أو إيجابي، سواء كان الحصار أثرًا من آثار الانشقاق، أو كان التوافق مقدمةً لدعم الموقف المطالب برفع الحصار أو كسره من طريق فتح معبر رفح.

 

ولكننا نعتقد أن المشكلة الكبرى هو أن التوافق بين فتح وحماس في معظم المواقف أقل مما يمكن "لإسرائيل" أن تكرسه من أسباب الشقاق فيما تعبر عنه حماس دائمًا بأن الفيتو الأمريكي- "الإسرائيلي" هو سبب عدم الحوار حتى يظل الحصار قائمًا وحتى تحقق "إسرائيل" هدفها في إبادة الشعب الفلسطيني.