املأ عينيك بالألم.. لا تحوِّل عينيك عن المشاهد.. قتل وجراح.. دمار ودخان.. ظلم صارخ.. عدوان غاشم.. وصمت خائر وجبان.
املأ عينيك لعلك؛ لا تنسى.. هل تنسى؟! أم تذكر؟! هل تذكر التتار؟! ووعود التتار؟! استسلموا تسلموا، لكنه الغدر جاء على طبق الوعد الكاذب.
فقد دمروا بغداد.. أحرقوا سماءها.. سالت أنهارها دماء.. مزَّقت كتب حضارتها لتختلط بالدماء والأشلاء، ثم ماذا؟! انتهوا من بغداد ليدخلوا دمشق بين صفوف الفُرقة والتيه، ثم ماذا؟! ثم جاء الدور على مصر، فأرسلوا كتابا مليئًا بالوعد والوعيد.. إغراء وتهديد.. فهل تستسلمي يا مصر؟!.. كلا؛ فمصر الشعب حرة أبية، ولقد وعت الدرس جيدًا؛ فالاستسلام والتطبيع والاتفاقيات والصداقة ليسوا بضمان، بل هي مجرد (عقار مسكِّن)، بل قل (حقنة مخدرة)؛ حتى يأتيَ عليك الدور أيها الثور.
إيه يا مصر.. إيه يا مصر.. أتذكرين قصة الثور الأبيض؟! أنا لا أذكرها، لكن تعالي معا نتصوَّر أحداثها.
الذئب حادُّ الأسنان، لكنه أمام الجمع جبان، فما الحيلة؟ إنه مبدأ فَرِّقْ تَسُدْ، بالمكر يكسر الطوق فيسهل مضغ الفرائس واحدةً تلو الأخرى.
أطلق الذئب الماكر سهام عينيه حسدًا تجاه جمع الثيران، وحين بدأ يدس السم بين الأحباب لم يكن يتوقع كل هذا النجاح؛ فقد وجد على الباطل أعوانًا من بينهم.. اشتعلت نيران الغيرة تجاه الثور الأبيض، فلماذا هو أبيض؟! تركوه وحيدًا وتخلَّوا عنه، همست عين طمأنينتهم: "الخطر شأنه هو إن كنا نحن في أمان، كما وعدنا الذئب.. ماكر لكنه صديق.. صديق لكنه أقوى منا".
والتُهم الثور الأبيض في غمضة عين.. لم يكن الذئب يحلم بأكثر من ثور واحد، لكن باقي الثيران كانوا عند أكبر من حسن ظنه؛ فكلٌّ منهما يبحث عن مصلحته هو فقط، وهكذا تخليَّا عن الثور الأحمر، وهكذا استفرد بهم الذئب واحدًا تلو الآخر؛ حتى جاء الدور على الثور الأخير.. نظر بحسرة إلى أشلاء زملائه وإلى عظام الثور الأبيض.. ولول ودمعت عيناه وهو يصرخ ألمًا: "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".
***
هذه قصةٌ حدثت وتحدث وستحدث؛ ففصولها مستمرة وصفحاتها قد بدأت منذ زمن، لكن أين أنت منها؟!.. ارفع رأسك وأجبني.. ارفع رأسك واسمعني؛ فأنت لم تكن يومًا ثورًا، بل أنت حفيد صلاح الدين.. اسمعني ولا تترك غزة تُهزم من قِبلك بأيدي أحفاد القردة الباغين.
لديك كثير وكثير:
لا تقل أبدًا: "ما الحيلة؟!".. لا تبسط أبدًا كفيك عاجزًا.. لا تسأل: "ماذا أفعل؟!"؛ فلديك كثير وكثير.
1) لا تغرَّنَّك قوة اليهود أبدًا؛ فهم أبطال من ورق، وقصورهم من طين، وآلتهم من عجين، وهم لا يشبهون التتار إلا في عدوانهم وجبروتهم ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).
2) لا يغرَّنَّك من عاونهم؛ فقد ثبت خلال الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم أن أنظمتهم من ورق، وأن قوتهم بالونات هواء ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)﴾ (آل عمران).
3) املأ عينيك بصور عداوتهم؛ كي يستيقظ في قلبك الحماس إذا رأيت هؤلاء الصامدين الشامخين يستغيثون بالله ويقولون في نفس اللحظة: "بل صامدون يا رب صامدون"، وهذا يرفع سبابته يشهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
املأ عينيك؛ لعل شرارات الغضب الهادر من عينيك تصير سهامًا في صدور الغاصبين.
