إن الدعاة يستمع إلى خطابهم شرائح عدة من المجتمع إن لم تكن كافة الشرائح؛ ولذلك فإن لهم الدور الأكبر والأساسي في تعبئة عقول الأمة وأرواحها وأبدانها وإيقاظ الوعي وتصحيح المفاهيم لديها عن قضية فلسطين وعن مذبحة غزة، وعن طبيعة الصراع بيننا بين الصهاينة عن طريق:

 

1- التعريف بالقضية، وجذورها التاريخية: وبيان حقيقة الصراع مع اليهود وبُعده الديني، وأن جهاد المجاهدين يأتي من منطلق رد العدوان واسترداد الحقوق، وأن القضية ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، ولكنها قضية المسلمين جميعًا، والرد على الزعم بأن الفلسطينيين قد باعوا أراضيَهم لليهود، ومن ثَمَّ لا يستحقون النصرة، والتعريف بجهاد الشعب الفلسطيني بمختلف فصائله، وإبراز نماذج المجاهدين ودور التيار الإسلامي في هذا الكفاح.

 

2- كشف خداع المصطلحات والأسماء: وتكريس المعاني الصحيحة لها في أذهان الناس وعلى ألسنتهم؛ فالجهاد ومقاومة المحتل ليس إرهابًا، والعمليات الاستشهادية ليست انتحارًا... إلخ، وتأكيد أن ما يحدث للأمة عمومًا ولأهل غزة خصوصًا هو بسبب تخلي المسلمين والعرب عن الأخلاق والقيم والشرائع فيما بينهم، وبيان أهمية جهاد النفس، وتنمية الإيجابية، وتأكيد شمول معنى الجهاد للجهاد المسلح، والجهاد بالمال وبالكلمة والمقاطعة الاقتصادية، والتضامن المعنوي، وأن لكل فرد من الأمة دوره في هذا المضمار، وليس لأحد حُجَّة في التخلف والتخاذل والتراخي.

 

3- مواجهة الإحباط واليأس الذي قد يتسرَّب إلى قلوب الجماهير: وبث الأمل في النفوس، وتأكيد الثقة بالله سبحانه وتعالى، وإعادة الثقة بالنفس فرديًّا وجماعيًّا، وبقدرتها على المواجهة الإيجابية، وإشاعة روح الجهاد في الأمة، وتأكيد أهمية التربية للفرد وللمجتمع، وتأكيد أن هناك حسابات ومعايير أخرى للنصر، إضافةً إلى الحسابات والمعايير المادية الظاهرية.

 

4- التركيز على إبراز قدواتٍ ومُثُلٍ عليا من المجتمع الفلسطيني: وترويجها في مجتمعاتنا، مثل نموذج الشباب الاستشهادي، والمرأة الاستشهادية، والأم التي تدفع أبناءها إلى الاستشهاد وتُقيم الأفراح عندما يأتيها خبر استشهاد أحدهم، والطفلِ الأعزلِ الذي يتصدَّى للدبابة بثبات؛ لتوعية الجماهير ونشر ثقافة المقاومة والجهاد بين الأمة بكافة طوائفها، وإحياء الأمل في النفوس، بإبراز البطولات والتضحيات، ونشر قصص الجهاد والاستشهاد من التاريخ البعيد والقريب، ومن واقع الجهاد في فلسطين وغزة، وترديد عبارات الشهداء ووصاياهم في الأحفال والمناسبات المختلفة.

 

5- الدعوة إلى تحويل المشاعر والعواطف تجاه ما يحدث في فلسطين وغزة هاشم إلى أفعال إيجابية ومؤثرة: تتمثَّل في تقديم الدعم المادي للفلسطينيين، وقيام الليل مع القنوت والدعاء لأهل غزة وللمجاهدين، وبذلك تظل القضيةُ حيةًً في نفوس شباب الأمة؛ يتلقَّاها الجيل عن الجيل بعزمٍ أكبر وإصرارٍ أشد على مواصلة مسيرة الجهاد، حتى يفتح الله بيننا وبين عدونا بالحق، وهو خير الفاتحين.

