- القدر وفَّقَنا للعمل مع الساعة الأولى للحرب

- 120 طبيبًا عربيًّا داخل غزة الآن

- عاجل.. مطلوب 3 مستشفيات ميدانية للقطاع

- نرفض دخول المساعدات عبر كرم أبو سالم

 

حوار- أحمد عبد الفتاح:

أمام عشرات التقارير كان يجلس لمتابعة الأحوال الطبية والإنسانية داخل قطاع غزة.. أمامه تقارير تحمل متطلبات القطاع العاجلة؛ لا سيما المتعلِّقة بالاحتياجات الصحية، وأخرى واردة من دول عربية وإسلامية تعرض تقديم العون وتحديد المتطلبات التي يحتاجاها أهالي القطاع بشكل عاجل لتلبيتها.

 

أول ما بدر إلى ذهني وأنا أرى الدكتور إبراهيم الزعفراني أمين عام لجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب يجلس في نفس مكتب زميله الدكتور جمال عبد السلام المدير التنفيذي للجنة الإغاثة والطوارئ، بل وعلى الكرسي نفسه؛ الذي تسبَّب في اعتقاله قبل أسابيع، والذنب هو مناصرة أهالي فلسطين!! أن أسأله:

 

* ألا تخشى أن تلحق بالدكتور جمال خلف القضبان؟!

** لا أظنني الآن أخشى الاعتقال في وقتٍ يموت فيه إخوتي ويُقتلون من أجل نصرة الإسلام؛ ما يجعل السجن ترفًا بالنسبة لتضحياتهم، ومن يُرِدْ أن يعمل في بلادٍ مثل بلادنا يجب أن يؤهِّل نفسه جيدًا للاعتقال في أي وقت، وقد اعتُقلتُ من قبل إحدى عشرة مرة.

 

وأنا لديَّ إيمان عميق بوجوب ظهور شخص آخر بعد الدكتور جمال يقول: هذه رقبتي، وإلا سقط عملنا الإغاثي؛ فإن كان هدفهم مما فعلوه أن يقوموا بإسقاط اللجنة فاللجنة لن تقع، ونحن مستمرُّون على نفس النهج؛ لأن هذه هي رسالتنا.

 

* نريدك أن تشرح لنا طريقة عمل الاتحاد في ظل الأزمة الحالية؛ بصفتك أحد أهم المسئولين عن تنسيق عمليات الإغاثة والطوارئ التابعة لاتحاد الأطباء العرب.

** منذ بداية الأزمة كوَّنَّا عدة فرق لمتابعة الموقف:

الفريق الأول ميداني متقدم موجود في العريش، ويتقدَّم حتى رفح المصرية، ومنوطٌ به متابعة كل المعونات التي نرسلها من القاهرة، ويعطينا تطورات الوضع أولاً بأول.

وفريق آخر للمشتريات، وهو مُكوَّن من صيادلة وأطباء خبراء في الأجهزة الطبية على أعلى مستوى، وعلى رأس هذا الفريق مسئول عن المشتريات، ويوميًّا يَرِدُ إلينا من إخواننا في غزة من ممثلي وزارة الصحة الفلسطينية قوائم بالأدوية والأجهزة المطلوبة، ويقوم فريق المشتريات بفرز هذه الطلبات وتصنيفها حسب النوعيات المطلوبة، ثم يخاطب فريق المشتريات الشركات التي تقوم بدورها بتخفيضات جيدة جدًّا مراعاةً للحالة الإنسانية داخل القطاع.

 

ولدينا فريق آخر مهمته جمع التبرعات، وفريق إعلامي مهمته التسويق لنشاطنا، بالإضافة إلى الفِرَق الطبية التي ضحَّت بحياتها واستطاعت دخول قطاع غزة من أجل تقديم يد العون للأطقم الطبية الفلسطينية والمساعدة في علاج الجرحى من جرَّاء العدوان الصهيوني، حتى وصل عددهم حتى الآن إلى 120 طبيبًا عربيًّا.

