الفيتو الأمريكي يدعم استهداف أطفال فلسطين
على المجتمع حل نفسه إذا فشل في حماية هؤلاء الأبرياء
فضح مخططات اليهود إعلاميًّا للحدِّ من الهياج الصهيوني
جنود الصهاينة مُعقَّدون نفسيًّا ومخططهم لن يؤثر في المقاومة
تحقيق- نورا النجار:
نشر البيت الأبيض الأمريكي نعيًا في صدر الصحف العالمية باسم أسرة الرئيس جورج دبليو بوش؛ نعت فيه قطتهم التي قضت بصحبتهم 18 عامًا، وقالت الأسرة الحاكمة في نعيها إنها فارقت بالأسى قطتها العزيزة التي كانت لها مواقف وأحداث مشهودة في تاريخ أسرة بوش..
يأتي هذا في الوقت الذي فقدت فيه الأمتان العربية والإسلامية أكثر من مائتي طفل وطفلة من أبناء غزة الصامدة؛ منهم اثنان وثلاثة بل أربعة وخمسة في كثير من الأحيان من أسرة واحدة، كما كان منهم أشقاء فقدوا قبلها بساعات أو بعدها بدقائق أمهاتهم وآباءهم.
قتل الكيان الصهيوني بصواريخه الفتَّاكة براءة الأطفال، ودمَّر بقاذفاته الغاشمة أحلام الصغار، دون أن يتحرك أحد من الذين ملئوا الدنيا ضجيجًا بحقوق الأطفال، أو هؤلاء الذين ينفقون الملايين على حقوق الحيوان.
![]() |
|
الأطفال الرضع لم يسلموا من العدوان الصهيوني |
هذه الصور التي بثَّتها وسائل الإعلام المختلفة كما كانت رصاصة في قلب الضمير الإنساني الذي دخل في نوم عميق، كشفت أيضًا زيف الادعاءات التي ترددها السيدات الأوليات لرؤساء وملوك وشيوخ وأمراء الدول العربية والإسلامية، فلم تحرِّك فيهن جثث الأطفال وأشلاؤهم مشاعر الأمومة التي تجمَّدت بسبب انبهارات السلطة وحسابات السياسة، كما لم تحرك أشلاء الرُّضَّع بنينًا وبناتٍ، عواطف المسئولين الكبار أصحاب المبادرات والتصريحات.
فما الذي يمكن أن يحرك ضميرَ العالم إذن بعد أطفالٍ لم يجدوا دواءً لعلاجهم أو مُغيثًا لحمايتهم ونصرتهم كما لم يجدوا بالضبط مكانًا لدفنهم؟!
فكم هو مؤلم أن تشاهد من خلال وسائل الإعلام أطفالاً محمولين على الأكف!، كم هو مؤلم أن أطفالاً تناثرت أشلاؤهم على أكوام الحطام الذي خلَّفته غارات الاحتلال الصهيوني من جرَّاء قصف همجي لمنازل وبيوت المدنيين كان أكثره بشاعةً قصف مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"!، كم هو مؤلم أن ترى أطفالاً يتساقطون كالسنابل تحت ضربات "المنجل" الصهيوني!.. إنهم أطفال فلسطين.
فمنذ بدء الحرب الصهيونية الغاشمة على قطاع غزة، وعلى مدار اثني عشر يومًا، ارتقى أكثر من 200 طفل شهداء بعد أن مزَّقت أسلحة العدو أجسادهم، واغتالت طفولتهم، وأصيب مئات آخرين؛ أغلبهم في حالات حرجة، ورغم ذلك لم يحرِّك ضمير الإنسانية ساكنًا كأنه أصيب بمدفعية العدو.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا تبلَّد ذلك الضمير الإنساني؟! وأين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المعنية بشئون المرأة والطفل؟! أم أنها باتت تتبع سياسات معينة تحركها القوى العالمية الكبرى؟! وما الأسباب الخفية وراء استهداف الكيان الصهيوني للأطفال؟ أين القوانين والمواثيق الدولية التي تُجرِّم ذلك؟! وما تفسير ذلك الصمت الرهيب الذي يسود المجتمع الدولي؟! وأين دور علماء الأمة تجاه ما يحدث؟! وما الرسالة الإعلامية التي يريد العدو توجيهها إلى العالم من خلال ذلك العدوان الوحشي؟! وأخيرًا.. ما هو التحليل النفسي لهؤلاء الجنود والقادة الذين يقومون بتنفيذ هذه العمليات؟! وهل يعاني الكيان من عقدة نفسية تُدعى الهولوكوست؛ يحاول بها أن تنتقم لأسلافه من خلال ممارساتهم الإجرامية ضد أهالي غزة أطفالاً كانوا أو نساءً أو شيوخًا؟!
كل هذه التساؤلات يحاول (إخوان أون لاين) الإجابة عليها من خلال التحقيق التالي في لقائه بعددٍ من الخبراء والمتخصصين.
