لعل أعظم ما في ملحمة البطولة في غزة التي تدور رحاها من خلال المحرقة التي نصبها الكيان الصهيوني لأبناء فلسطين العُزَّل في غزة، هي أنها تُميز الخبيث من الطيب.. المقاوم من المستسلم.. العدو الحقيقي من الصديق، وصدق الله العظيم ﴿مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: من الآية 179).

 

هذا الفرز ما كان له أن يحدث إلا في ظلِّ أحداثٍ جسامٍ تجعل الحليم حيران؛ يرتعب منها الجبناء، ويلاقيها بصدق وشجاعة الشرفاء الشهداء بإذن الله.

 

وحقيقة الحرب أنها حلقةٌ من حلقات المواجهة بين مشروعين لا ثالثَ لهما حتى الآن:

لمشروع الحضاري الإسلامي الذي يقدِّم للدنيا رؤيةً إسلاميةً للحياة؛ العبودية فيها فقط لله عز وجل، يسودها الأمن والعدل والحرية.. مشروع يقبل التعايش مع كل البشر، لا إكراه فيه ولا استعباد، ولا فساد ولا استبداد، أمام مشروع غربي صهيوني تتزعمه أمريكا والكيان الصهيوني، ويلعب الباقي (من غرب أو شرق) نفس الدور من خلف الستار بشكلٍ ناعمٍ تقسيمًا للأدوار بمهارة- تخيل- على كثير من أنصار المشروع الإسلامي!!.

 

ومن تمام إحكام الصراع أن كافح الغرب لينال حريته ويمنح شعوبه رفاهيةً على حساب ثروات أصحاب المشروع المنافس، ولم يَكْتَفِ بذلك، بل جاهد ليزرع عملاءه في سدة الحكم في كل قُطر، ومنحهم صك تأمين الحياة على كراسي السلطة؛ فلا يخرج أحد عن طوعه.

 

ولأنهم لم يتولَّوا مسئولياتهم برضا شعوبهم، وخدموا مَن جاء بهم، ولم يقدموا لشعوبهم حريةً ولا كرامة ولا عدلاً؛ فقد حصَّنوا أنفسهم بقوات أمن ارتبطت مصالحهم باستمرار حكم مَن يحمونهم!، ومارسوا على شعوبهم فسادًا واستبدادًا وظلمًا، فانشغلت الشعوب بنفسها جوعًا وخوفًا، استنتاجًا من الآية الكريمة ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش: من الآية 4)!.

 

وعندما ذاق الشعب الفلسطيني طعم الحرية في اختياراته في وقتٍ حساسٍ، وكان قد كفر بنهج التسوية مع يهود الذين "كلما عاهدوا عهدًا نقضوه"، ولم يحصلوا على عنصري الحياة الكريمة؛ شبعٍ وأمنٍ، باستمرار القتل والمذابح والحصار حتى مات ياسر عرفات مقتولاً وهو محاصَر في رام الله!.. اختار الشعب نهج المقاومة رمز المشروع الحضاري الإسلامي في ظل احتلال استيطاني فاجر لا يرقب في المؤمنين إلاًّ ولا ذمة، وهكذا نجحت حماس بشكل شوريِّ لتتولَّى السلطة الشرعية في المجلس التشريعي وتُشكِّل الحكومة الفلسطينية بعد أن رفضت جميع الفصائل مشاركتها، وهو ما أثار أعضاء المشروع المنافس رءوسًا وأطرافًا، فمارسوا الحصار وعدم الاعتراف، وشاركهم في ذلك كل الحكومات العربية!.

 

وقد اعترف بذلك البرفوسور لآفي شلايم بقوله: "من المُخزِي أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي قد انضمَّا إلى الصهاينة في نبذ حكومة حماس وتصويرها في هيئة شيطان، ومحاولة القضاء عليها بمنع المساعدات الأجنبية، وهو ما يُعَدُّ عند هذا الحد وضعًا يفوق الخيال؛ زاد من غرابته قيام جزء مهم من المجتمع الدولي بفرض عقوبات اقتصادية؛ ليس ضد المحتل، بل ضد مَن وقع عليهم الاحتلال، وليس ضد الظالم، بل ضد المظلوم (جارديان، لآفي شلايم أستاذ العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد).

