تجلس في الشرفة الخلفية.. تعشق تلك الشرفة لأنها منعزلة عن العالم.. لا تطلُّ على شوارع الحي المثقلة بالناس.. بل على الحدائق الخلفية لعمارات الحي.. ما أحلى اللحظات فيها..!!
عندما تجلس على الأرض.. مستندةً إلى الجدار.. مسلِّمةً رأسها له كأنما تتكئ على كتفي حبيب.. تجلس رافعةً رأسها إلى النجوم في استئناس.. تمسك كوب الشاي الأخضر بكلتا كفَّيها.. تقلبه رويدًا رويدًا.. كأنما تحرص على أن ينال كل جزء منه قدره من دفء كفيها.. تحظَى هي بعذب الإحساس بالامتلاك والقرب.. لها وحدها هذا الشراب.. بين يديها طوع أمرها.. ترفعه إلى فيها بمحض إرادتها.. دون أن يعترض.. ترتشف منه في رضا.. دون أن يُبدي التذمُّر.. بل إنها تشعر أن كوبها المفضَّل الذي نشأت بينهما علاقة حب.. يطاوعها راغبًا.. كي يحظى بنشوة قبلة شفتيها بين الحين والآخر.. تعتدندن. بأناملها لحنًا.. وتدندن.. وتدندن.. وتستمر تترنَّم..
الساعة دقت.. كم تبغض دقات الساعة.. منذ أن جاءت تلك الساعة للبيت وهي تسرق لُحَيْظَاتِ عمرها.. معلنةً ذلك في قسوة.. كم أحبت أن يمضي الوقت أحيانًا دون سابق إنذار.. دون أن تشعر.. أحيانًا.. وما أكثر تلك الأحيان..!! يستهويها فقدان الحس بعقارب الساعة.. يشوقها نسيان الزمن.. لكن تلك الساعة اللعينة.. تدق كل ساعة.. لا تفتأ تذكرها.. تدق مقدار الساعة..
أربع دقات.. مضت ساعة.. ما أحلى أن ينساني الزمن.. وتعتقني تلك الساعة..
شردت خواطرها برهةً.. ثم أخذت أناملها تدق على الكوب.. مدندنةً في إيقاع متسارع:
"دقات الساعة إنذار بدنوّ العمر من الأجل.. وحياة الدنيا مشوار والراحة تُجنى بالعمل"
صمتت لحظةً.. ارتشفت آخر رشفة.. هبَّت واقفةً.. الآن آذان الفجر!!.