في البداية يتحدث الدكتور أحمد رفعت عميد كلية الحقوق جامعة بني سويف سابقًا عن الشق القانوني في هذا الاستهداف السافر قائلاً: "الكيان الصهيوني باستهدافه أبناء غزة عامة والأطفال والنساء خاصةً، خرق كل المعاهدات الدولية كسلطة احتلال، ومنها اتفاقيات جنيف، والتي ألزمتها بحفظ أرواح المدنيين في الحرب، لا سيما النساء والأطفال، متجاهلةً كل ما نادت به هذه الاتفاقيات، ضاربةً بالقوانين الدولية عرض الحائط، وهذا بدوره يجعل هذا الكيان يستحق بجدارة العقوبات الدولية المنصوص عليها في هذا الشأن ووقَّع عليها الكيان، والتي تُوجب تقديم المسئولين والمشاركين في هذه الحرب إلى المحاكمة الدولية كمجرمي حرب".
الفيتو الأمريكي
مجلس الأمن يرفض وقف العدوان على غزة

وحول أسباب التبجُّح الصهيوني والصمت الدولي قال د. رفعت: "تقديم الكيان الصهيوني لكي أو تقديم قادته إلى محاكمة دولية أمام المحكمة الجنائية الدولية يستدعي صدور قرار من مجلس الأمن، وما دامت أمريكا تسيطر على المجلس بالفيتو- وهي بالطبع داعم رئيسي وحليف أساسي للكيان الصهيوني، وهي أيضًا رفضت حتى الآن إصدار قرار بوقف إطلاق النار من الجانبين إلا بعد وقف حماس إطلاقها الصواريخ على المغتصبات- فإن الكيان يوقن أنه لن يُقدَّم إلى المحاكمة الدولية على الإطلاق في ظل هذه الأوضاع".
وعن الخطوات العملية التي يجب على المجتمع الدولي اتخاذها بعد هذا التصعيد يقول: "لا بد من وقفٍ فوري لإطلاق النار للمِّ جراح أبناء غزة، خاصةً بعد استهداف النساء والأطفال، ثم بعدها تأتي الجهود الدبلوماسية لحل أزمة الفلسطينيين، فلا ينبغي أن ننتظر أكثر من ذلك مع هذه الدماء النازفة والتي تزداد يومًا بعد يوم، وهذا ما توقع حدوثه في اليومين القادمين، إلا أنني أتوقع أيضًا أن قرار مجلس الأمن المنتظر بوقف إطلاق النار سيأتي بعد فوات الأوان، وبعد أن يمكِّن الكيان نفسه من الانتقام بأكبر قدر ممكن من دماء الشهداء".
وفيما يتردَّد من أصواتٍ تنادي بحل مجلس الأمن يتساءل د. رفعت: "كيف يتم حل المجلس ومَن صَنَعَه كبار دول العالم لتحقيق مصالحهم؟!" مضيفًا: "حتى مع عجزه عن اتخاذ القرار لن يتم حله، وسيحال الأمر إلى الجمعية العامة؛ ولذا لا بد لنا أن تنشط منظماتنا الحقوقية لجمع الأدلة والوثائق لإثبات الجرم الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الأعزل؛ حتى نتمكَّن من تقديم هذا الكيان الغاصب إلى المحاكمة كمجرم حرب".
صدمة كبرى
بأي ذنب قُتل أطفال غزة؟!

وعن دور مؤسسات المجتمع المدني في هذا الاستهداف، وخاصةً منظمات المرأة والطفل، يقول الدكتور إبراهيم بيومي غانم رئيس قسم الرأي العام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية: "ما قام به الكيان الصهيوني بصفه عامة هو جريمة كبرى في حق الضمير الإنساني، أما وقد استهدف النساء والأطفال في اليومين الأخيرين، والذين حمتهم كل الأعراف والاتفاقيات الدولية التي وقَّع عليها الكيان الصهيوني أو التي لم يوقِّع عليها؛ لأنه حتى الاتفاقيات الإنسانية العالمية التي لم توقِّع عليها الدول والمتعلقة بالمدنيين وحمايتهم في الحرب، خاصةً النساء والأطفال، يلتزم الجميع بها، وإن لم يوقِّع عليها نصًّا، وبالتالي ظهر عجز وفشل المنظَّمات الحقوقية، خاصةً المعنيَّة بالمرأة والطفل عن إبداء ولو فعالية واحدة لردع الصهاينة عما يقومون به من ممارسات إجرامية، وباتت هذه المنظمة وكأنها تتبع سياسات العالم الأوروبي، وخاصةً أمريكا، بالتعامل مع الكيان الصهيوني على أنه كيان فوق القانون، وكانت هذه صدمة كبرى للرأي العام العالمي بتخاذل هذه المنظمات عن حماية نساء وأطفال غزة، مكتفيةً بالصمت والشجب فقط".
ويؤكد د. بيومي أن صمت هذه المؤسسات واختلاقها التبريرات المخزية بعدم قدرتها على مساعدة نساء وأطفال القطاع بسبب بُعد المكان وخطورته؛ لا ينبغي أن يستمر؛ فهذه المؤسسات تمتلك ما هو أكثر من مجرد الشجب والإدانة، مطالبًا إياها بحشد أعضائها ووفودها إلى غزة، والعمل على تعبئة الرأي العام وحمل المساعدات إلى القطاع وممارسة دورها المنوط بها من الضغط السياسي على الحكومات العالمية لإنهاء هذه المهزلة.
