إن مَن يسمع المواطن الفلسطيني الذي يقف على أنقاض بيته وأشلاء أبنائه ممسكًا بصفحاتٍ من كتاب الله ممزقة، وهو يصرخ من قلبه: "حسبي الله ونعم الوكيل في كل حاكم عربي.. في كل مواطن عربي مسلم رأى ما يحدث لنا وتخاذل عن نصرتنا ولم يدفع العدوان عنا".
كلمات يقشعر لها البدن، وتذرف العيون دمعًا خشيةَ أن تنالنا نقمة احتسابه، ولكنَّ عزاءنا أنه يدعو ربًّا عادلاً يعلم ما في القلوب.. يعلم قلوبًا تمتلئ حسرةً وحزنًا على ما يحدث لإخواننا في غزة، وتُريد أن تُضحيَ بالغالي والرخيص من أجلِ نُصرتهم، وبدأت العمل بالمشاركة في كل الفعاليات التي تتم لنصرةِ هؤلاء المستضعفين في غزة.
وكذلك امتدَّت أيديهم بأموالهم وألسنتهم باستنجادِ مَن حولهم بنجدةِ إخوانهم، وكذلك جأرت أفواههم بالدعاء لله عز وجل بأن ينصر هؤلاء المستضعفين، وأن يرد عنهم كيد الكائدين.
عذرنا أنهم يحتسبون ربًّا يعلم حال المتآمرين على أهل غزة من أبناء جلدتهم، والذين يمدون أيديَهم لأعدائهم بالسلام والابتسامات والقبلات ويبسطوا أيديَهم لأهل غزة بالمكر والخديعة والخيانة والخذلان ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)﴾ (النساء).
إننا نعتذر إليكم يا أهل غزة من تخاذل الأنظمة ومكر الماكرين الموالين للأمريكان واليهود، الذين تتفق كلماتهم وتصريحاتهم وتعليقاتهم مع كلماتِ وتصريحاتِ وتعليقات ليفني وبارك وبيريز وبوش وكونداليزا رايس حرفًا بحرف.
نشكركم يا أهل غزة ونشكر أطفالكم الذين أيقظوا فينا الإيمان، فجعلتمونا نحن وإخواننا وأزواجنا وأبناءنا أكثر قربًا من الله ولجوءًا إليه؛ لأننا أصبحنا أكثر ثقةً بأنه لا نصرَ إلا من عند الله ثم بدعم أولياء الله ورسوله والمؤمنين ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7).
شكرًا لكم يا أهل غزة؛ فبتضحياتكم وبدمائكم ودماء شيوخكم وشبابكم ونسائكم وأطفالكم.. أيقظتم الغافلين من شباب الأمة من غفلتهم وأفاقوا من غفوتهم؛ فبعد أن كانت كل اهتماماتهم سفاسف الأمور وأتفهها أصبحت اهتماماتهم أعظم الأمور، وهي هموم الأمة ونصرة إخوانهم في غزة.
شكرًا لكم أهل غزة؛ فقد ساعدتمونا على تربية أبنائنا وأطفالنا.. كيف نجعل منهم رجالاً وأمهات فضليات؛ لأنهم قد تعلموا من نسائكم وأطفالكم.
شكرًا لكم أهل غزة؛ فقد كشفتم الغطاء عن المتآمرين على الأمة من أبناء جلدتنا من الحكام والكُتَّاب، ففضحتم عمالتهم وكشفتم زيف منطقهم وبطلان حجتهم.. فعلتم ذلك لا بخُطَب حماسية ولكن بدمائكم وأموالكم.
شكرًا لكم يا أهل غزة؛ فقد كشفتم زيف هذه المنظمات التي تُسمَّى بالمنظمات الدولية كمجلس الأمن وغيره، ورأينا كيف أنه يكيل بمكيالين، ويساوي بين الجلاَّد والضحية، وأن بين هذه المنظمات والعدل بونًا كبيرًا، وأنها أصبحت دميةً في يد الصهاينة والأمريكان؛ يملون عليها ما تقول وما تفعل، فأصبحنا نوقن أن هذه المنظمات لا أملَ فيها لنيل حقوقنا، وأننا إن لم نحترم أنفسنا فلن يحترمنا غيرنا، وأنه من يهن يسهل الهوان عليه.
