انتهى الكيان الصهيوني من ضرب كل ما كانت تحلم به من أهداف ولم يبقَ مكانٌ في غزة لم تحرقه النار إلا عقيدة هؤلاء القوم وعزيمتهم.. تلك العقيدة التي لم تزدْها النار إلا صلابةً وقوةً ولم يزدها العدوان إلا ثباتًا وعزة ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)﴾ (آل عمران) فاستحقوا وعد الله الذي أعده للصابرين الثابتين لقوله سبحانه ﴿فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)﴾ (آل عمران).
لقد ظنت الدولة اللقيطة والأمة الملعونة أنها بهدم البيوت تهدم العقائد وتكسر القلوب؛ فهذا في المنظور اليهودي أغلى ما يمكن الحرص عليه ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: من الآية 96)، لكنهم لم يعلموا ولم يدركوا أنهم أمام شعب عرَكته المصائب، وصنعته المحن، وصقلته التجارب، وغزته عقيدة الإيمان.. إنه شعب يدرك أنه خُلِقَ لرسالة, ووُجِد لغاية، وهيهات للكفر أن يُثني عزيمته أو يقهر إرادته مهما ملك من حديد الأرض والنيران.
إننا اليوم نتساءل في اليوم السابع من بداية المحرقة ماذا حقَّق الكيان الصهيوني؟ وماذا يمكن أن يحقِّق؟ وهب أن السبعة أيام صارت سبعة وثلاثين وأن الأربعمائة قتيل صاروا أربعة آلاف ماذا يضير حماس؟ قتل هذه الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ وهم الذين يعلمون أن قتلاهم في الجنة، ويؤمنون بقول ربهم سبحانه ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، ويردِّدون في ليلهم ونهارهم "والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".
وأما البيوت فإنها لو لم تهدم بالطائرات لهدمت بالجرافات فليس هناك في أمر البيوت من جديد، وإذا كان الموت شهادة- وأعظم بها أمنية!!- فقد تكفَّل المولى تبارك وتعالى لهم بالجنة؛ فإن بقيت الآثار من تدمير البيوت والمقار تتكفَّل بها عزيمة الطيبين المقيّدين من المخلصين الصادقين الذين لا يجدون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً ليصلوا بأيديهم وسلاحهم لمشاركة إخوانهم.
ويبقى السؤال قائمًا ماذا يملك الكيان الصهيوني بعد ذلك، وإذا كان ما حدث هو آخر ما تملكه الآلة الصهيونية من قتلٍ للأبرياء وهدمٍ للبيوت بما لم تعرف البشرية له مثيلاً وقد آل إلى خواء وهواء أمام إصرار المقاومة وصمود العقيدة واستعصاء المؤمنين الصادقين؛ فماذا بقي لدى الكيان؟ إلا أن يشهد العالم كله على فشلها في القضاء على حماس وعلى إسقاط غزة وعلى النيل من عزيمة الشعوب المؤمنة الواثقة بالله، أليس هذا العجز والفشل هو الهزيمة بعينها التي لاقت "إسرائيل" أختها قبل عامين على يد حزب الله في لبنان؟، وإذا كانت الهزيمة هنا تمثل العجز اليهودي والفشل العسكري فإن النصر يتمثل واضحًا جليًّا في الصمود الإسلامي وفي بقاء جند الله من المؤمنين الصادقين دون أن تمس قوتهم أو تهتز عقيدتهم أو أن يشاركوا حتى الآن بقوتهم بل ودون أن يدرك العدو الصهيوني مكانًا لواحد منهم، بل زاد برهانًا على عجزه في فشله أن يحرر أسيرًا واحدًا من أبنائه تملك حماس زمامه وتحكم عليه قبضتها وإذا أضفنا إلى ذلك أن صواريخ "القسام" و"غراد" تهبط كالموت الزؤام على قوم يكرهون الموت ويعشقون الحياة فتصيب قلوبهم بالهلع ونفوسهم بالرعب وأعصابهم بالانهيار؛ مما يعني في المنظور العسكري تحقيق توازن الرعب عندما يقع أكثر من مليون صهيوني تحت نيران صواريخ القسام.
وإذا كان الصهاينة لا يملكون في حربهم تلك إلا أن يختفوا وراء السحاب ويلقوا بقنابلهم وهم في بروجهم المشيدة وطائراتهم الأمريكية دون أن يجرؤ واحد منهم على المواجهة الحقيقية مع رجال المقاومة؛ فإن هذا وحده أعظم شاهد على ما يسكن قلوبهم من جبن ورعب وصغار لا يعادل هذا الجبن والرعب إلا ما يسكن قلوب الحكام الذين سرقوا مقدَّرات شعوبهم باسم التسليح وجلب الطائرات وبناء المطارات وشراء الدبابات ليأكلها الصدأ في مخازنها ويوجهوا طاقات شباب هذه الأمة إلى مشاريع وهمية عبثية من إصلاح الطرق والأمن الغذائي وفي غالب الأحيان لتأديب من تحدثه نفسه بمواجهة الكيان الصهيوني.
إن ما حدث ويحدث في غزة اليوم هو ملحمة انتصار رائع يفوق كل ما حققته الأمة في تاريخها القديم والحديث من انتصارات لأنه ليس انتصار شعب أو فصيل مقاوم، وإنما هو انتصار للمشروع الإسلامي الذي يستمد قوته وعنفوانه وصلابته من رصيد العقيدة ورصيد الفطرة ورصيد المزخور الشعبي الإيماني المتجذِّر في قلوب ووجدان ومشاعر هذه الأمة من المحيط إلى المحيط في مواجهة المشروع الصليبي اليهودي؛ الذي جفَّت جذوره وتقلَّمت أظفاره وانفضحت مخططاته، ولم يعد له اليوم من بقاء بعد أن عادت الأمة إلى رشدها فما رأيناه من هذا التعاطي الرائع مع قضية الإسلام على مساحة الأرض كلها.. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 227).