ويضيف: "إذا لم تكن هذه المنظمات تستطيع حماية هؤلاء الأبرياء من أبناء غزة، خاصةً النساء والأطفال، فحَرِيٌّ بها أن تحل نفسها؛ لأن هذا الوضع اختبارٌ لصدقها في الدفاع عن مبادئها، أما وقد فشلت في ذلك فلا جدوى من وجودها من الأساس".
"هولوكوست جديد"
محسن راضي

من ناحيته طالب محسن راضي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة الثقافة والسياحة والإعلام بعدم الاكتفاء بعرض صور الأطفال والنساء من الشهداء والجرحى فقط، بل لا بد من تفعيل الرأي العام تجاه هذه الصور والمجازر بمقالات أو برامج أو كتابات متنوعة تفضح هذا الاستهداف الفج وتُعبِّئ الرأي العام، ولا ينبغي التعامل معها على أنها جزء طبيعي من المشاهد الدموية التي دخلت في أسبوعها الثاني منذ بدئها.
ويضيف راضي: "العدو روَّج لما يسمى بالهولوكوست، وما زال يُلاحق المتهمين فيها إلى الآن، وها هو يقوم بارتكاب هولوكوست أخرى أكثر بشاعة وجرمًا؛ ولذا لا بد من تسليط الضوء الإعلامي على هذه الاستهدافات وفضح مخططات اليهود منها للحد من ذلك الهياج والجنون الصهيوني الذي ترجمه الاحتلال في استهدافه النساء والأطفال خلال الأيام الماضية".
شخصيات مريضة
وحول تحليل الجانب النفسي لقادة الكيان الصهيوني للتوصل إلى تفسير للجوئهم إلى اغتيال الأطفال تقول الدكتورة سهير عبد المنعم أستاذ علم النفس: "إذا ما أردنا تحليلاً نفسيًّا لهؤلاء الصهاينة الذين استهدفوا أطفالنا ونساءنا في غزة مخترقين كل الاتفاقيات الدولية، لوجدنا أنه كيان يعاني أفرادُه من عُقَدٍ نفسيةٍ، ويحمل بين جنباته شخصية مريضة غير سوية أدَّت به إلى ارتكاب هذا الجرم البشع، وهذا طبيعي؛ لأنه حتى وفي العصور الوسطى حينما كانت تُدار الحروب ويشتد القتال بين القبائل، كان النساء والأطفال جزءًا مقدسًا؛ لا يمكن المساس به؛ فهم بذلك تخطَّوا بوحشيتهم وهمجيتهم ما كان يحدث في القرون الوسطى.
وبسؤالها عن مدى التأثير النفسي المتوقَّع على المقاومة والشعب الفلسطيني أجابت: "لن يكون هناك أي تأثير سلبي من هذا المخطط "القذر" في نفوس رجال المقاومة والشعب الفلسطيني؛ فالمقاومة عانت الويلات والتشريد لمدة طويلة وبصورة لا يتحمَّلها بشر، وظلَّت باقيةً إلى يومنا هذا، وستظل باقيةً صامدةً؛ لأن نفوس هؤلاء المقاتلين لا تشبه تكوين نفسية الإنسان العادي؛ فهي تتسم بالصبر والجلد والتحمل الشديد، إضافةً إلى أن الجانب العقدي في قضيتهم يزيد من صلابتهم وصمودهم؛ ولذا أستطيع مع هذه المقومات وبكل تأكيد الجزم بفشل هذا المخطط.
صومعة الصمت
أما من الناحية الشرعية فيقول الدكتور ماهر منصور الأستاذ جامعة الأزهر: "ما حدث وما يحدث الآن من استهدافٍ للمدنيين هو جريمةٌ بشريةٌ وإنسانيةٌ في كل الأديان؛ فاليهودية والمسيحية والإسلام حرَّموا المساس بحياة المدنيين، وخاصةً الأطفال والنساء، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم "ارحموا الضعيفين: النساء والأطفال".
ويرى د. منصور أن الصهاينة يستهدفون النساء والأطفال لسببين: الأول أن النساء هم من يأتون بالأطفال، وهم رجال المقاومة المستقبليون، والثاني أن الأطفال- وهم رجال المستقبل- لا بد وأن يُزرَع فيهم الرعب والخوف لمن عاش منهم، وأن يُقتل الباقون؛ حتى لا تكون هناك نواة مستقبلية لمقاومة شامخة كتلك التي تذيقهم الهزائم المتتالية.
وطالب د. منصور وعلماء الأمة عامة بالخروج من صومعة الصمت وتوعية الأمة بالقضية وملابساتها ونصح الحكام وصناع القرار؛ فهم الجهة الرئيسية في أية خطوة قد تكون سببًا في وقف شلال الدم المتدفق من نسائنا وأطفالنا.