شكرًا لكم يا أهل غزة؛ فقد قدَّمتم لنا بالدليل والبرهان صدق قول ربنا عن اليهود الملاعين أنهم جبناء؛ ليس في قلوبهم رحمة.. تجرَّدوا عن كل المشاعر الإنسانية؛ تمتلئ قلوبهم حقدًا وغلاً للمؤمنين من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14)﴾ (الحشر)، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)﴾ (البقرة)، فرأيناهم جبناءَ بحرصهم على الحياة، ورأيناكم الشجعان بتمنِّيكم للموت في سبيل الله.
ازداد يقيننا في قول الله عز وجل ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاً وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)﴾ (التوبة).
شكرًا لكم أهل غزة؛ فقد فضحتم حقيقةَ ما يُريده أعداؤنا منا: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)﴾ (الممتحنة).
فقد بسطوا أيديَهم لا بالسلام ولكن بالقذائف من البوارج البحرية والطائرات (إف 16) على الأطفال والمنازل والمساجد والمؤسسات التعليمية.
شكرًا لكم أهل غزة؛ فأنتم رمز عزتنا وكرامتنا، وأنتم البقية الباقية التي تُعطينا الأمل في التعبير والنهضة.. أنتم تاج رءوسنا.
يا أهل غزة.. اصمدوا، وإن كنتم تألمون فإن أعداءكم يألمون كما تألمون، ولكنكم ترجون من الله ما لا يرجون، "لستم سواء؛ قتلاكم في الجنة، وقتلاهم في النار".
شكرًا لكم يا أهل غزة؛ فقد علَّمتمونا أن ثمن العزة أرخص بكثيرٍ من ثمن المذلة؛ فإن كان حتى يوم الخميس ارتقى منكم أكثر من 400 شهيد- أيقظ الله بهم الأمة- فإننا في مصر نُقدِّم ثمنًا للمذلة ثمنًا أبهظ بكثير؛ ففي حادثة فساد واحدة استُشهد منا ألف نفس في حادثة العبَّارة (السلام 98) في البحر الأحمر، وكذلك المئات في حادثة قطار الصعيد، وإلى الآن قُيِّدت الجريمة ضد مجهول، فضلاً يا أسيادنا عن ملايين المصريين المصابين بالسرطانات وأمراض الكبد وغيرها؛ نتيجةَ الفساد في الغذاء والشراب، ويتستر المسئولون على المتسبِّبين، كيوسف عبد الرحمن وشريكته وتهريبهما بمساعدة الفاسدين بعد إدانتهما بتسميم الطعام للمصريين، والحكم عليهما بعشر سنوات، ومَن يرد أن يعرف الحقيقة فليرجع إلى حيثيات الحكم.
يا أهل غزة.. إن كانت مستشفياتكم تمتلئ بالجرحى والشهداء في حرب الكرامة والعزة، فإن مستشفياتنا تمتلئ عن آخرها بضحايا الفساد من مرضى الأورام وأمراض الكبد، ومن أراد دليلاً فليذهب إلى معاهد الأورام والكبد ليرى بأم عينيه هذه الحرب المستهدفة التي أُشهر سيفها على صحة المواطن المصري.
يا علماء الأمة.. يا مَن تصعدون منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لو أن رسول الله حيًّا وسيخطب الجمعة فماذا كان يقول لهم اليوم؟!.. إن الله سائلكم عن أمانةِ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم أهلٌ لها، فعلِّموا الناس حقيقةَ القضية وقدسيةَ أرض فلسطين ومسئوليتهم الشرعية عنها وعن حقِّ الإخوةِ والنصرة للمسلمين.
وأخيرًا.. يا أهل غزة صبرًا؛ فإن بعد العسر يسرًا.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران) صدق الله العظيم.