 

وعندما صمدت حكومة حماس وتحصَّلت على أموالٍ لإدارة الحياة، بدأت المؤامرات، وأدارها الأمريكي الاستخباراتي دايتون، وحظيت بموافقة رئيس السلطة أبو مازن وكل الفريق الانقلابي الفاسد في حركة فتح وعلى رأسهم المدعو محمد دحلان الذي أثار الفوضى الأمنية في غزة، حتى اضطرت حكومة حماس إلى التدخل وتطهير غزة من العصابة الفاسدة التي هربت إلى مصر والأردن والضفة.

 

ولعل ذلك من أسباب صمود غزة التي تطهَّرت من الخونة والجواسيس الذين تسبَّبوا في قتل واعتقال العشرات من قيادات المقاومة في الأرض المحتلة، خاصةً غزة!!، وسلَّمت وثائق خيانته للمخابرات المصرية!، لكن ماذا نفعل؟!.

 

وهنا يستمر الدكتور لآفي شلايم في سرد شهادته في جريدة (جارديان) فيقول: "ما نقول رغم كل الاختلافات بيننا وبينه؟!"، فيقول: "من المُخزِي أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي قد انضمَّا إلى إسرائيل في نبذ حكومة حماس وتصويرها في هيئة شيطان، ومحاولة القضاء عليها بمنع المساعدات الأجنبية، وهو ما يُعَدُّ عند هذا الحد وضعًا يفوق الخيال، زاد من غرابته قيام جزء مهم من المجتمع الدولي بفرض عقوبات اقتصادية؛ ليس ضد المحتل، بل ضد من وقع عليهم الاحتلال، وليس ضد الظالم، بل ضد المظلوم.

 

وكالمعتاد غالبًا في تاريخ فلسطين المأساوي، يتم تحميل الضحايا مسئولية نكبتهم؛ فقد غذَّت آلة الدعاية الإسرائيلية بصورة متواصلة نظرية أن الفلسطينيين إرهابيون، وأنهم يرفضون التعايش مع الدولة اليهودية، وأن قوميتهم تتعدَّى بقليل معاداة السامية، وأن حماس مجرد حفنة من المتدينين المتعصبين، وأخيرًا أن الإسلام يتعارض مع الديمقراطية.

 

لكن الحقيقة ببساطة أن الشعب الفلسطيني هو شعب طبيعي؛ يملك تطلعات طبيعية؛ فهم ليسوا أفضل، لكنهم أيضًا ليسوا أسوأ من أية جماعة قومية أخرى، كل ما يصبون إليه أكثر من أي شيء آخر هو قطعة من الأرض يعيشون عليها مع ذويهم بحرية وكرامة؛ شأنها شأن الحركات الراديكالية.

 

شرعت حماس في العمل على جعل برنامجها السياسي أكثر اعتدالاً بعد وصولها إلى الحكم، وبدأت بالتحرك من أيديولوجية الرفض إلى التسوية العملية من خلال الحل المبنيِّ على إقامة دولتين فى مارس 2007م، كوَّنت "فتح" وحماس حكومة وحدة وطنية كانت على استعداد للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار طويل الأجل مع الكيان الصهيوني، الذي رفض بدوره التفاوض مع حكومة تتضمن حماس.

 

ثم استمر الكيان الصهيوني في لعب تلك اللعبة القديمة "فَرِّقْ تَسُدْ" بين الفصائل الفلسطينية، علمًا بأنه في نهاية الثمانينيات، ساند الكيان الصهيوني حماس حديثة الولادة وقتها لأجل إضعاف فتح الحركة الوطنية غير الدينية بقيادة ياسر عرفات.

 

بدأ الكيان الصهيوني في تشجيع قادة فتح الفاسدين على هزيمة منافسيهم الدينيين واستعادة السلطة، وشارك المحافظون الجدد العدوانيون في الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المؤامرة المخيفة للتحريض على حرب أهلية فلسطينية، وقد كان تدخلهم فيما لا يعنيهم هو العامل الأساسي في إخفاق حكومة الوحدة الوطنية وفي وصول حماس إلى السلطة في غزة في يونيه 2007م".

