سائل: من مصر

ما الضوابط الأخلاقية للمسلم أثناء الحرب؟

* أجاب عن هذا السؤال فضيلة الشيخ/ سعد فضل- من علماء الأزهر الشريف:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

 

الإسلام أيام القطب الواحد

انظر أخي الكريم أولاً إلى الإسلام وهو في وضع قيادة الأرض؛ الذي تقوم به حضاراتٌ أخرى.. هل تتخيل ماذا فعل المسلمون عندما وقفوا على أبواب سمرقند؛ ليس كجيش استعماري، وإنما كفكرة يحملها جيش.. كدين جديد؟! ذهب الجيش يبلغ الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

السنة أن يقف الجيش على أبواب المدينة ثلاثة أيام لإمهال أهل سمرقند الفرصة؛ يعرض عليهم الإسلام، وأحس المسلمون أن أهل سمرقند يعجلون المعركة فهاجموا المدينة بغتةً قبل أن يهاجمهم أهلها.

 

بعد أن استولى جيش المسلمين على سمرقند بعث قاضيها غير المسلم إلى عمر بن عبد العزيز يقول له: أنتم لم تنفذوا المهلة التي أمركم بها دينكم وهي ثلاثة أيام من الحصار فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز جيش المسلمين أن يخرج من المدينة.

 

لو قرأ الذين يصفون الإسلام بأنه دين إرهابي همجي.. لو قرؤوا ذلك التاريخ ماذا كانوا ليقولون؟ ألا يقرأ ويعلم ذلك أحفاد القردة وعبد الطاغوت؛ الذين يباغتون الأطفال الرضع والشيوخ الركع؟!

 

يخرج الجيش من سمرقند ويقف عند أسوراها مدة ثلاثة أيام وحين يبدأون الهجوم لاقتحامها يفاجؤون بأن المدينة أسلمت؛ لأن الناس لم تتخيل أن أحدًا في هذا العالم يمكن أن يتصرف على هذا النحو.

 

هل تأملت سورة (العاديات) وهي تقول: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)﴾.. الناس تعودت الإغارة على الخصوم والأعداء ليلاً؛ لكن الإسلام يوصينا ألا نغير ليلاً على أحد حتى لا تروَّع النساء والأطفال.

 

أخلاق حربية

وانظر إلى أبي بكر وهو يرسي أخلاق الحرب للجيش المسلم؛ قال لجنوده: "لا تقتلوا شيخًا.. لا تقتلوا طفلاً.. لا تقتلوا امرأةً.. ستجدون رهبانًا تفرَّغوا للعبادة في الصوامع؛ فلا تقربوهم.. لا تحرقوا زرعًا.. لا تقطعوا نخلاً.. لا تهدموا بيتًا.. لا تهدموا معبدً،ا لا تُغيروا عليهم ليلاً كي لا تروِّعوا النساء والأطفال".

 

لدرجة أن خالد بن الوليد وهو يفتح بلاد فارس مرَّ بمعبد فوجد به رجلين يتعبَّدان؛ رجلاً يسمَّى "نافعًا" ورجلاً يسمَّى "سيرين"؛ فكاد أن يقتلهما فتذكَّر وصية أبي بكر فتركهما؛ ليخرج من هذين الرجلين عقبة بن نافع فاتح إفريقيا وابن سيرين المحدث الفقيه.

 

انظر إلى المسلمين يوم فتحوا دمشق أخذوا الجزية من أهلها، ثم بدأ الرومان يغيرون على المسلمين مرةً أخرى؛ فإذا بخالد بن الوليد يرد أموال الجزية إلى أهل دمشق ويقول لهم: أخذناها منكم لندافع عنكم لكننا الآن لا نستطيع أن ندافع عنكم خذوا أموالكم.

 

قارن هذا بما يحدث للمسلمين اليوم؛ من قتلٍ بالقنابل العنقودية.. قارن الرحمة الحربية للمسلمين بهؤلاء الغاشمين الغاضبين وما يفعلونه في غزة الأبية المدنية!!.

 

الرفق حتى بالحيوان

أنشأت الدولة الأموية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بـ40 سنةً مزرعةً كبيرةً لحيوان استغنى عنه صاحبه وأراد أن يقتله؛ فبدلاً من أن يُقتل يؤخذ لهذه المزرعة فيظل يأكل ويشرب حتى يموت وحده، وهذه المزرعة هي الآن ملعب البلدية بدمشق.

 

الإسلام والأسرى

الإسلام أول من تكلَّم عن حقوق الأسير في الأرض، لم يكن حكام المسلمين يفعلون ذلك بمعاهدة مكتوبة، وإنما القرآن أوضح ما ينبغي أن نفعل للأسير من خلال آية كريمة ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)﴾ (الإنسان)، وهذه الآية تقع في سورة الإنسان، وسورة الإنسان تتكلم عن الجنة حتى نهايتها، والمعنى هنا أن الله يقول للأمة إذا أردتم دخول الجنة فارحموا الأسير؛ هذا الأسير الذي ربَّما قتل أحباء لنا ولنا عنده ثأر.

 

لكن الله سبحانه ينبِّهنا إلى أنه إذا أردتم دخول الجنة أن نرحم هذا الأسير؛ لذلك كم من أسير أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بسبب حسن معاملة المسلمين له.

 

سماحة الإسلام والإرهاب الغربي

إن اليهود والنصارى ما ذاقوا نعمة الأمن والأمان والاستقرار إلا في ظلال الإسلام؛ الذي سوَّى بين سلمان الفارسي وصهيب الرومي ومعاذ الأنصاري وبلال الحبشي وحمزة القرشي وأنشدها سلمان بغاية الفخر:

أبي الإسلام لا أب لي سواه         إذا افتخروا بقيس أو تميم

 

تلك حضارة الإسلام، وهذا عمر فاروق الأمة رضي الله عنه لما خرج من المدينة لتسلُّم مفاتيح بيت المقدس أعطى لأهل "إيليا" من النصارى الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم، وأمر بألا تُهدَم كنائسهم وأعطاهم الأمان للنفس والمال والكنائس.

 

تلك أخلاقنا.. وهذا ديننا.. دين الأمن والأمان؛ بل دين السماحة والرخاء والاستقرار، ولكن بكل أسف شُوِّهت الصورة المشرقة للإسلام ورُكِّزت المجاهر المكبِّرة على بعض الأخطاء الفردية من المسلمين هنا وهناك؛ حتى وُصِم الإسلام كله والمسلمون جميعًا بالأصولية والتطرف والإرهاب.

 

نسأل الله أن يحقن دماء المسلمين، وأن ينصر جندَه الموحِّدين، وأن يجعل كيد أعداء الإسلام في نحورهم، وألا يجعل للكافرين ولا للمنافقين ولا للظالمين على المؤمنين سبيلاً.. اللهم آمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم