تهديدات جادة يطلقها قادة الكيان الصهيوني بين الفينة والأخرى، بهدف القضاء على حركة حماس، وشل قوتها، أو لنكن أكثر واقعيةً في تشخيصنا للأمور، ولنقل بأن الهدف هو القضاء على النسيج الوطني الفلسطيني المعاش في قطاع غزة؛ وذلك على الرغم من استمرار الحصار الظالم على القطاع لقرابة العامين.
يُرجِّع بعض المراقبين ارتفاع وتيرة التهديدات الصهيونية هذه لعدة أسباب أهمها، اقتراب موعد حمى الانتخابات داخل الكيان الصهيوني، ومعلومٌ بأن ورقة حماس في أية انتخاباتٍ صهيونية تعتبر ورقة ضغط، بل وسببًا في فوز حزبٍ على آخر، خاصةً إذا علمنا أن قوة الحركة في تعاظم ما يعني أن الخطر الذي باتت تشكله على الكيان الصهيوني أصبح مضاعفًا.
أيضًا يأتي المخطط الصهيوني لاجتياح غزة تحديدًا بعد مهرجان انطلاقة حماس الـ21، وذلك حين زحف مئات الآلاف من الغزيين للمشاركة في المهرجان، وتجديد البيعة للحركة، معنى ذلك أن الحصار الصهيوني العربي المفروض على غزة لم يؤتِ ثماره لجهة العدو الصهيوني وأمريكا، ومَن لفَّ لفهم من الذين كانوا يطمحون بثورة شعبية عارمة تطيح بحماس، بدعوة أنها من أوصل الفلسطينيين إلى هذه الحالة.
شَكل مهرجان الانطلاقة الـ21 لحركة حماس، صفعة مدوية للعدو الصهيوني ولأمريكا وسلطة رام الله، وبعض العرب، إذ إن ما يقرب من ثلث سكان قطاع غزة إما اتجهوا للمشاركة في المهرجان أو كانوا في مواقعهم المحددة لهم بغيةَ خروج الفعالية بصورة سليمة، وهو ما يؤكد أن مهرجان الانطلاقة الـ21 كان من أقوى المهرجانات الشعبية للحركة على مدار سنوات عمرها، وهو ما أكده هنية في خطابه.
ليس أمام المقاومة الفلسطينية سوى مواجهة العدوان الصهيوني وتهديداته، بكافة الإمكانات المتاحة أمامها، وطالما أن العدوان الصهيوني لم يوقف سياسته "البربرية" من اجتياحات واغتيالات واعتقالات، طيلة فترة التهدئة، فإنه بالتالي ليس لدى الشعب الفلسطيني ما يخسره في أي معركة قادمة مع العدو الصهيوني، ومَن يخسر هم أولئك الذين تتجمد حساباتهم عند أول قطرة دم يخسرونها.
يعيش المواطن الصهيوني حالةً من التخبط والتيه، فالقيادة السياسية متهمة بالفساد سواء المالي أو الأخلاقي، والقادة العسكريون يخرجون من فشلٍ إلى آخر، والبنية الاقتصادية والاجتماعية داخل الكيان الصهيوني في تدهورٍ مستمر، أضف إلى ذلك كله ازدياد حالات الانتحار بين صفوف الجنود والمغتصبين.
يقابلها في الجانب الآخر، تماسك في الجانب الفلسطيني، وتحديدًا في قطاع غزة؛ حيث الحكم لحماس، والتفاف شعبي منقطع النظير حظيت به الحركة بسبب اتباعها سياسة عدم التمييز بين المواطنين، فحماس تعتبر جميع أطياف الشعب الفلسطيني أبناءها، وبالتالي فالمساعدات والرواتب تُعطي للجميع دون تمييز؛ وهو الأمر الذي يدفع الشعب الفلسطيني قُدمًا نحو مزيدٍ من الصمود "الأسطوري" والاستمرار في اتباع نهج المقاومة، على الرغم من أن هدف الحصار هو عكس ذلك تمامًا.
وإذا ما عرجنا في حديثنا عن الوضع في الضفة الغربية، فالأمر مختلف، فالسلطة الفلسطينية مستمرة في غيها باعتقال المقاومين الشرفاء، وكان آخرهم حتى كتابة هذا المقال، المجاهد القسامي رجب عوني توفيق الشريف من نابلس والمطلوب للقوات الصهيونية منذ عام 1996، والذي سبق الإعلان عنه شهيدًا في محاولةٍ لتضليل المخابرات الصهيونية، لكن كان للمخابرات الفلسطينية رأيٌ آخر في ذلك، حين قامت بعملية وصفتها بـ "المعقدة" قادة في النهاية لاعتقال المجاهد البطل الشريف.
انتهت التهدئة بين الفصائل الفلسطينية، والكيان الصهيوني دون أن تحقق أي نتائج تُذكر على صعيد فتح المعابر أو تخفيف المعاناة على المواطن الفلسطيني، وسواء تم التجديد لهذه التهدئة أو لم يتم، فالفلسطينيون باتوا على قناعة أكثر من ذي قبل بأنه لن يحقق طموحاتهم وآمالهم في التحرير المنشود، سوى طريق المقاومة، وبأن مَن يقف مع المحتل الصهيوني مصيره إلى مصير المحتل نفسه، الخزي والخذلان والعار.