أجاب عنها فضيلة الشيخ/ سعد فضل- من علماء الأزهر الشريف:
سائل من مصر:
* حجَّ مقرنًا ولم يذبح جهلاً منه بالحكم.
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ (البقرة: من الآية 196).
فالحج واجب على كل مستطيع في العمر مرةً واحدة، كما أن العمرة واجبةٌ عند الإمام الشافعي وأحمد، وسنة عند أبي حنيفة ومالك.
والذي يقصد بيت الله الحرام في أشهر شوال وذي القعدة وذي الحجة ويريد أن يؤديَ الحج والعمرة قارنًا بأن ينويَ الحج والعمرة معًا في إحرامٍ واحد قبل الميقات، فإذا وصل بمكة طاف طواف القدوم، وسعى ووقف بعرفة، وبات بالمزدلفة، ورمى جمرة العقبة صباح يوم العيد، ثم حلق ثم طاف الإفاضة وسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، ثم استكمل أعمال الحج برمي الجمرات والمبيت بمنى، وهذه الكيفية من الإحرام تسمى (القران)، وفيها هدي كهدي التمتع؛ لأنه طاف طوافًا واحدًا سبعة أشواط وسعى سعيًا واحدًا سبعة أشواط عن الحج والعمرة معًا؛ ففي مقابل راحته بعدم تكرار الطواف والسعي يلزمه الهدي.
والهدي هو ما يقدمه الحاج من الحيوان باسم الله إلى الحرم؛ يذبح فيه ويطعم منه المسكين الفقير، فإذا لم يجد الحاج هديًا كان عليه ما عبَّر الله عنه بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (البقرة: من الآية 196).
وهذا النوع من الهدي يجب على القارن والمتمتع، وهو ذبح شاه، والذكر والأنثى فيها سواء، ويذبح في بلد النسك، وهناك بنوك في مصر تقوم بذلك أو توكيل أحد ممن يذهبون إلى هناك ليقوم بهذا العمل بدلاً عنك.
وبذلك تبرأ ذمتك، وتكون قد أتممت النسك، وأسأل الله عز وجل أن يتقبَّل منا وإياك صالح الأعمال، إنه سميع قريب.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.
***
سائل كريم:
* هل من الواجب على من كان مضحيًا ألا يأخذ من شعره وأظفاره؟ أم أن ذلك على سبيل الاستحباب؟
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فقد شرع الإسلام الأضحية في عيد الأضحى شكرًا لنعمة المال لقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ (الحج: من الآية 28)، وإحياءً لقصة الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، قال سبحانه ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: 107).
وقد سنَّ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموسر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الحديث:"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا- أي يوم الأضحى- أن نصليَ ثم نرجع فننحر؛ فمن فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء".
* ومن أسرار تشريع سنة الأضحية:
** التوسعة على العيال والأسرة في أيام العيد، وكذلك التوسعة على الفقراء؛ وذلك أنه يسن أن ينال الفقراء ثلثها، ويوزَّع عليهم حتى يشعروا هم أيضًا بالتوسعة في أيام العيد.
ومما يجب أن يلاحظ أن من أسرار تشريع سنة الأضحية أنها فداءٌ من الآفات والكوارث والمصائب في أثناء العام، كما كان الكبش الذي ضحَّى به سيدنا إبراهيم فداءً لسيدنا إسماعيل من كارثة عظيمة هي كارثة ذبحه؛ فالأضحية فداءٌ من كثير من الكوارث، وهي توسعة كذلك كما ذكرنا.
أما بخصوص سؤالك أخي الكريم عما ورد في النهي عن قص الشعر وأظفار المضحِّي من أول ذي الحجة حتى يضحيَ؛ فقد ورد في صحيح مسلم وغيره، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحيَ فلا يأخذ من شعره ولا أظفاره شيئًا حتى يضحي".
وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقلدها بيده، ثم يبعث بها ولا يحرِّم شيء أحلَّه الله حتى ينحر الهدي".
ذهب سعيد بن المسيب وربيعة وأحمد ابن حنبل وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم أخذ شيء من شعر الإنسان أو أظفاره إذا أراد أن يضحي..
وقال الشافعي وأصحابه: إنه مكروه كراهة تنزيه وليس بحرام.
وقال أبو حنيفة: لا يكره الحلق والتقصير.
وقال مالك في رواية: لا يكره، وفي روايةٍ: يحرم في أضحية التطوع دون الأضحية الواجبة.
هذه أخي هي آراء العلماء، ولكلٍّ وجهةٌ، ولا بأس من اتباع إحداها، ولا تَنْس قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج: من الآية 37).
