أتى لنا زائرًا من غير إعداد، فقلنا أهلاً يا عيد.. نظر إلينا أسفًا وبدأت كلماته تنساب، فقال: دومًا أسمعها منكم أهلاً يا عيد.. كلمات لا تتعدى الحناجر، ولكن قلوبكم منكسرة، ونفوسكم مهلهلة، تارة مع أهل فلسطين تبكون، وأخرى من أهل العراق تتمزَّقون، ولأهل أفغانستان والشيشان تنظرون، فتكاد قلوبكم تتفطر.. هذا غير الآهات في كل أنحاء الدنيا، التي لا تستطيع أسماعكم لها ردًّا.

 

أسمع منكم أهلاً يا عيد فيُدَمى قلبي.. أتمنى أن آتي إليكم بالفرحة، وصمت قليلاً، ثم استأنف كلامه: إن استطعتم أن تتوحدوا بقلب واحد محب لله على منهج القرآن لشعرتم بي، ولكنت لكم فرجًا مع الضيق، فما أنتم فيه من ضنك من سنن الله على الأرض، ألم تنادوا بالجهاد، ألم ترفضوا الخضوع والذل، ألم تختاروا الله ربًّا واحدًا وكفرتم بكل آلهة الأرض المزيَّفة فلا بد من التمحيص.

 

لتتزين رؤوسكم بأكاليل النصر في الدنيا، وتعدّ لكم ملائكة الرحمن مقاعدكم في الفردوس الأعلى من الجنة، وكان محمد صلى الله عليه وسلم لكم قدوة، تم حصاره مع من آمن وتم تجويعه وهو النبي المصطفى خليل الرحمن، وتم تعذيب أتباعه كما يحدث الآن، وتم قتل بعضهم من أثر التعذيب، وتم الاستهزاء بهم كما نسمع الآن بآذاننا وكأن الأرواح ردَّها الله للفريقين من المؤمنين والكفار وكأن المشهد يكرر نفسه.. وأعلنت الحرب على محمد وأتباعه.. مات أحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم، وكثيرًا ما بكى، وكثيرًا ما توسَّل إلى ربه ورجاه، وأنتم تمرون بالخطوات نفسها، ولا تتبدل عليكم سنة الله، فكونوا على أهبَّة الاستعداد لا تحزنوا وأنتم الأعلون.

 

فالنصر صبر ساعة، وقد مضى الآن من ساعة نصركم بعض الوقت؛ لتجنوا ثمار صبركم، وكيف يكون الصبر إلا مع المشقَّة والآلام والفراق للأحبة.. ابذلوا كل شيء لله ينصركم ويثبت أقدامكم.

 

أنظر إليكم أنا العيد.. أراكم أفضل قربًا من الله وإحسانًا في العبادات، ولكنَّ تغيير النفس لتكون لله ما زال يحتاج إلى جهد كبير؛ فلماذا الأسرة مفكَّكة؟ ولماذا صلات الأرحام لم تأخذ حقها؟ ولماذا هذا الهرج في اعتداء بعضكم على حقوق بعض؟ ولماذا الطمع والأنانية وحب الدنيا؟ أرى أمامي شخصيات متذبذبة، تحب الإله ولا تغيِّر عاداتها لما يحب الإله.. تحب الرسول وتعاملاتها ليست على دربه.. تحب الجنة ولا تعمل لها.. تؤمن بالآخرة ولكن تنسى يوم لقاء الله عند مواجهة متطلبات حياتكم!! إن الأمر بصدق يحتاج وقفةً مع النفس، وإجبارها على طريق الله المستقيم، ولن يتحكم في النفس إلا صاحبها، فقودوا أنفسكم إلى الجنة، وقوا هذه الأنفس أن تكون وقودًا للنار.

 

ثم استدار ليذهب عنا؛ فهرعنا إليه هاتفين من القلوب: لا تتركنا يا عيد؛ فأنت هبة الرحمن لنا، وزادٌ على الطريق.. فأنت الفرحة والابتسامة.. أنت النور والحياة، ومهما كانت الخطوب فنحن نشتاق إليك لتهوِّن علينا وينبثق الأمل من جديد؛ فعندما تكون بيننا يرقّ قلب كلٍّ منا على الآخر، ونتقاسم طعامنا، ونتبادل ضحكاتنا، ونصل رحمنا، ونشعر بلذة الإيمان؛ فأنت يا عيد من توحِّدنا وتقرِّبنا.. امكث معنا قليلاً، ونعدك بمشيئة الله أن نحاول من جديد، وما يدريك لعل لقاءك معنا يكون من أسباب- بل من أهم أسباب- النصر.

 

انتظر يا عيد ولا تمضِ؛ حتى تمسح دمعة اليتيم، وتكون سببًا في إعانة الأرملة، وفك أسر الأسير..

 

انتظر يا عيد؛ حتى يتصافى المتشاحنون، ويتصافح المتخاصمون..

انتظر يا عيد؛ حتى تنفرج الهموم وترسم البسمة على القلوب..

انتظر يا عيد؛ فأنت نفحة من عند الإله العظيم، وأهلاً بقدومك يا من ستخفف عنا الجراح.