"ويح هذه الأمة"!!.. كلمات يوجهها إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه بيننا؛ يرى ما نرى، ويسمع ما نسمع؛ فيسجِّل لنا هذه الكلمات فتصلنا عبر الأزمان والقرون؛ تصل بالفعل إلى مسامعنا، وتعيها قلوبنا، ونعلم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحدث في حاضرنا؛ يصف الحالة التي وصلناها، ففيما يُروَى عنه صلوات الله وسلامة عليه: "ويح هذه الأمة!! ماذا يلقى فيها من أطاع الله؟! كيف يكذبونه ويضربونه من أجل أنه أطاع الله"، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله.. الناس يومئذ على الإسلام؟، قال: "نعم يا عمر"، قال عمر: يا رسول الله.. ولِمَ يبغضون من أمرهم بطاعة الله؟!، قال صلى الله عليه وسلم: "ترك القوم الطريق، وركبوا الدواب، وتزيَّن الرجل منهم بزينة المرأة لزوجها، وتبرَّج النساء، زيُّهم زي الملوك الجبابرة، يسمنون كالنساء، فإذا تكلَّم أولياء الله وأمروهم بطاعة الله قيل له: أنت قرين الشيطان ورأس الضلالة؛ تكذب بالكتب، تُحرِّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، تأوَّلوا كتاب الله على غير تأويله، واستذلوا أولياء الله".

 

أليس هذا بعض ما يحدث في غزة؟! ولكنهم أبدًا لن يذلُّوا ما داموا متمسِّكين بطريق الله المستقيم.

 

بعض المحن.. نعم، بعض الابتلاءات.. نعم، ولكن نصر الله مع الصبر لا بد وأن يأتيَ؛ فهذه السنن الإلهية لا تتبدَّل ولا تتغيَّر ولن نرجع القهقرى أبدًا ما دام الله قد أكرمنا بمسئولين في غزة الأبيَّة القوية يقدرون الله، يتكلمون بما تكلم به الله، فنجد الآيات القرآنية على ألسنتهم كالسلسبيل العذب؛ فالحمد لله الذي أطال في أعمارنا فاستمعنا إلى رئيس وزراء يبدأ حديثه بآيات قرآنية، وقد اتخذها له منهجًا.

 

الحمد لله الذي جعلنا نرى رئيس وزراء خطيب خطبة الجمعة؛ فتصل إلى قلوبنا، ثم يصلي بالناس إمامًا وهو يتلو الآيات بخشوع وتدبُّر فيصل بأرواحنا إلى المعاني.

 

الحمد لله الذي جعلنا نرى به راية التوحيد ترتفع خفاقةً، ونسمع من يحملها يصرُّ باستماتة على طريق الحق، ويختار طريق الأنبياء والرسل وسنة محمد صلى الله عليه وسلم منهجًا.

 

طبت يا هنية، وطاب ممشاك وجهادك.. طبت وطاب معاونوك.. طبت وطاب لسانك ما دام ذاكرًا لله.. طبت وطابت جوارحك ما دامت عاملةً لله، وجعل لك من حظِّ اسمك نصيبًا.

 

واستمعت إلى مسئولي حركة حماس المباركة وهم يستشهدون بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعال الصحابة ويجعلونها قدوةً عمليةً تطبيقيةً؛ يسيرون على هداها.

 

كم اشتقنا إليهم! وكم دعونا الله أن يعجِّل بقدومهم!، وها نحن نراهم رأي العين، فيكونون لنا نبراسًا نهتدي به وقدوةً نفخر باتباعها.

 

نعم.. لم يَأْتِ ذلك من فراغ.. جاء بالتضحيات الجسام، وما زال طابور الشهداء واقفًا في صفوف متنافسة متسابقة حبًّا في لقاء الله؛ قدَّموا له الأرواح وينتظرون الجزاء، ولكن برحمة الله سينقلب ما بقي من هذا الصف المتراصِّ منتصرين مبتهجين آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، وشعب غزة كفاه فخرًا هذا الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدَّث عن أمته من بعده.

