- إغراق الشركات الكبرى في الديون لإجبارها على الإفلاس

- تخفيض مؤشرات الأجور وتسريح عدد كبير من العاملين

- التوقف عن الاستثمار في تحديث الميكنة وأساليب الإنتاج

- تشجيع دور القطاع الخاص بشكل كبير على حساب "العام"

- أصحاب الشركات: المعاش المبكر والاستيلاء على الأصول أخطر الأسلحة

- الخبراء: إعادة الهيكلة لن تحل المشكلة والحل إدراجها ضمن برنامج الأصول

 

تحقيق- صالح الدمرداش:

تواجه شركات الغزل والنسيج التابعة لقطاع الأعمال العام مستقبلاً غامضًا فيما يتعلَّق بوضعها بعد استبعادها من برنامج إدارة الأصول المملوكة للدولة الجديد، والمنتظر عرض قانونه على مجلس الشعب في دورته الحالية.

 

وقد أصدر مركز الأرض تقريرًا اقتصاديًّا حول أوضاع عمَّال قطاع الغزل والنسيج؛ أكد فيه أن الكثافة العُمَّالية بهذا القطاع كانت بمثابة حجر العثرة أمام خصخصة شركات القطاع؛ الأمر الذي دفع الحكومة إلى التوجه نحو تصفيتها عبر عددٍ من الخطوات؛ تمثَّلت في التوقف عن الاستثمار في تحديث الميكنة وأساليب الإنتاج، بالإضافة إلى إغراق هذه الشركات في الديون من أجل إجبارها على إشهار إفلاسها.

 

وكانت الضربة الموجعة من قِبل الحكومة لصناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة هي تحرير تجارة القطن وانتقال تركيز صناعة الغزل والنسيج والملابس الجاهزة من المحلة الكبرى وشبرا إلى المدن الجديدة في العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر.

 

وقد شهدت أوضاع العمالة في قطاع الغزل والنسيج تدهورًا على عدة أصعدة؛ أهمها تناقص مؤشر الأجور وانخفاض إنفاق الشركات على الخدمات التي كانت تمثِّل جزءًا أساسيًّا مكملاً للأجر.

 

وأدت تلك السياسات الحكومية إلى تراجع وزن قلاع الغزل والنسيج الأساسية في شبرا الخيمة وحلوان والمحلة الكبرى لصالح المناطق الصناعية الجديدة في العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر وبعض مدن القناة وتوسع دور القطاع الخاص في هذا القطاع بشكل غير مسبوق على حساب شركات القطاع العام.

 

ووفقًا للبيانات الصادرة عن مركز المعلومات التابع لوزارة الاستثمار فإن قطاع الغزل والنسيج به 26 شركة خاسرة من إجمالي ‏38‏ شركة، وتبلغ خسائر هذه الشركات ‏2300‏ مليون جنيه مقابل ‏2190‏ مليون جنيه عن العام السابق، وتمثِّل خسارة قطاع الغزل والنسيج 79% من إجمالي خسائر الشركات الخاسرة.

 الصورة غير متاحة

 صناعة الغزل والنسيج في تراجع مستمر

 

ويصبح السؤال عن المستقبل المتوقع لهذه الشركات: هل يمكن- مع الكمِّ الهائل من المشكلات التي تواجهها، سواء في مديونيات وخسائر وصلت العام المالي الأخير إلى نحو 3 مليارات جنيه، بالإضافة إلى تهالك المعدات والآلات وكمٍّ هائل من العمالة التي التحقت بالشركات لأسباب اجتماعية وفشلت معها برامج التدريب والتمويل والمعاش المبكر- أن تتطور هذه الشركات؟ وهل يمكن إصلاح أحوالها؟ وماذا لو استمرت على كمِّ الخسائر الكبيرة المحققة كل عام؟

 

من ناحيتهم أكد عددٌ من رؤساء شركات الغزل والنسيج أن نية الحكومة تتجه إلى تنفيذ خطط انكماشية بشركات الغزل تمهيدًا لتصفيتها بعدة طرق؛ منها خروج العمالة بنظام المعاش المبكر، واستغلال الأراضي التابعة لها في أنشطة أخرى.

 

خطط انكماشية

وقال المهندس محمود الغمري رئيس شركة الأهلية للغزل والنسيج: إن عدم قيام الحكومة بإدراج شركات الغزل ضمن البرنامج الجديد لإدارة الأصول دليلٌ على وجود توجُّه لديها لتصفية هذه الشركات التي تموت حاليًّا وهي واقفةٌ- على حد قوله- حيث تم تخفيض الكميات التي تحصل عليها من الكهرباء والمياه والغاز الطبيعي بشكل تدريجي؛ بل تقوم بعض الجهات بقطع الكهرباء نهائيًّا عن المصانع لوجود مديونيات على المصانع لدى هذه الجهات، وهو ما تكرَّر في مصنع غزل أسيوط.

