عشرون يومًا مضت منذ بدء العمليات العسكرية الهمجية الصهيونية على غزة وشعب غزة.
عشرون يومًا مضت وآلة الحرب الصهيونية تعيث في أرض غزة فسادًا وتخريبًا.
عشرون يومًا مضت وطيران العدو يدك الأرض دكًّا بأسلحة قيل إنها مُحرَّمة دوليًّا وغير مُحرَّمة.
عشرون يومًا مضت والدمار والخراب هو العلامة البارزة التي يتركها الاحتلال بعد كل قصف وعقب كل توغل.
عشرون يومًا مضت وقد وقفت الحياة عن العمل في غزة؛ فلا مدارس ولا مصانع ولا مؤسسات.
عشرون يومًا مضت وحرمات تُنتهَك، وأطفال تُشرَّد، ومساجد تُخرَّب، ومنازل على رءوس أصحابها تُهدَّم.
عشرون يومًا مضت وقد ارتقى مئات الشهداء وأصيب آلاف الأبرياء.
عشرون يومًا مضت وكل ما يحدث أمام مرأى ومسمع دول العالم ومنظمات حقوق الإنسان، بل أمام كل دول العالم المتحضر منه والنامي.
عشرون يومًا مضت والقصف ينال من أماكن الإيواء التابعة لمنظمات دولية فيُقتل فيها الأطفال والنساء الذين لا عائل لهم.
بَيدَ أن دماء المسلمين التي تُراق هدرًا على أرض غزة لم تُحرِّك قلوب ومشاعر كل هؤلاء، حتى جاء قرار مجلس الأمن بعد قرابة عشرة أيام بعد القتل المباشر الذي مارسه الصهاينة للأطفال والنساء والعجائز (جاء على استحياء) بوقف إطلاق النار.
قرارٌ هم يعلمون جيدًا أنه لا قيمة له، بعد التلميح بالاستمرار في العدوان من البعض، والتصريح من البعض الآخر بحق الصهاينة في الدفاع عن أنفسهم.
كل هذه المجازر وبحور الدم الطاهر للأطفال والنساء والعجائز، والتي سالت على أرض غزة لم تُحرِّك مشاعر الرؤساء والزعماء العرب؛ الذين يُفترض أنهم شركاء الدين واللغة لهذا الشعب المقهور.
بَيدَ أن شراكة المصالح بين الزعماء العرب وسادتهم في الغرب والخوف على كرسي الزعامة هو المسيطر على نفوس الكثير من هؤلاء القادة؛ فهذا الخوف وتلك المصالح أهم بكثير من شلاَّلات الدم الذي يُراق على أرض غزة.
وبَيدَ أن هذا الخوف وتلك الشراكة قد دفعت البعض إلى أن يغضَّ الطرف طول فترة القصف الماضية، وكأنَّ الأمر لا يعنيهم، ودفعت آخرين إلى تحميل المقاومة المسئولية؛ ذلك المنطق المعوجُّ الذي يُساوَى فيه بين الجلاَّد والضحية.
ودفعت آخرين إلى أن يبثُّوا اليأس والخنوع والاستسلام في نفوس المقاومين؛ حين وصفوا صواريخهم بالعبثية، ودفعت آخرين إلى أن يُغلقوا المعابر (أبواب الأمل) لمعالجة الجرحى والمصابين؛ في تعاون سافر مع جيش الاحتلال، ودفعت آخرين إلى أن يقمعوا المظاهرات السلمية، ويعتقلوا الشرفاء المتعاطفين مع أهل غزة، والزجّ بهم في المعتقلات والسجون؛ في تحدٍّ سافر وغريب لمشاعر الناس وعواطفهم، بل إن تلك الشراكة (شراكة المصالح والخوف) قد دفعت البعض إلى أن يُعلنوا أنه لم يمر أحد من المعابر إلا بإذن العدو الصهيوني.
بَيدَ أن القومية العربية قد زالت واندحرت، بعد أن سقطت الخلافة الإسلامية، وبقي العرب والمسلمون بلا مظلة تجمعهم أو هدف يوحِّدهم، وباتت سياسة المصلحة الشخصية هي المسيطرة على مراكز القرار.
جال بخاطري ذلك الموقف العظيم التي تحرَّكت فيه مشاعر رجل مسلم انتُهكت أمامه وفي حضرته حرمةُ امرأة مسلمة قد لا يعرف من هي أو من أية قبيلة هي.. سمعها تستصرخ فيه نخوة المسلم الحر الأبي عندما كشف يهودي مريض النفس سوءتها بعد أن راودها على كشف وجها فأبت؛ فهبَّ ذلك المسلم ملبيًا لنصرتها، لم يعنِه حينها حسابات سياسية، ولم يعبأ بكونه في وسط سوق غالبيته من اليهود، ولم يخشَ الموت الذي لاقاه بالفعل لشجاعته.
جال بخاطري ذلك الحصار الذي فرضه الرسول- صلى الله عليه وسلم- على يهود حتى أجلاهم عن المدينة صاغرين.
لم أنسَ دور المنافقين الذين تدخَّلوا لحفظ دماء إخوانهم اليهود؛ التي كان من المفترض أن تُقطع رقابهم جزاءَ ما صنعوا؛ فقال رأس النفاق: "لا والله.. لا أرسلك حتى تُحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني الأحمر والأسود، وتحصدهم في غداة واحدة.. إني امرؤ أخشى الدوائر".