 

ليت شعري كيف هم حين يصيرون صفَّين: صفًّا ناصبًا نحره في سبيل الله، وصفًّا يعمل لغير الله، وإني أحسب أن أهل غزة ناصبو نحورهم في سبيل الله؛ فهنيئًا لكم، وصبر جميل والله المستعان، وليس سواه، والغد لا بد آتٍ يا من جعلكم الله سببًا في تجديد الأمل لدى أمة الإسلام، وجعلكم سببًا في توضيح الأمور المبهمة وكشف الحقائق، وكأني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا وقد تحقَّق ما قاله عن زماننا: "ليأتينَّ على الناس زمان يؤمنون بالله ولا يشركون شيئًا ويصومون رمضان ويصلون الخمس وقد سلبوا دينهم لأنهم رأوا الحق فتركوه".

 

فكم هم من سُلب دينهم وهم لا يشعرون ولا يهتمون، وقد تصوروا أن الدين صلاة وصوم فقط!!؛ فكل من لم يهتم بأمر غزة وترك هذا الحق الواضح الجليَّ وصفه صلى الله عليه وسلم أن صمته وموت قلبه قد سَلَبا دينه!.

 

إن غزة- قيادةً وشعبًا- نموذجٌ يُحتذَى به، وستذكره الأجيال وتتعلم منه كما تتعلم منه الآن، وعلينا نحن أن نتبع ما اتبعوه من كتاب وسنة ونكون مثلهم حافظين لكتاب الله مستشهدين به مطبِّقين في كل أمورنا، رضي من رضي، وأبى من أبى.

 

إن الهجمة الصهيونية الحاليَّة لهي أكبرُ دليلٍ على عجزها، فاستخدمت البهيمية في تصرفاتها تصورًا منها أنها يمكن أن تُطفئ نور الله سبحانه، وهيهات ثم هيهات!؛ فنحن نحارب بالله وهم يحاربون بالشيطان، ومعلوم أن كيدَ الشيطان ضعيف مهما حاول ومهما تآمر وراوغ، فيكفي أن نهايته الفشل والخسارة بجهنم؛ وعده الله بها هو ومن اتبعوه.

 

آن الأوان للنفير في سبيل الله؛ في أنفسنا وفي بيوتنا وفي أحيائنا وفي مجتمعاتنا؛ لنرفض ما رفضه الله، ولنترك ما تركه رسوله؛ حبًّا في الله.. لنحب من أحب الله ونكره من كره الله أفعاله.. لننصر من نصر الله ونخذل من نصر الشيطان.. لنتَّحد بقلوبنا من أجل نصرة الله ونصرة جنوده.. لنبرأ ممن ولاؤه لغير الله، ونعاهد من ولاؤه لله، لننكبَّ على كتاب الله ننهل منه حفظًا وتلاوةً وتجويدًا وفهمًا، وليكن منهاج الله واضحًا في حياتنا، لنتعاون حتى يحفظ أولادنا هذا المنهج العظيم، وليكن أَولى الأوالي فَهْم الآيات والتحرك بها في مجتمعاتنا.

 

لتكن الأولوية الأولى فَهْم حركة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمنهاج الرباني والحرص اليومي على دراسة الأحاديث من كتب الصحاح، وخاصةً الأحاديث التي توضِّح لنا الطريق في زمننا هذا؛ لنجتمع أُسَرًا وعائلاتٍ وجيرانًا على مائدة القرآن؛ فهذا هو الحل، وهذا هو الرجاء، وَلْنَهِبْ أنفسنا وأموالنا وأولادنا وأوقاتنا وصحَّتنا وما تبقَّى لنا من عمر في سبيل الله، ولنقف معًا بين يدي الله عند صلاة الفجر المشهودة ونجعل كل شيء لرب كل شيء، ونعوذ بالله أن نرجع على أعقابنا؛ فيروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا على حوض؛ أنتظر من يَرِدُ عليَّ، فيؤخذ بناس من دوني فأقول: أمتي، فيقول لا تدري مشوا على القهقرى" يا رب سلِّمْ.. يا رب سلِّمْ.