 

وأضاف أن خطة الحكومة لتحقيق أهدافها في تصفية الشركات تقوم على تقليل العمالة بخروجها على المعاش المبكر، ووضع خطط انكماشية تستهدف تقليل الإنتاج وحجم نشاط الشركات في السوق، خاصةً في ظل الظروف السيئة التي تحيط بالصناعة حاليًّا؛ من تهريب الغزول وتحرير تجارة القطن وغيرهما من الأمور، لافتًا إلى أن استغلال الأراضي التابعة لهذه الشركات في أنشطة جديدة وضخ استثمارات جديدة بها سيكون أفضل حالاً عند تصفية هذه الشركات.

 

وأوضح الغمري أن أزمة صناعة الغزل والنسيج معروفة لجميع المسئولين، والنهوض بهذه الصناعة يحتاج إلى تدخل حقيقي من الحكومة لتطويرها ووقف استيراد الغزول أو فرض رسم صادر عليها؛ حتى لا تسيطر على الأسواق المحلية وتضرب مبيعات الشركات.

 

اتجاه إلى التصفية

وطالب المهندس محمد عبد ربه رئيس شركة ميت غمر للغزل بضرورة دعم مدخلات الصناعة في الغزل والنسيج للمساعدة على الاستثمار في هذا المجال مثلما حدث في الهند، وعدم التركيز على المخرجات مثلما هو حادث الآن بدعم المستورد من القماش بنسبة 8% على كامل الفاتورة، دون النظر إلى القيمة المضافة فقط، فضلاً عن ضرورة إعادة النظر في التعريفة الجمركية وإعادتها إلى ما كانت عليه ومحاربة التهريب وضبط تجارة الترانزيت؛ حتى لا يتم تفريغ البضائع بالسوق المحلية.

 

وشدَّد على أهمية إصلاح الهياكل التمويلية لشركات قطاع الأعمال العام، والعمل على ضخ استثمارات جديدة بها؛ حتى تتمكَّن من النهوض من عثرتها لخطورة الوضع الحالي على استقرار العمل والعمال في القطاع؛ الذين يتجاوز عددهم 75000 عامل.

 

وأضاف عبد ربه أن عدم قيام الحكومة باتخاذ خطوات جدية لتحقيق نهضة في الصناعة- فضلاً عن عدم طرحها ضمن برنامج إدارة الأصول المملوكة للدولة- يؤكد وجود نية لتصفية شركات الغزل والنسيج، خاصةً أنه لا يتم حاليًّا ضخّ أي استثمارات بالشركات في وقتٍ يحقق فيه معظمها خسائر مستمرة.

 

محاولةٌ للتطوير!

وأكد المهندس حمدي أبو قودة رئيس شركة المحمودية للغزل والنسيج أن هدف الحكومة من عدم طرح الشركات ضمن البرنامج الجديد قد يكون محاولةً لتطويرها، ثم بعد ذلك التفكير في طرحها، موضحًا أن الحكومة لا يمكن أن تمنح المواطنين صكوكًا خاسرةً لشركاتٍ لا تحقِّق أي أرباح، وبالتالي فمن الطبيعي ألا يتم التفكير في إدراجها ضمن البرنامج.

 

ولفت إلى أن المهندس محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج أعلن أكثر من مرة عن وجود خطط انكماشية لتقليل نشاط الشركات التابعة، إلا أن ذلك يتم بالفعل في الشركات التي تحقِّق خسائر كبيرة، وفي المقابل هناك خطة لاستغلال الأراضي والأصول غير المستغلقة التابعة لشركات الغزل، على أن يتم استخدام عوائد هذه الأصول في تطوير المعدات والآلات وضخ استثمارات جديدة.

 

وقال إن الحكومة إذا لم تكن جادةً في إصلاح هذه الشركات فمن الأفضل تصفيتها مع منح جميع الحقوق للعاملين بها، مشيرًا إلى أنه توجد محاولات من قِبل بعض المستثمرين للاستحواذ على شركات الغزل والنسيج التابعة لقطاع الأعمال؛ حتى تحوِّلها من الخسارة إلى الربح، وهذا ما حدث بالفعل؛ حيث استحوذ أحد المستثمرين على مصنع غزل بني سويف لإدارته بشكل أفضل وتحقيق عائد تستخدمه شركة مصر الوسطى التي يتبعها مصنع بني سويف في تطوير أوضاعها.

