لم أستطع أن أمنع عن عقلي- مع تنامي أنباء الاجتياح البري الخائن الغادر لغزة- استدعاءً قهريًّا لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه بعد أن سوَّى الصفوفَ يوم بدر فيما أخرجه ابن هشام في سيرته، (تحقيق محمد محيي الدين دار التراث القاهرة 2/267): "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعبَد".
وعلى المسلمين اليوم أن يتذكروا معي أن نصرةَ الإسلام وتثبيت المجاهدين على شريعة النبي صلى الله عليه وسلم هي جميعًا من سابق موعود الله تعالى لأمته.
أرجوكم.. تذكروا معي- فهذا أوان التذكير- ما أخرجه صاحب الفتح في شرحه لحديث ابن عباس الذي روى فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "اللهم إني أُنشدك عهدك ووعدك.. اللهم إن شئت لم تُعبَد"، فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45)﴾ (القمر).
وقد كان من تطبيقه العملي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ وهو يرى تكاثر أهل الشرك والكفر وقلة المسلمين، أن صلَّى ركعتين وأبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته: "اللهم لا تودع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تَتِرني، اللهم أنشدك ما وعدتني"، على ما ورد في كتاب المغازي من فتح الباري على البخاري.
أرجوكم.. تذكروا معي- فهذا حين التذكر- أن غزة من أكناف بيت المقدس، وأن النفرَ الطاهرَ من رجالها المستمسكين بخيار المقاومة من المنطلق الإسلامي هم أهل الرباط، الظاهرون على مَن خالفهم بنصِّ ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لن ينقطعوا عن هذه الأمة، ولن يخلو منهم زمان، وأنه لن يضرهم من خذلهم وتنكَّر لهم ومنع عنهم فضل الله تعالى الذي عنده، وأغلق أمامهم ما الواجبُ يفرض الجودَ به وزيادة.
لعلنا أحوج ما نكون اليوم إلى تذكر أن غزة هذه هي مغرس واحدٍ من أعظم رجالات العلم في تاريخ المسلمين، وهو محمد بن إدريس الشافعي الذي وُلد فيها، وتغذَّى في طفولته بما يخرج من رزقٍ من أرضها، ومنها خرج محمد بن عمرو بن الجراح من تلاميذ مالك بن أنس الذين رووا عنه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فمن أجل هذا التاريخ الماجد، بل من أجل بعضه، علينا أن نحفظ غزة، ونُعين رجالها الأطهار الذين يدافعون عنها، ويحملون عبء التصدي للغازي النجس المحتل.
أرجوكم.. تذكروا معي أن غزة مستقرُّ جد رسول الله صلى الله عليه وسلم هاشم بن عبد مناف؛ حيث مات فيها، وفيها قبره، ومن أجل ذلك تسمى في الأبيات التاريخية والجغرافية بغزة هاشم، فاحفظوا نبيَّكم في حفظ رفات جده.
أرجوكم.. افتحوا صفحات الفتح لتعلموا- وأنتم تعلمون- أن غزة من أقدم ما فتح صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد عمر رضي الله عنه سنة 17هـ، فلا تضيعوا ما وطَّده الرجال العظام، ولا تفجعوا أمتنا في ميراث عمر رضي الله عنه، ونحن نتطَّلع إلى ظهوره من جديد.
أرجوكم.. اذكروا أن الوعي بقيمة غزة من الناحية الإستراتيجية قديم جدًّا منذ عصر النبوة النبيل، وإلا فقولوا لي: لماذا كان الحرص على مؤتة ومن بعدها على بعث أسامة؟! فلا تتنكروا للدرس وتخذلوا النبي صلى الله عليه وسلم.
أرجوكم.. اذكروا أن الفكر الإستراتيجي للدولة الإسلامية منذ فجرها في عهد الخلفاء الراشدين كان يعي خطر غزة، فتوجَّه لفتحها وتم له الفتح قبل عشرين سنة من عمر الخلافة الراشدة؛ لأنها رأت في غزة عمقًا إستراتيجيًّا يحقِّق الأمان لمكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فبلا غزة يتهدد الحرمان.
أرجوكم.. تذكروا أن الحفاظ على غزة في حضن الإسلام حفظٌ لحضارة الإنسان عبر التاريخ، واسترجعوا فكر صلاح الدين الأيوبي الذي رأى أن العالم الإسلامي لن يتم له حفظ حضارته وذاته من غير حفظ غزة والشام في وحدة مع مصر.
أرجوكم أيها الذين أسكرتهم مصالح اللحظة الراهنة.. أفيقوا؛ فإن حفظ مصر كان عن طريق حفظ غزة وما جاورها وما يؤدي إليها وما يتفرع عنها من مسالك وطرق ودروب، ولماذا لا نتذكَّر أن حطين وعين جالون كانت موقعتين حاسمتين حمت الإنسانية كلها بما ترتب عليهما من حماية مصر رمانة الاتزان في حضارة العالم القديم وقوته، وإنهما وغيرهما من المواقع الحاسمة لم تكن على أرض مصر، وإنما كانت بالقرب من غزة.
أرجوكم.. تذكروا أن غزة هي خط الدفاع الأول لحماية أرض الحرمين في مكة والمدينة المنورة من أكبر خطر يتهددهما عبر مسيرة التاريخ كله: خطر صهيون وأولاد صهيون، الخطر القادم من الشمال.
أرجوكم.. تذكَّروا أن خط الدفاع الأول لمصر وتاريخها وإسلامها ومقدراتها هو غزة من أعظم خطر يتهدد مصيرها: خطر صهيون وأحفاد صهيون، الخطر القادم من المشرق.
أرجوكم.. أوقفوا الآن الاتهامات، وأدركوا جيدًا أن غزة الآن هي الفرقان؛ فرقان بين الحضارة والخراب، وأنها فرقان بين الإنسانية والانهيار، وأنها فرقان بين الجنة والنار.
أرجوكم.. كفوا الآن عن المهاترات.. لتكن حماس كما تشاءون، ولتكن كل حركات المقاومة الإسلامية على أرض الله المباركة هناك كما تشاءون، ولكن الحقائق هي الحقائق.
امنعوا سقوطها حمايةً لمُلْكٍ لن يستقر دقيقة واحدة لكم إن هي سقطت في أيدي من تساندون من أبناء صهيون.
امنعوا سقوط غزة باسم كل نظريات الدفاع القومي وباسم كل نظريات الأمن وباسم كل ما قدمته غزة لحضارة الإسلام.
امنعوا سقوط غزة في أيدي الصهيونية حتى يظل القلب يخفق معلنًا حياتكم.
يا أيها العالم.. أوقف الطوفان الذي سيقتلع حضاراتك ويمسخ إنسانيتك إن غلب صهيون.
أرجوكم.. احفظوا أنه لا خيار أمامكم إلا واحد من طريقين: غزة، أو الطوفان.
--------------
* كلية الآداب جامعة المنوفية