أنا من أصحاب الرأي القائل بعدم توجيه الانتقادات إلى أيٍّ من الأطراف الفلسطينية، سواءٌ التي تقع تحت الضرب والحصار؛ والمقصود بهم المقاومة وحماس، أو هؤلاء الذين يسكنون القصور ويتنقَّلون بالطائرات، وبالطبع المقصود بهم جناح رام الله.
ولعل ما دفعني إلى مخالفة اقتناعي هو هذه اللغة التي يصرُّ عليها السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته؛ فرغم أعداد الشهداء والمصابين المتزايدة نتيجة القصف المتواصل على قطاع غزة؛ يصرُّ السيد الرئيس على تحميل المقاومة- وفي القلب منها حماس- مسئولية ما حدث، وكانت آخر ابتكاراته هو ما قاله في ختام زيارته للقاهرة بأن "المقاومة ليست هدفنا في حدّ ذاته، وأنها إذا كانت ستؤدي إلى إفناء شبعنا فنحن لا نريدها".
وهي كلمات تحمل العديد من المعاني؛ أبرزها أن الكيان الصهيوني الذي يُلقي يوميًّا بمئات الأطنان من المتفجِّرات والقنابل لا يقصد بها المقاومة، وإنما يقصد بها حماس، وكأن حماس ليس لها دخل بالمقاومة من قريبٍ أو بعيدٍ، وأن العدو الصهيوني بالتأكيد يرحِّب بمقاومة رام الله ذات الأحضان الدافئة والقبلات الحارَّة؛ مقاومة أبو مازن ودحلان..
ثم يعود الرئيس المنتهية ولايته ليؤكد مرةً أخرى ما معناه "أنه حتى إن كانت المقاومة المقصودة بها حماس فإن هذه المقاومة ستؤدي إلى زوال الشعب الفلسطيني، وبالتالي فليس لنا حاجة فيها".
وما فهمته من هذا أن أبو مازن يريد أن يربط وجود حماس بزوال فلسطين، وأن الشعب الفلسطيني "زهق" من المقاومة، وأن العيش تحت الذلّ والاحتلال أقرب لرغبة هذا الشعب، الذي لا بد أن يخرج ليطرد هؤلاء القتلة المنضمِّين لحماس.. هذا ما فهمته من كلام السيد الرئيس، وأعتقد أن كثيرًا غيري فهم هذا المعنى من ثنايا تصريحات السيد أبو مازن، وهو ما يجب التوقف أمامه قليلاً.
فالسيد أبو مازن هو "رئيس على نفسه"، ولا يمثِّل شعبه، وحتى الشرفاء في حركة فتح ضاقوا به ذرعًا، من مهادنته وتواطئه وتخاذله عن نصرة أشقائهم وأبنائهم وعائلاتهم في غزة، فأبو مازن لا يملك شيئًا لا في الضفة ولا في غزة، بل وأصدقاؤه الصهاينة يعتبرونه من لزوم "الشو" الإعلامي، ولا يعتبرونه رئيسًا يُعتَمد عليه في قراراتهم المصيرية؛ مثل التهدئة ووقف إطلاق الصواريخ.
ولعل الجولات التي قام بها أبو مازن في الأمم المتحدة ومجلس الأمن بصحبة أكثر من نصف وزراء الخارجية العرب وفشلهم جميعًا تحت رئاسته في التوصل إلى أي شيء يُذكَر من أجل وقف العدوان الصهيوني، لَيُعِيْدُ إلى الأذهان صورة رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة وهو يناشد العالم وقف العدوان الصهيوني على جنوب لبنان ولكن دون جدوى؛ إلا أن ما يُحمد للسنيورة أن مشاهد القتل والتدمير التي حدثت في بلاده ألهبت مشاعره فلم يتمالك نفسه وأجهش بالبكاء أمام وسائل الإعلام.
ولو كان أبو مازن يملك أية آلية حقيقية على الأرض وله شعبيته التي تقف وراءه لما احتاج إلى مناشدة كلٍّ من حماس والكيان الصهيوني ألا يُضيِّعا فرصة المبادرة المصرية؛ مثله مثل وزراء خارجية أوروبا الذين حجّوا إلى شرم الشيخ؛ لا يعنيهم وقف هذه الحرب، وإنما جاءوا ليسجِّلوا المواقف فقط.
فعباس لم يَقُمْ بمجرد الاتصال بقيادة حماس والمقاومة ليقول لهم نحن معكم ولن نخذلكم، وخلافاتنا طرحناها جانبًا بشكل عملي..
عباس الذي لم يُكلِّف نفسه بتقديم العزاء في الشهيد الدكتور نزار ريان؛ الذي رفض القصور والطائرات والراحة وفضَّل الشهادة من أجل تحرير وطنه..
عباس الذي لم يُحدِّث أيًّا من العائلات الفلسطينية في غزة ليقول لهم أبناؤكم أبناؤنا..
عباس الذي لم يُكلِّف نفسه حتى مجرد التهديد بالذهاب إلى معبر رفح ليستقبل بنفسه الجرحى الفلسطينيين، ولن نقول الذهاب إلى غزة حيث القصف والتدمير والضرب والاستشهاد..
عباس الذي لم يتحرَّك حتى لفتح معبر رفح لإدخال المرضى الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، ولم يُكلِّف نفسه رجاء الإدارة المصرية بأن تفتح المعبر أمام قوافل الإغاثة، وحتى إن فعل فلن يستجيب إليه أحد..
عباس الذي لم يهتم بمقابلة وفد حماس الموجود في القاهرة لبحث المبادرة المصرية ليقول لهم: اصمدوا؛ فأنتم تحاربون من أجل وطننا..
عباس الذي يتحرك بحرية ودون تهديد بالاعتقال أو القتل والاغتيال على عكس قادة النضال؛ سواء في أرض المعركة مثل هنية والزهار وغيرهما، أو في سجون الاحتلال مثل البرغوثي والدويك وسعادات وغيرهم..
هذا هو عباس..!! فما الذي يملكه إذن لكي يطلق تصريحاته النارية من كل مكان يذهب إليه؟! وما الذي قدَّمه عباس للقضية الفلسطينية حتي يصلح أن يكون متحدثًا باسمها؟! وما الذي قدَّمه عباس للمقاومة حتى يقول إنها ليست هدفًا في حدِّ ذاتها، وأنه لا يريدها إذا كانت ستقضي على شعبه؟!
فلو لم تكن هناك مقاومة يا سيدي الرئيس لما كنت أنت في هذا المكان؛ فلولا المقاومة ودماء الأبرار الأطهار من فتح وحماس والجهاد.. وغيرها من أبناء الفصائل الذين استُشهدوا من أجل تحرير وطنهم، ولولا دماء الأطفال والشيوخ والنساء من أهل فلسطين؛ لما بقيت الروح في القضية الفلسطينية، ولما أصبحتَ رئيسًا، حتى وإن لم تكن لك دولة.
----------
* مدير تحرير (إخوان أون لاين).