4) إياك أن تخذل إخوانك في غزة وفلسطين أو تتخلَّى عنهم، واسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يسلمه" (لا يتخلَّى عنه في وقت الشدائد)، "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه بها كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة" (متفق عليه).
واعلم أن فلسطين هي خط دفاع يحجز عنك خطر اليهود؛ إن سقط استدار إليك اليهود لتحقيق أطماعهم.. ألا تذكر أسطورة (من النيل إلى الفرات)؟!
5) اصرخ: حسبنا الله ونعم الوكيل.. ولا تتوهم أبدًا أن الدعاء هو حيلة الضعفاء، بل هو قوة يحتاجها منك إخوانك، فلا تبخل بسهام الليل التي لا تخطئ هدفها أبدًا ولا تضل، ولا تنس أن الله هو القوي العزيز.
6) ماذا تنتظر؟! أخرج من مالك.. ألا تعلم أن الرزاق هو الله؟! ألم تسمعه يقول: "أَنْفِقْ أُنْفِقْ عليك"؟!.. أخرج من مالك.. أخرج الذهب الذي ادَّخرته للزمن (فلوس من تحت البلاطة) النقود التي ادَّخرتها لجهاز ابنتك ذات العشر السنوات!!، ما ادَّخرته للحج في العام القادم أطال الله عمرك وكفاك نفقات حجك.. اقتسم معهم أجرك، بل قوت يومك.. اقتطع اللقمة من فمك وأخرجها لهم؛ فهم إخوانك في الدين وفي الإنسانية وفي الشقاء أيضًا.
قل لي بالله عليك: إن لم يكن اليوم فمتى؟!.. أنفق قبل أن يغلق الباب فتندم.
7) تضامن معهم وعرِّف غيرك بقضيتهم.. أيقظ الغارقين في الأحلام والأوهام؛ فلم يَبْقَ لديكم من الوقت إلا القليل.
8) قاطع بضائع الأعداء واحذرها؛ فهي صواريخ ورصاص في صدور إخوانك.
9) أصلح نفسك.. ادع غيرك.. اعمل واجتهد بإيمان وعلم وجهد، واعلم أن صلاحك وتقدمك نصر، أما فسادك وتخلفك فهما قمة الهزيمة.
10) ازرع بذرة.. اغرس فكرة.. أبناؤك تغذِّيهم وتعلمهم وتنعمهم.. ما أهمية كل ذلك إن لم تزرع داخل صدورهم البذرة؟! ما قيمة كل ذلك إن لم تغرس في عقولهم الفكرة؟!:
- أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم.
- ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10).
- ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
- تقدمك وصلاحك نصر لدينك.
- ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105).
- "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيَهم الساعة وهم على ذلك" (مسلم).
- بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود؛ يقول الشجر والحجر: "يا مسلم.. هذا يهودي ورائي فاقتله".
***
- بالله عليك.. افعل شيئًا، لكن أبدًا لا تيأس.
- افعل شيئًا تقابل به ربك قبل أن يسقط لحم وجهك خجلاً حين يسألك: لماذا خذلت إخوانك؟
غدًا يا غزة (إن شاء الله):
فليملأ عينيك المشهد.. يملأ عينيك
الحزن الأسود فالتشهد وليملأ عينيك
طفل يذبح يا غزة فالنار لديك
هذي تصرخ من هول ربٍّ: حنانيك
هذا تشهد سبابته بالحق عليك
إن أكل الدمع الملتهب صفحة خديك
أو كان الألم المتحسر يملأ جنبيك
لا تدع العجز الخائر يبسط أبدًا كفيك
بالحق أطبق قبضتك جمعًت بيديك
فالغضب الهادر والثورة يطلق شفتيك
\والأمل والعمل المثمر يملأ دربيك
بجهاد صبر وإيمان حرض ولديك
لا يسد خور أو ضعف أو جبن أبدًا أذنيك
عن نصر آت.. آت لا يغمض أبدًا جفنيك
ودعاء صادق هو يرفع دومًا كفيك
فغدًا بعون الله معك وليس عليك
صبرًا يا غزة .. لا تحزني إن الله معنا
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)﴾ (آل عمران).