 

قضاء وقدر

* كيف كانت الفِرَق تعمل قبل العدوان بيوم، خاصةً أن موعد العدوان لم يكن معروفًا؟

** الأمر جاء قدَرًا؛ فقبل العدوان بيوم وردت إلينا أنباء أن المعبر سوف يُفتَح في وجه المساعدات الإنسانية، ويومها اتصلتُ بالدكتور ممدوح جبر الأمين العام لجمعية الهلال الأحمر المصري، وقلت له إن لدينا أكثر من 16 شاحنة أدوية ومعدات طبية تطلب الإذن بالدخول، كما أن لدينا مخزنًا كبيرًا مملوءًا منذ فترة، وكنا نُعِدُّه لمثل هذه المواقف التي يُفتَح فيها المعبر فجأةً، وفي الوقت الذي كانت فيه الشاحنات تستعد للذهاب من العريش إلى رفح لنقل الأدوية؛ اتصلتُ بالدكتور ممدوح جبر الذي قال لي بدوره إنه حصل على موافقةٍ بعد مجهودٍ كبيرٍ لدخول 4 شاحنات تابعة للهلال الأحمر المصري فقط، وتم إدخالها بالفعل عبر معبر كرم أبو سالم.

 الصورة غير متاحة

 اتحاد الأطباء العرب استطاع إدخال عشرات الشاحنات لإغاثة غزة

 

وبالرغم من حديث الدكتور ممدوح معي توجَّهت الشاحنات الستة عشرة إلى معبر رفح، وانتظرت هناك، وكلَّمني مندوبنا من هناك عبر الهاتف، وقال لي بالحرف: "يا دكتور.. الدنيا ضلمة"، وهو ما كان يعني أنه لا يوجد أمل- ولو ضعيفًا- لدخول الشاحنات.

 

وبعد نصف ساعة اتصل بي وقال: "الدنيا بتشتي صواريخ"؛ في إشارةٍ منه إلي بدء الهجوم العسكري على غزة، ووصف لي الوضع وقتها بأن الجميع كان يجري خوفًا من الصواريخ والقصف، ثم اتصل بي بعد نصف ساعة أخرى وقال لي "الدنيا نوَّرت"؛ حيث بدأ الجميع في التعاون على إدخال محتويات الستة عشرة شاحنةً، وحدث المشهد المعروف عندما تعاون الضباط والجنود مع موظفي الإغاثة والمتطوعين في إدخال محتويات الشاحنات الستة عشرة القطاع، وبهذا الموقف الجميل كان للاتحاد السبق في إدخال أول مساعدات القطاع في أول ساعات لبدء العدوان.

 

* لماذا لا تقومون بإدخال المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم؟

** نحن لدينا موقف واضح برفض دخول المساعدات عبر كرم أبو سالم؛ لأننا نلقى التعنُّت الشديد من قِبَل الجانب الصهيوني على المعبر، ويتباطئون بشدة؛ مما يعرِّض شحنات كبيرة للتلف، وفي أغلب الأوقات يُشتَرط دخول عدد معين من الشاحنات في اليوم لا يتعدى غالبًا أربع شاحنات، والبقية عليها الانتظار إلى اليوم التالي.

 

تعاون إسلامي عربي

* هل شارككم في هذا المجهود أشخاصٌ أو هيئات من جنسيات أخرى؟

** بالطبع؛ فقد جاء إلى الاتحاد وفودٌ من دول عربية وإسلامية عديدة؛ فقد حضر إلينا مثلاً خمسة وفود تركية، وأربعة وفود أردنية، ومن ماليزيا ومن قطر والبحرين، وطلبوا منا أن نُحدِّد المطلوب داخل القطاع، وكانوا هم يتكفَّلون بدفع التكاليف، بل ويتسابقون بطلب تحمُّل التكاليف.