 

ويشير شلايم إلى أن "الحرب التي شنَّها الكيان الصهيوني على غزة في 27 ديسمبر تُعَد قمة سلسلة من الصدامات والمواجهات مع حكومة حماس، أو بمعنى أشمل يمثِّل هذا الهجوم حربًا بين الكيان الصهيوني والشعب الفلسطيني؛ لأنه انتخب حركة حماس؛ فإذا كان الهدف المُعلَن لهذه الحرب هو إضعاف حماس وتكثيف الضغوط عليها إلى أن يضطر قادتها إلى قبول وقف إطلاق النار بالصيغة التي يرتضيها الكيان الصهيوني، فإن الهدف غير المُعلَن هو ضمان ظهور وضع أهالي غزة أمام العالم ببساطة كمشكلة إنسانية، ومن ثم تضليل كفاحهم من أجل الاستقلال" انتهى.

 

ما نراه اليوم إذن بعد كل هذه المقدمة صمود أسطوري لمقاتلين باعوا أنفسهم لله ولشعبٍ تحمَّل ثمن خياراته بشجاعة وعزة وكرامة أمام عدو همجي مجرم لا يرعوي ولا يرقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وخزي وعار التف حول رقاب الحكام العرب؛ كان أسوأهم الأداء المصري الذي تآمر على تصفية المقاومة في أيامٍ عدة طالت وأفسدت حساباتهم وفضحهم حلفاؤهم.

 

كيف نستوعب أن الفلسطيني لا يدخل مصر عبر معبر رفح في أقسى وأصعب وقت يمكن أن يمر به شعب، وإذا سُمح له فبجواز سفره، بينما الصهاينة يدخلون سيناء بالبطاقة الشخصية دون رقيب؟! كيف نفهم مشاركة مصر تحت رئاسة أمريكية في حرب تحرير الكويت بينما تتناسى دورها في اتفاقية الدفاع المشترك لمناصرة لبنان وفلسطين في مواجهة العدوان الصهيوني؟! كيف ندرك الحكمة المصرية في قبول اللاجئين العراقيين نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق وحرمان الفلسطينيين حتى من مجرد الإغاثة الإنسانية؟!

 

لم نفهم سر التهييج الإعلامي والمتاجرة بدم الشهيد الضابط ياسر فرج المتهم بقتله رصاص فلسطيني كان في حالة دفاع عن النفس، بينما تم قتل 18 مواطنًا؛ منهم ضباط وجنود مصريون على الحدود في رفح برصاص صهيوني لم تَنْتَهِ التحقيقات فيها حتى اليوم ولا حظي أحدهم بجنازة شعبية مثلما حدث للشهيد ياسر!.

 

لم نستوعب تعليقات الصحافة الصهيونية عندما قالت إن المتابع للتصريحات المصرية والإعلام المصري يظن أن الحرب بين مصر وحماس، كذلك تعليق وكالة الأخبار الصهيونية حول منع النظام المصري المظاهرات بينما يسمح بها الكيان لمناصرة الفلسطينيين في غزة!!.

 

وتأكدنا بما لا يدع مكانًا للشك أن مراكز حقوق الإنسان ومنظماته المحلية والدولية فقدت مصداقيتها؛ فلم نَرَ منها ربع ما كان منها ضد السودان ورئيسه أو أية قضية لا تتناسب مع الإجرام الذي نشاهده اليوم في غزة، وليس هذا بغريب؛ فلم يُخيِّبْ الاتحاد الأوروبي ظن من يدعمهم، فرفض تشكيل لجنة في جنيف للتحقيق في الانتهاكات المتوحشة التي يرتكبها الصهاينة المجرمون!.

 

لعلها سوء الخاتمة، لكن قرار وقف إطلاق النار غير الملزم الذي صدر من مجلس الأمن ولم توافق عليه الأطراف المعنية؛ لم يمنع آلة الحرب الصهيونية بتوجيه رسالة متفجرة إلى الإعلاميين؛ لعلها تعلن عن عمل إجرامي متوحش ضد المدنيين في غزة في الساعات القادمة مثلما حدث في بغداد قبل معركة المطار الغامضة والعنيفة.

 

على العموم.. كل شهيد وكل جريح فلسطيني تتحمَّل مسئوليته الأنظمة الحاكمة العربية، وعلى رأسها النظام المصري؛ فقد حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أعان على قتل نفسٍ مؤمنةٍ ولو بشطر كلمة لقي الله عز وجل مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله".. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

----------

* g.hishmat@gmail.com