 

سلاح الدعاء: من صور الجهاد باللسان الذي يقوم به الدعاة ويدعون إليه الأمة: القنوت والدعاءُ على الأعداء، ذلك السلاح الفتاك الذي لا يحسن استخدامَه إلا المؤمنون الصادقون، الذين يتحرَّوْن جوف الليل الآخر ليقوموا بين يدي الله ضارعين مستغفرين، طالبين من الله النصر والتأييد؛ لأنهم يعلمون أنه وحده مالك الملك ومدبر الأمر ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (آل عمران: من الآية 126).

 

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الجيش في بدر يُلِحُّ على الله في الدعاء ويرفع يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وهو يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني"، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة: "اللهم إني أَنْشُدُك عهدَك ووعدَك.. اللهم إن شئتَ لم تُعْبَدْ بعد اليوم" فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، فقال: حسبك يا رسول الله؛ فقد ألححتَ على ربك. وهو في الدِّرْع، فخرج وهو يقول ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46)﴾ (القمر).

 

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم منزِّلَ الكتاب ومُجريَ السحاب وهازمَ الأحزاب.. اهزمهم وانصرنا عليهم.. اللهم اهزمهم وزلزلهم".

 

قال الإمام السهيلي: "سبب شدة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ونَصَبه في الدعاء؛ لأنه رأى الملائكةَ تنصَب في القتال، والأنصارَ يخوضون غمار الموت، والجهادُ تارةً يكون بالسلاح وتارةً بالدعاء، ومن السنة أن يكون الإمام وراءَ الجيش؛ لأنه لا يقاتل معهم، فلم يكن ليريح نفسه، فتشاغل بأحد الأمرين، وهو الدعاء".

 

قلت: بل الدعاءُ أهمُّ الأمرين؛ ولذلك تشاغل به أعظمُ المجاهدين صلى الله عليه وسلم؛ فإن النصر لا يكون بقوة الجيش وكثرة العدد وحسن التدرب واحتراف القتال فحسب، بل لا معنى لكل ذلك إذا لم يكن معه توفيقٌ من الله، وقد قال تبارك وتعالى ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 126)، ولم يزل المؤمنون يلتمسون الخير والنصر في لقائهم لعدوهم بدعاء الصالحين، وقد مرَّ قتيبة بن مسلم فاتح بلاد الهند بمحمد بن واسع وهو منفرد عن الجند يصلي ويدعو الله ويرفع إصبعه علامة التوحيد فقال: "هذه الإصبع الفاردة أحبُّ إليَّ من مائة ألف".

 

وكلما نسي المسلمون هذا المعنى، وأهملوا هذه القيمة الكبرى لأثر الدعاء وقيمته واغتروا بما أعدوا من قوةٍ ابتلاهم الله بالهزيمة، وأخذَهم بالشدة ليعودوا إليه ويعتمدوا عليه.

 

فإلى القنوت والدعاء الصادق في أعقاب الصلوات، وفي الأسحار أيها المسلمون وأيها الدعاة، حتى ينزل الله نصره على عباده المجاهدين.

 

لا عذر لأحد في التأخر والنكوص:

الحقيقة أن الأمة بكل طوائفها لا عذرَ لأي فرد منها في القعود عن الجهاد بماله وبلسانه، ويكون الفرضُ أتَمَّ والواجبُ أكبرَ على النخب التي تتولَّى توجيه الرأي العام في الأمة، وهم الدعاة والإعلاميون والمُعلِّمون والمُثقَّفون وأمثالهم، عن طريق المشاركة في حملات التبرع بالدم والمال والغذاء والدم وإقامة معارض ومحاضرات في المساجد ودُور المناسبات والجمعيات والمنتديات للتعريف بالقضية وما ينبغي عمله والأدوار المتاحة.

 

وليس لأحد أن يبرِّر قعوده بالضغوط التي تمارَس عليه من قِبل إدارته أو من قِبل أية أجهزة تحاول منعه من القيام بواجبه في تبصير الأمة ونصرة المجاهدين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

---------

* أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة الأزهر.