بدوي عبد العظيم البدوي

 

كشف الصهاينة عن وجههم النازي القبيح؛ بإصرارهم على ألا يودِّعوا هذا العام وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة إلا بمذبحة جديدة من مذابحهم وجرائمهم ضد شعبنا في فلسطين، وكأنهم يريدون ألا ينسى العالم مَن هم في الدموية والإرهاب.

 

وكان الدور على غزة هذه المرة، وهو أمرٌ ليس غريبًا على مجموعة من مُشعِلي الحروب ومُحرِّكي الفتن على مدى التاريخ؛ فتاريخهم ملؤه الحقد والمجازر والحروب فقط لتحقيق مصالحهم المَقيتة غير المشروعة والكاذبة.

 

وإن كان هذا ليس بغريب عليهم فإن الغريب هو تلك التصريحات الساذجة التي أصابتنا بالغثيان فور سماعها من فلسطينيين مع الأسف الشديد؛ مثل مستشار الرئيس الفلسطيني المنتهية صلاحيته محمود عباس.. هذا المدعو نمر حماد؛ الذي اتهم فيها حماس بأنها هي السبب في تلك المجزرة، وكأنه مستشار الرئيس الأمريكي لا فردٌ- مجرد فرد- من أبناء الشعب الفلسطيني الذي تعلَّم بالدم أن يفرِّق بين الغث والثمين.

 

إن المعركة القائمة- والتي أكَّد وزير الدفاع الصهيوني إيهود باراك أنها لم تَنْتَهِ بعد، وأنها مستمرة لحين تحقيق أهدافها، وطلب من بني جلدته الصبر وقبول التضحيات إلى أن تنتهيَ وتحقق أهدافها- ليست معركةَ غزة وحدها، ولكنها معركة الأمة، وليس ذلك بكلام.. ذلك أن من المعلوم أن تلك المعركة وهذه الضربات ليست موجَّهةً إلى أهل غزة وحدهم؛ بل هي موجَّهة إلى كل من يرفع شعار المقاومة ويرفض فكرة أن خيار السلام هو خيار إستراتيجي وحيد.

 

وكلنا يعلم أن الصهاينة لو استطاعوا- لا قدَّر الله- أن ينتهوا من غزة فسيقومون بتنفيذ فكرة الوطن البديل التي يروِّجون لها منذ فترة؛ ليتم ترحيل أهل غزة إلى سيناء، ويتم ترحيل أهل الضفة إلى الأردن، وكلنا على يقين أن السبب وراء هدوء الجبهة المصرية لا يرجع إلى قوات حفظ السلام أو الضمانات الأمريكية لمصر أو المعونة العسكرية الأمريكية لمصر، ولكن السبب هو أن الصهاينة لديهم خنجر في خصرهم يُسمَّى غزة، ولو انتهت منه لتفرَّغت لمصر، وليس خفيًّا على الجميع ما يقوم به الصهاينة بمساعدة أمريكا (حليفنا الإستراتيجي) في إفريقيا وحركة الالتفاف الكبرى حول منابع النيل والدول التي تمثِّل عمقًا للأمن القومي المصري، مثل السودان، ومحاولاتها المستمرة لتقسيمها إلى دويلات، وليست الصومال من ذلك ببعيد!!، والدور اليهودي بأيدٍ إثيوبية، وحتى تمثيلية القراصنة أمام السواحل الصومالية، وإلا فمن أين حصل هؤلاء القراصنة على تلك اللنشات والأسلحة والمعدات الملاحية الحديثة التي تمكِّنها من تتبُّع السفن في البحر الأحمر؟! وكيف يتم ذلك والأسطول الأمريكي يرتع في تلك المنطقة بلا حسيب أو رقيب مرابطًا أمام سواحل الصومال منذ أن خرج منها يجر أذيال الخيبة؟!

 

حقيقة الأمر.. لقد أدمت قلوبنا تلك الصور التي طالعتنا بها القنوات الفضائية عن تطورات تلك المجزرة وأعداد الشهداء من إخوتنا في أرض الرباط بغزة، ونحن نرى هذه الجباه التي لم تَنْحَنِ إلا لله فقط، ورفضت التسوية المجانية لصالح الصهاينة، ولم يرتضوا بفتات الخبز ثمنًا للأرض والعرض والتاريخ وعذابات ملايين البشر في الشتات، ولم يرضوا أن ينسوا أو يتناسَوا كتاب الله الذي حفظوه وانتظروا وعد الله فيه بالنصر ولم يكذبوا وعد الله وصدقوه: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ (الأحزاب: من الآية 22).

