أي شيءٍ هذه العزة التي تشمخ بالأنوف لتبلغ بها عنان السماء ثم أنتَ تشعر معها بفيضٍ من يقينٍ عجيبٍ في زمنٍ غشيته سحابات من ريب.
أي شيءٍ هذه العزة والأرض حول رجال المقاومة الإسلامية تفيض بالنيران وتفور بالحمم؟
بل أي شيءٍ هذا اليقين الذي استوطن القلوبَ، وكأنَّ أصحابها رأوا مقاعدهم في جنانِ النعيم وهي تُغازل عيونهم.
لم تزل المقاومة الإسلامية تُعطينا الدرس تلو الدرس عمليًّا بعيدًا عن مقاعدِ الثقافةِ الرسميةِ التي لوثَّتها الرياحُ القادمة من الغرب على أثر التربية وَفْقَ المنهجِ الإسلامي ووَفْقَ السيرة النبوية المطهرة، وإلا فقولوا معي: كيف يُعلن رجال حماس ورجال الجهاد في أرض غزة والنيران تغمرهم رفضهم لقرارِ مجلس الأمن القاضي بوقف إطلاق النار؟!.
إنَّ قراءةَ التعليق الذي حملته إلينا وكالات الأنباء يُعيدنا بقوةٍ ويفرض علينا استحضار صورة النبي الكريم وهو يرفض مساومة أهل الشرك قديمًا يوم رأوا فيه وفي دعوته وفي الرجال الذين يتنامى عددهم وراءه وفي الفكرة التي تتوثق مع مرور الأحداث والأوقات خطرًا ينبغي محاصرته والقضاء عليه.
السيرة تحدثنا عن محاولاتٍ للمساومة بطريقٍ مباشرٍ وبطريقٍ غير مباشر، السيرة تُحدثنا عن مساومة أهل الشرك قديمًا لعَمِّه عندما اقترحوا عليه أن يعطوه عمارة بين الوليد بن المغيرة بدلاً من محمد- صلى الله عليه وسلم- فيأخذوه ويقتلوه- كما جاء في السيرة النبوة في ضوء المصادر الأصيلة للدكتور مهدي رزق الله أحمد (مركز الملك فيصل بالرياض 1412هـ 1992م ص 175).
ثم تحدثنا السيرة مرةً أخرى عن وساطةٍ قام فيها أبو طالب بمفاوضةِ النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يأخذ ما يريد ليلتقي هو وقريش في طريقٍ واحدٍ فأبى الإباء المتقين من صادقِ موعودِ الله تعالى بنصره ونصر دينه.
والتاريخ يُعيد نفسه؛ فالمساومات ثم الوساطات في صورة مبادرات من هنا أو هناك ورائحة الخوف تملأ أجواء الذين يطلقونها.
وفي وسطِ هذا الضعف المادي الذي تعيشه المقاومة الإسلامية في غزة بسبب فتح بعض المعابر الذي هو أشبه بالإغلاق.
ومن التباهي بمنع تهريب السلاح لغزة في وسط هذا كله يُعلن رجال المقاومة الإسلامية رفضهم للمبادرة ثم رفضهم لقرار مجلس الأمن؛ لأنه لا يحقق طموحات الشعب الفلسطيني.
الله أكبر على هذه العزة
الله أكبر على هذا الشموخ
الله أكبر على هذا الاستظهار لمواقف النبوة الكريمة وهي تواجه الكافرين والخانعين بيقينٍ من جبالٍ بل أثبت وأشد.
ثم تزيد تحليلات المقاومة لتقرأ شيئًا مهمًّا جدًّا، قلما توقَّف أمامه أحد وهو أنها رأت في هذا السعي الذي جاء بعد فترةٍ بين الحرب على غزة وبعدما ظهر للجميع أن الهدفَ من إعلانها لم يتحقق، وبات واضحًا أنه لن يتحقق، وأن المقاومةَ في استمساكها بالحقِّ ويقينها في الفكرةِ التي تنطلق منها سائرة على درب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في مواجهةِ الاحتلال.
إنَّ هذا الرفضَ كشف عن وجهٍ دعوي فوق ما فيه من دلالة سياسية ناضجة ذكية، لقد كان استبسال رجال المقاومة الإسلامية الذي لم يزل قائمًا يضرب الأمثلة الرائعة على البطولة والفداء والشجاعة مدهشًا ولافتًا ومثيرًا لأنظار العالم وعقوله، وداعيًا إلى التساؤل: ما الذي يدفعه؟ وما الذي يُحرِّك جذوته؟ وما الذي يمده بالوقود؟ وما الذي يُديم توهجه؟ وإذا بالإجابة الشافية النقية تُعلن: إنها الفكرة الإسلامية التي تلبس بها أهل هذه المقاومة الباسلة.
إنها الفكرة الإسلامية التي لا تعبأ بالحسابات الدنيوية، وإن لم تهمل قراءتها القراءة الحسنة الموصولة بالسماء.
إنها الفكرة الإسلامية التي فطنت إلى أن الغايةَ من وراء ضرب المقاومة ليس فقط كسب الأرض وإنما محو الفكرة واستئصالها.
إنها الفكرة التي استوطنت قلوب الرجال المؤمنين بها الذين يحملون عبء المقاومة باسمها.. حقائق الفكرة القرآنية التي تُقرر ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 249).
إنها الفكرة التي لا يشغلها عدد الشهداء ولا عدد المنازل التي هُدِّمت؛ لأنها ترى سبيل الشهادة كسبيلِ النصر، وأنهما سبيل واحد من الحسن أوليس سعي أهل المقاومة الإسلامية عبر تاريخها الطويل الطموح إلى تحقيق إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة؟!.
يا أيها الذين يتآمرون.. أوقفوا تآمركم، فما يزال القرآن الكريم يسكن قلوب رجال الجهاد وهم يقاومون باسمه جحافل الكفر المعاصرة.
يا أيها الذين يهبون لاستنقاذِ بني صهيون بعدما رأوا صمود الإسلام في غزة أوقفوا هبتكم.. فما تزال السيرة العطرة بمواقفها العطرة تسكن عقول المقاومين.
يا أيها العالم.. أعلنها بكل القوة: المجد لغزة التي لم تزل تُعطي وهي في أجواءِ النار أكثر من درسٍ للعزة.
-----------
* كلية الآداب جامعة المنوفية.