في ظلال هذه الأحداث الدامية التي نعيشها الآن في غزة، من تساقطٍ للقتلى كتساقط أوراق الأشجار في الخريف، ومن تساقطٍ للقنابل كتساقط حبات المطر في شهور الشتاء، في ظل هذا وذاك أقول وأُعلنها مُبرِّئًا ذمتي وفاكًّا رقبتي من كل دم فلسطيني يراق على أرض غزة، وكذلك متبرِّئًا من موقف الحكومة المصرية المُهين المَشين:
يا سادة.. إن من يرى ما نراه في خارج مصر ليدرك حجم الذل والعار الذي يوضع على أعناق المصريين في خارج دولتهم، وكأنهم كُتب عليهم الذل في خارج دولتهم وفي داخلها، لا تستطيع أن تدافع عن نفسك ولا عن بلدك ولا أن تصدَّ سيل الاتهامات الذي يُكال لنا عن العمالة والحقارة والواضعة والتآمر، ولكل من يقول ذلك الحق والعذر؛ فلا أعجب من أن تأتيَ وزيرة الخارجية الصهيونية إلى مصر كي تدقَّ طبول الحرب من دارنا، ولا أحد يعارضها، وكأن من يُذبَّحون في غزة ليسوا مسلمين وكأنهم ليسوا عربًا ولا من بني جلدتنا ولا يتكلمون بلساننا!! إن كانت حكومتنا قد تركتهم فريسةً لأنهم ينتسبون إلى حركة الإخوان المسلمين فلتطرحْ هذا البعد جانبًا ولتَثُرْ من أجل العروبة والدماء العربية لا من أجل الإسلام والمسلمين!!.
إن هذا الموقف الذي تتخذه حكومتنا أولاً قد وضعها بين المطرقة والسندان؛ مطرقة الثورة الداخلية (ولا أدلَّ على هذا من المظاهرات التي تجتاح الجامعات والنقابات بل والشوارع والميادين) وسندان التذمُّر والضجر الخارجي (ولا أدل على هذا من المظاهرات وتوجُّهها إلى مقارِّ السفارات المصرية في بيروت ودمشق وغيرها بل ومحاولة اقتحام السفارة ذاتها)، والأعجب من ذلك أن تغض الحكومة المصرية الطرف عن هذا وذاك، ولا أدري إلى أي الأشياء تستند هذه الحكومة؛ فهي قد فقدت الدعم الداخلي والتأييد الخارجي، بل أصبحت تقف في قفص الاتهام ولا حجة لها.
بأي عذر نلقَى الله تعالى ونقول له؟! وبأية حجة ندافع عن أنفسنا؟! لا يجول في خاطري إلا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس قال: "لا يقفنَّ أحدكم موقفًا يقتل فيه رجل ظلمًا؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه، ولا يقفنَّ أحدكم موقفًا يُضرب فيه رجل ظلمًا؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه" (رواه الطبراني).
لقد تضاءلتُ كثيرًا أمام هذه الأم حينما رفعت يديها إلى الله تعالى تستصرخه وتستنجد به وتشكو إليه حالها ودمار بيتها ولا معين ولا صريخ لها إلا الله تعالى.
صراحةً.. لقد تضاءلتُ حتى صرتُ كالذباب.. آهات يشيب لها الولدان، ودموع تُدمي القلب قبل العين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لقد نطقت بالحق أفواه الأعداء، وهذا ما جاء على لسان روبرت فيسك الكاتب البريطاني في جريدة (الإندبندنت)؛ حيث تساءل الكاتب- بعد الإشارة إلى أن معظم القتلى الفلسطينيين كانوا من حماس- عما يُفترض أن يحققه هذا العدد!! هل ستقول حماس: "إن هذه الحرب الخاطفة رهيبة ومن الأفضل أن نعترف بدولة الكيان وننخرط في صف السلطة الفلسطينية ونضع أسلحتنا وندعو إلى أن يأخذونا سجناء للأبد ونؤيد عملية سلام أمريكية جديدة في الشرق الأوسط؟! هل هذا ما تعتقد حماس أن الصهاينة والأمريكيين وجوردون براون سيفعلونه؟!".
وحاول الكاتب التذكير بفلسفة حماس في السخرية من الدنيا؛ سخرية كل الجماعات الإسلامية المسلَّحة، كما وصفها، "وأن الحاجة إلى شهداء مسلمين حاسم لهم كحاجة إسرائيل إلى جعلهم كذلك"؛ أقول إن الحروب لا تقتل شعوبًا، والغارات لا تدمِّر أممًا.
إن قرَّاء التاريخ يذكرون أن هتلر كان يُغير بطائراته على لندن بكرةً وعشيةً، ورغم ذلك لم يُزِلْها من الوجود، وصارت بعد الحرب من أكبر عواصم الدنيا.. هذه كلها عبثية لا معنى لها إلا أنها دعاية انتخابية للمرحلة الصهيونية المستقبلة أو محاولة لحفظ كرسي عباس الذي سيزول في التاسع من يناير القادم.
نهايةً.. أقول للنظام المصري: اتخذ موقفًا يرفع عنا الحرج أمام إخواننا في فلسطين بل أمام العالم أجمع والبشرية كلها.
ونذكّر لإخواننا في غزة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق؛ لا يضرهم من خذلهم حتى يأتيَ أمر الله وهم على ذلك"، قيل: أين يا رسول الله؟، قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس"، صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأقول لدعاة التطبيع والتركيع ومن يدَّعون أن حماس هي من دقَّ ناقوس الحرب وألغى الهدنة وجرَّ على شعبه ويلات الحرب: ألا تريدون مقاومة؟! هل الركوع في أذهانكم هو الحل الوحيد؟! إن المقاومة عمل مشروع قانونًا وعرفًا واتفقت عليها البشرية كلها من قاصيها إلى دانيها، لماذا هذا الذلّ والهوان؟! هل يظنون أنهم حينما يهادنون اليهود سيتركهم اليهود يعيشون آمنين مطمئنين؟!
أسألهم سؤالاً: لماذا اجتاح اليهود الجنوب اللبناني في العقد الماضي؟! إن الحرب في اليهودية هي جزءٌ من العقيدة، ولا أجد سؤالاً إلا سؤال فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله تعالى: هم بنو إسرائيل، فبنو من نحن؟!
ألا هل بلغت؟! اللهم فاشهد.