بَيدَ أن موقف بعض الزعماء والقادة الآن لا يختلف كثيرًا عن موقف هذا المنافق؛ فبين قائلٍ: "بيني وبين اليهود عهود ومواثيق لا أستطيع نقضها وإن فني أهل غزة عن بكرة أبيهم"، وقائلٍ: "لا أستطيع استخدام سلاح البترول من أجل غزة؛ فأموال النفط لها مصارفها التي لا غنى عنها"، وقائلٍ: "يجب أن نوقف صواريخ المقاومة فورًا حتى نوقف الكيان الصهيوني عن القتل"، فصار حرصهم على حياة اليهود أكثر من حرصهم على حياة أهل ملَّتهم، وصدق قول ربنا: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم﴾ (المائدة: من الآية 52).
ومما يدعو إلى الأسف أن بواكيَ غزة على مستوى القادة والزعماء لم يكونوا عربًا على طول الأرض العربية وعرضها ومن محيطها إلى خليجها، وإنما جاءت من رئيسين غير مسلمين وفي بلدين غير مسلمين؛ إنهما رئيسا فنزويلا وبوليفيا اللذان طردا السفيرين الصهيونين من بلديهما، ولا تعليق.
لقد صدر قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار فورًا، ويبدو أن كلمة "فورًا" عندما تكون في قرار ضد الكيان الصهيوني يعني المزيد من استخدام القوة والعنف والقصف، ولكن الكيان لم يوقف نيرانه ضد الآمنين، ولن يوقف حتى يُنهيَ مهمته.. هكذا أعلنها صريحةً حتى يُحقق مصالحه العليا.
ولست أدري هل ماتت النخوة بالفعل في نفوس القادة والزعماء العرب والمسلمين، حتى إنهم لم يردوا على مثل هذه التصريحات، وقد زعموا أنه لا داعي لقمة عربية وأنهم سيوقفون هذا العدوان من خلال مجلس الأمن، فماذا بعد أن ضرب الكيان الصهيوني باستجداءاتهم وبقرارات مجلس الأمن عرض الحائط؟! وماذا بعد أن تبجَّح العدو وساء أدبه حتى مع معاونيه والمتواطئين معه؟! وماذا بعد أن خذلهم العدو وفضحهم أمام شعوبهم وأظهرهم في مظهر العاجز الضعيف أو العميل الخائن؟!
جال بخاطري الآن الشجاعة التي تحدَّث بها رئيس وزراء تركيا؛ الذي خاطر بمستقبله السياسي وبمستقبل حزبه الإسلامي بموقفه المشرف والشجاع في مواجهة الصلف الصهيوني.
ذكرني ذلك بموقف جده الشجاع السلطان عبد الحميد خليفة المسلمين؛ حينما عرض عليه اليهود بيع فلسطين فكانت إجابته العظيمة: "لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدًا من البلاد؛ لأنها ليست لي بل لشعبي، ولقد حصل شعبي على هذا الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وقد غذَّوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا.. إنها لن تُقسَّم إلا على جثثنا، ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان".
بيد أن زعماءنا وقادتنا لم يبيعوا الأرض فقط، وإنما باعوا البشر أيضًا على أرض غزة خلال هذه الهجمة الشرسة والتصفية الجسدية المباشرة لهم، وما هذا الصمت القاتل والتسويف المستغرب إلا دليل على التواطؤ السافر ودليل على الخذلان الكبير لأهل غزة!.
ففي الوقت الذي يُمارَس فيه الضغط الشديد على المقاومة لإلقاء السلاح ورفع الراية البيضاء والاستسلام والخضوع لمطالب الاحتلال الظالمة والجائرة وتصويرهم للرأي العام على أنهم المتسببون في هذه المجزرة.. نجد الجندي اليهودي يُدفع من قِبل رؤسائه إلى ممارسة القتل والإبادة العلنية لشعب غزة؛ فلا فرق عنده بين طفل رضيع وامرأة ضعيفة وشيخ عاجز؛ بل إنهم يربونه على التوسعية والطموح الذي لا ينتهي.. سُئل جندي يهودي من مراسلي إحدى الصحف الأجنبية: "ما هي حدود دولة إسرائيل؟"، وكان ذلك في أعقاب نكبة 5 يونيو 1967م فأجابه الجندي بكل صلف وغرور: "حيث أضع قدمي" وضرب بحذائه الأرض.
هكذا هي قناعات جندي عادي في صفوف جيش الاحتلال تُبنى على العنصرية وتهميش الآخر وعدم الاعتراف به، والسياسة التوسعية على أنقاض الآخرين.
لقد مات الأطفال في غزة ولا بواكيَ لهم.
وهُدِّمت المساجد على رءوس السجَّد الركَّع في غزة، ولا بواكيَ لهم.
وهدمت المنازل على رءوس أصحابها في غزة، ولا بواكيَ لهم.
وقُتل الشيوخ والعجائز من الرجال والنساء في غزة، ولا بواكيَ لهم.
ومات المرضى في المستشفيات موتًا بطيئًا، ولا بواكيَ لهم.
وحُرم الناس في غزة الأمن والأمان، ولا بواكيَ لهم.
حوصر شعب غزة في غزة، ولا بواكيَ لهم.
يا أهل غزة.. صبرًا؛ فلقد مات حمزة ولا بواكيَ له.
----------