تقبَّل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.
***
السائل- أبو أيمن:
* هل حديث "يوم صومكم يوم نحركم يوم عيدكم الأكبر" حديث صحيح؟
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
هذه العبارة لم نقف لها على سندٍ، وهي من الأقوال المشهورة، وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
وزادك الله حرصًا، ومن فضل الله تعالى أن وفَّق علماءنا المتخصِّصين في علوم السنة بالتدقيق والتنقية للسنة النبوية من كل دخيل، وهناك الكتب الكثيرة للأحاديث الصحيحة، فلنحرص عليها ولنسأل أهل الذكر كما أمرنا الله عز وجل: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية 43).
أما الحديث الصحيح هو ما جاء صحيحًا عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده" (أحمد وابن خزيمة في السلسة الصحيحة).
***
السائل- سامي- مصر:
* هل يجوز إخراج جلد الأضاحي إلى المساجد؟
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فالأضحية سنة مؤكدة على الراجح، وسبق الاستدلال عن ذلك، وقال الفقهاء إنه لا يجوز بيع شيء منها، ولا يعطى الجزار شيئًا منها كأجرةٍ، والإمام أبو حنيفة أجاز بيع جلدها والتصدق به.
فيمكن لك يا أخي أن تعطيَه المسجد لمن تثق فيهم أو تعطيه أية جهة خيرية ممن يعملون بإغاثة الملهوفين، وما أكثرهم من إخوانك!.
زادك الله حرصًا وتقبَّل الله منا ومنكم.
***
السائل- صلاح الشيخ:
* خروج المرأة دون سن الثلاثين للحج بمفردها دون محرم؟ وما المسافة التي وضعها الشارع للمرأة بدون محرم؟
** أخي الحبيب.. هذا السؤال مجاب عنه على الموقع في أسئلة (فتاوى الحج والعمرة).
***
السائل: زيزو- إسكندرية- مصر:
* هل يجوز الجمع بين الأضحية والنذر بقيمتين كبيرتين ولكن في نفس البقرة، بمعنى أن واحدًا عليه نذر، ويريد أن يضحيَ أيضًا، فهل يمكن شراء بقرة كبيرة شاملة قيمة الأضحية وقيمة النذر؟
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)﴾ (الإنسان).
فكان الوفاء بالنذر أول خصلة من خصال الخير التي التزم بها هؤلاء الأخيار؛ حيث لم يتركوا لأنفسهم الحرية في أداء النوافل من أنواع العبادات حسب ما يجدونه من النشاط في الأوقات، بل ألزموا أنفسهم أنواعًا من الطاعات حتى يسدوا النوافذ أمام النفس والهوى والشيطان، ولما علم المولى سبحانه صدقهم وإخلاصهم في هذا التوجيه لعبادته أعانهم على الوفاء بنذرهم ليسلكهم في زمرة أحبابه وأصفيائه.
وربط النذر بالخروج من مأزق معين أو بطلب التوفيق في شيء معين يُكره؛ وذلك لأنه يدل على بخل الناذر وشحِّه، وأنه لا يتصدق لله صدقةً إلا بمقابل.
لذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل" (البخاري ومسلم).
وقد أخبر الله تعالى بوقوع العقاب على مَن لم يُوفِ بالنذر، فقال سبحانه ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)﴾ (التوبة).
فالوفاء بالنذر لازم، وهو لازم عند الاستطاعة؛ فلو أخَّره الإنسان مع الاستطاعة فهو آثم.
واعلم أخي السائل أن النذر الواجب عليك هو أحق وأولى بالأداء، ولا يجوز الجمع بين الأضحية والنذر الواجب عليك؛ فهو أداء مستقل، فابدأ بالواجب إذا كان قد حان ميعاده، والله عز وجل يُجزيك بنيتك؛ فالأعمال بالنيات.
تقبَّل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.
***
السائل- شريف النجار- مصر:
* ما هو حكم إمامة المسبوق في الصلاة؟
* هل يجوز إمامة المتنفل بالمفترض؟
* هل يجوز للمرأة أن تصوم كصيام التسع من ذي الحجة قبل أداء ما فاتها من صيام رمضان؟
** الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فالإجابة عن الشق الأول من السؤال نقول بحمد الله وتوفيقه:
بالنسبة لإمامة المسبوق في الصلاة فللفقهاء في ذلك خلاف:
فالحنيفة قالوا: لا يصح الاقتداء بالمسبوق بعد قيامه لإتمام صلاته.