 

وما أدمى قلوبنا أكثر من متابعة تلك الأحداث مثل تلك التصريحات، ومن مثل هؤلاء الأشخاص الذين انكشف زيفهم وخداعهم ولم يعُد خفيًّا على أحد لمصلحة من هم يعملون!! وعلى مائدة من هم يأكلون!! تلك الفئة التي ليست- بالتأكيد- من فتح ولا من أي فصيل فلسطيني شريف عرف أن اليهود لا يعون إلا لغة الحراب ولا يفهمون سواها.

 

على الشرفاء من فتح أن يتحركوا ويطردوا تلك العصابة الجاثمة على صدر الشعب الفلسطيني؛ بدايةً من محمود عباس الذي انتهت صلاحيته- أقصد ولايته- هذا الشهر، مرورًا بمحمد دحلان ونمر حماد، وانتهاءً بأصغر عميل ورد اسمه بكشوف التجسس على الشعوب والجاليات العربية؛ تلك الفئة الخبيثة لا تمتُّ بصلة للشعب الفلسطيني المرابط في الثغور.. تلك العصابة التي لم تعرف أو تعاني ما عاناه الفلسطينيون في الشتات، بل كدَّست الأموال وأمَّنت مستقبلها ومستقبل أولادها من أموال الشعب الفلسطيني، ولن ينسى التاريخ أن ياسر عرفات كان قد لفظ محمود عباس قبل وفاته، وظلَّ الأخير معزولاً إلى أن مات عرفات فانقضت عصابته على كرسي الرئاسة، وقامت بسرقته وتصفية المعارضين لمشروعهم الذين يعملون لتحقيق مصلحتهم.

 

رسالتي إلى الشعب الفلسطيني أنْ رابطوا وتوحَّدوا حول خيار المقاومة، ولا تحنوا رءوسكم إلا لله، فإن كان لا بد من الموت فليكن في سبيل الله ودفاعًا عن الأرض كامل الأرض دون تقديم أي تنازل بلا مقابل للعدو، والله من ورائكم، وكل الأمة من ورائكم تدعمكم وتدعو لكم وتنصركم، وبذلك تتحوَّل تلك الأزمة إلى فرصةٍ لتطهير الصفوف ليخرج بعدها الصف الفلسطيني أشدَّ تماسكًا وقوةً في مواجهة هذا المشروع الاستسلامي الهادف إلى تصفية القضية الفلسطينية.

 

ورسالتي إلى الأمة أن ما نعطيه لإخواننا في الرباط من دعم أيًّا كان.. هذا الدعم ليس منَّةً منَّا عليهم، بل هو حقٌّ لهم وواجبٌ علينا نحوهم؛ لن يسامحنا الله أو الأمة أو التاريخ لو فرَّطنا فيه.

 

وإلى القمة العربية التي تلوح في الأفق- لو انعقدت-: لا تعقدوا تلك القمة لتخذلوا بها المقاومة الفلسطينية أو لتقدموا لها (لا شيء)، ولكن أكرم لكم أن تتركوا هؤلاء المجاهدين دون أن تفتُّوا في عضدهم، ولقد أصبح طلب الشعب الفلسطيني ليس أن تدعموا المقاومة، بل أن تتركوا الشعب الفلسطيني يقاوم دون أن تخذلوه، أو يكون انعقادكم مسكِّنًا لشعوبكم التي أدركت وفهمت ووعت الطريق.

 

وأخيرًا وليس آخرًا.. إلى القابضين على الجمر.. إلى كل من يرفع رأسه عاليًا إلى السماء ناظرًا إلى رب الأرض والسماء كافرًا بكل ما سواه من خداع وأكاذيب يسوقها الساسة غير الشرفاء (أو السذَّج على أقل تقدير): إن كان اليهود يطلبون من بعضهم الصبر فنحن أَولى منهم بهذا الصبر، فإنما النصر صبر ساعة.

 

ولأنفسنا نقول: إننا لن ننسى أبدًا أن نربِّيَ أنفسنا وأولادنا على ألا صلح.. لا تفويض.. لا تفريط في أرض الجدود.. لا للدويلة رشوةً ثمنًا لآهات الشهيد.. أبدًا لن نعترف، لن نعترف، لن نعترف بالصهاينة ودون ذلك الموت. ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21)