 

وطالب بأن يستمر رؤساء شركات الغزل والنسيج في خططهم لتطوير شركاتهم وانتظار الخطوات التي ستتخذها الحكومة بشأن برنامج إدارة الأصول خلال الفترة المقبلة للتعرف على مدى تأثير عدم طرح هذه الشركات ضمن البرنامج على خططها التطويرية.

 

خيبة أمل

وأضاف الدكتور خميس الهلباوي الخبير الاقتصادي أن ما يدعو إلى اليأس وخيبة الأمل، عدم قدرات المسئولين عن الشركة القابضة- كالعادة- وفشلهم في فَهْم مشاكل قطاع الصناعات النسيجية، وبالتالي عدم قدرتهم على إيجاد الحلول النافعة لإبراء هذا القطاع الأكثر أهميةً في مصر من ناحية الكثافة العمالية، وبالتالي عجزهم وفشلهم في إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطلوب حلها في قطاع الغزل والنسيج المجنيِّ عليه بوجودهم على قمته.

 

وأشار إلى أن إعادة الهيكلة وضخ الأموال الجديدة في وقتٍ يمكن استخدام تلك الأموال في أبواب أكثر أهمية، هو من قبيل التبذير غير المبرر؛ لسبب بسيط أن تحليل الأسباب التي أدت إلى تحمل تلك الشركات خسائر يؤدي إلى نتائج أن إعادة الهيكلة وضخ المبالغ الزائدة لن يساهما كثيرًا في حل المشكلة، وما يجعل المشكلة أكثر تفاقمًا أن ترفع تلك الشركات من برنامج توزيع الصكوك، في حين أنه من التجارب السابقة في مصر وفي دول أخرى، أن توزيع أجزاء من أسهم الشركات على عمال تلك الشركات، هو الأكثر نفعًا لزيادة الإنتاج ورفع جودته والمحافظة على الأصول الإنتاجية والخامات، وبالتالي تحقيق الأرباح، والسبب في منتهى البساطة هو: "أن العناصر الأكثر تأثيرًا في نجاح أو فشل الصناعات النسيجية هي: العمالة وثقافتها وانتماؤها، والعنصر الثاني هو خبرة وكفاء وشفافية الإدارة الواعية؛ بما فيها إدارات الإنتاج والتسويق؛ حيث إن الصناعات النسيجية صناعةٌ كثيفةُ العمالة وتعتمد على مهارة الأيدي العاملة وكفاءتها.

 

نتائج سيئة

وعن الوضع المتوقع لشركات الغزل والنسيج بعد أن تم استبعادها من برنامج الملكية الشعبية؛ قال المهندس محسن الجيلاني رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج: "هناك عدد قليل من الشركات قابلة للإصلاح؛ يأتي على رأسها شركة المحلة، أما الأغلبية في القطاع فهي شركات غير قابلة للإصلاح، وتلك تظل على أوضاعها ليكون مصيرها (الانكماش)".

 

وأضاف أنه لن تتم تصفية بعض شركات القطاع، كما يتردد حاليًّا، مؤكدًا أن ما تجري دراسته هو وقف النشاط أو تقليل حجم الإنتاج بسبب ما تواجهه هذه الشركات من عمليات إغراق بسبب المنتجات النسيجية والملابس الجاهزة المستوردة، والتي لا تتعدى التعريفةُ الجمركيةُ المفروضةُ عليها ٥%.

 

 وأوضح أن التوجُّه إلى تصفية بعض الشركات التابعة سيُثير البنوك الدائنة، مشيرًا إلى أن القطاع يحتاج إلى دعمٍ من الدولة لإعادة نشاطه مرةً أخرى وسط ما يواجهه من منتجات نظيرة مستوردة ومدعومة بانخفاض التعريفة الجمركية، وفقًا لاتفاقيات إقليمية.

 

وكشف الجيلاني عن أن شركات الغزل العامة كانت تترقَّب عملية بيع بنك القاهرة؛ لمساعدتها في سداد ديونها لدى البنوك من خلال تخصيص جزء نقدي لها من قيمة بيع البنك، إلا أنه تم إلغاء المزايدة.

 

وأشار إلى أنه لو تم استبعاد أجور العاملين والمصاريف الإدارية من دراسات جدوى مشروعات النسيج الجديدة، "فإن النتائج ستكون سيئةً؛ بسبب عمليات الاستيراد"، فضلاً عن ضعف الموقف العام للشركات العاملة حاليًّا.

 

وطالب بفرض رسم حماية لصناعة الغزل والنسيج على غرار ما حدث في تركيا، موضحًا أن البيئة الحاليَّة لقطاع الغزل والنسيج قاتلةٌ.