والمالكية: وافقوهم على ذلك إذا كان المسبوق أدرك ركعةً مع إمامه، لكن لو أدرك أقل من ركعة صح الاقتداء به.
والشافعية قالوا: من اقتدى بمأموم مسبوق بعد أن سلم الإمام أو نوى مفارقته صح الاقتداء، وهذا في غير الجمعة، أما في صلاتها فلا يصح الاقتداء.
الحنابلة: وافقوهم على ذلك.
وما دام هناك اختلاف فلا يصح التعصب لرأي معين.
أما عن الشق الثاني من السؤال:
بخصوص إمامة المتنفل بالمفترض: فأجاز الإمام مالك صلاة المفترض خلف المتنفل؛ حيث يشترط أن تتحد نية المأموم مع نية الإمام في ذات الصلاة، وعلى ذلك لو صيرت نفسك مثلاً إمامًا وجهرت بالقراءة لبطلت صلاتك.
أما إذا رفعت الصوت بالقراءة وأنت تصلي نافلة إذا اقتدى بك أحد يصلي فريضة جهرية كالعشاء مثلاً، فإنه يتفق مع مذهب الإمام الشافعي الذي يُجيز تحوُّل المأموم ليكون إمامًا مع اختلاف النية بين الإمام والمأموم، ويستدل الإمام الشافعي على جواز ذلك بما حدث من أبي بكر رضي الله عنه؛ كان يصلي إمامًا بالناس في مرض الرسول صلى الله عليه وسلم، وذات يوم أحس الرسول صلى الله عليه وسلم بشيءٍ من التحسن فخرج يتهادى بين رجلين فجلس عن يسار أبي بكر، فكان يصلِّي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا؛ يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر (البخاري ومسلم).
والشاهد في هذا الحديث: هو تحوُّل أبي بكر من مقامه في الصلاة كإمام للناس إلى كونه مأمومًا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومبلغًا أفعاله إلى الناس، وإذا جاز للإمام أن يتحوَّل مأمومًا جاز العكس، وهو أن يتحول المأموم ليكون إمامًا.
أما جواز اختلاف نية المأموم مع نية الإمام التي أجازها الشافعي فهو مأخوذ من حديث معاذ رضي الله عنه "حين كان يصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي ثم يذهب إلى مسجد قومه في بني سليمة فيصلِّي بهم العشاء، وكان يصلي بهم إمامًا" (البخاري ومسلم).
والشاهد في ذلك: أنه كان يصلي إمامًا بنية صلاة النافلة وقومه يصلون فريضة العشاء، ومع ذلك أجازها النبي صلى الله عليه وسلم.
والشق الأخير من السؤال: وهو عن حكم صيام المرأة للنفل كصيام العشر الأُوَل من ذي الحجة قبل أداء ما فاتها من صيام رمضان؛ نقول وبالله التوفيق:
إن قضاء رمضان يجب أن يتم قبل حلول شهر رمضان التالي، ولا يشترط في قضائه التتابع، وكل ما في الأمر هو أن يحدد الإنسان نيته في اليوم الذي يريد صيامه بأنه قضاء عما فاته من شهر رمضان.
فالنية ركنٌ من أركان العبادة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى".
وتمايز العبادات لا بد أن يصحبه تمايز النيات بحيث يقصد الإنسان بقلبه ما يفعل فرضًا أو نفلاً صلاةً أو صيامًا، وهكذا.
لكن يجوز التشريك في النية إذا اتحد العمل، بأن ينويَ الإنسان فعلاً واحداً بنيتين؛ فمن اغتسل يوم الجمعة جنبًا يجوز له أن ينويَ رفع الجنابة وسنة غسل الجمعة، ومن دخل المسجد وصلَّى ركعتين سنةً للفريضة يجوز له أن ينويَ سنة صلاة الفريضة وسنة تحية المسجد معًا.
كذلك من يصوم تسعة الأيام من ذي الحجة وعليه صوم واجب من رمضان يمكن له أن ينويَ قضاء ما فاته من رمضان وأداء هذه الأيام المباركة العظيمة، وهي أفضل أيام الدنيا.
والشرط: أن ينويَ الفريضة أولاً ويُلحقها نية النافلة.
لكن لو أن السائل الكريم أفرد أيام التسع من ذي الحجة بالنية ولم ينوِها قضاءَ ما فاته من رمضان فلا يحصل إلا صوم النافلة، وعليه أيام أخر يجب عليه صيامها عما فاته من رمضان، وكل ذلك جائز إن شاء الله، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: من الآية 27).
تقبَّل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.