 الصورة غير متاحة

الأطباء اعتصموا عدة أيام حتى سُمِح لهم بإغاثة غزة

 

* بالعودة إلى نقطة الأطباء العرب الذين استطاعوا دخول القطاع.. كيف تم إدخالهم، خاصةً أن هذا الأمر كان يلقى تعنتًا شديدًا من قِبَل الحكومة المصرية؟

** الأمر كان جدّ صعبٍ، ووصل إلى أن اتصل بنا مسئول كبير في وزارة الصحة، وقال إن مسئولاً أمنيًّا كبيرًا قال له بالحرف الواحد: "ولا رِجْل طبيب ح تدخل"؛ فأصررنا وأصرَّ الأطباء على السفر والوجود برفح، وبالفعل سافر 80 طبيبًا واعتصموا عند المعبر أكثر من خمسة أيام، ومع إصرارهم على الاعتصام ودخول القطاع، ومع التغطية الإعلامية المتميزة، طلبت السلطات المصرية منا قوائم الأطباء، وسمحت بعد ذلك بعبورهم إلى داخل القطاع بإدخال أعداد معينة وفي تخصصات معينة، واتفقنا معهم أن تكون فترة وجود الطبيب داخل القطاع في حدود الأسبوعين ويتم استبداله بعد ذلك بآخر.

 

وفي الحقيقة يجب الإشادة هنا بالجانب الفلسطيني؛ فهو في غاية الترتيب والنظام بالرغم من ظروف الحرب؛ فهناك سيارات تستقبل الأطباء وتوزعهم على المستشفيات داخل القطاع حسب تخصصاتهم وحاجة المستشفيات.

 

* ما التخصصات التي تم إدخالها القطاع؟

** التخصصات التي دخلت القطاع هي التخصصات التي طلبتها وزارة الصحة الفلسطينية، مثل الجراحات التخصصية، وجراحة المخ والأعصاب والأوعية الدموية، وجراحة المسالك، والعظام، والتخدير، والعناية المركزة.

 

ولدينا الآن قائمة انتظار طويلة من أغلب الدول العربية من أطباء في تخصصات مطلوبة داخل القطاع، ويطلبون السماح لهم بدخول القطاع ومساعدة زملائهم داخل غزة.

 

وفي هذه الأثناء وصلنا عبر مصادر داخل الأراضي المحتلة أن الصهاينة منزعجون جدًّا من دخول الأطباء المصريين والعرب، وعرضوا أن تقوم فرق الإسعاف بإخلاء المصابين ونقلهم من غزة إلى مصر في مقابل وقف دخول الأطباء!!.

 

وضع إنساني صعب

* من واقع تواصلكم مع الأطباء داخل القطاع.. ما الوضع الإنساني هناك؟

 الصورة غير متاحة

الوضع الصحي بغزة يُنذر بكارثة

** الحالة داخل القطاع- وكما وصفها لي الأطباء المصريون والعرب الذين استطاعوا الدخول- لا يمكن وصفها بأكثر من عبارة "إن الحالة صعبة للغاية"؛ فالدكتور محمد عثمان- وهو أحد الأطباء المصريين الذين دخلوا مستشفيات غزة- قال لي في اتصال سابق إن الإصابات التي رآها في غزة لم يَرَها من قبل في أي مكان ولا في كتب الطب؛ برغم خبرته في مجال الجراحة، والتي تتعدَّى ثلاثين عامًا.

 

* بالنسبة للجرحى الذين تم نقلهم إلى مصر.. ما دوركم معهم؟

** لدينا فريق خاص لمتابعة ملف الجرحى؛ يعرفون أماكنهم واحتياجاتهم جيدًا ويوفرون أي شيء يطلبونه، وبالرغم من إقبال المصريين على تقديم يد العون للجرحى داخل مصر، إلا أننا لن نتخلَّى عن الجرحى، وسنقوم بتلبية جميع احتياجاتهم تحت أي ظرف من الظروف.

 

* ما حجم التبرعات التي تم جمعها من خلالكم من الشعب المصري؟

** وصلت تبرعات الشعب المصري تقريبًا إلى 10 ملايين جنيه، ونحن كنا نتوقَّع أكثر من ذلك، ولكن إذا وضعنا في الاعتبار أن هناك العشرات من الجمعيات والمؤسسات تجمع تبرعات من أجل غزة، مثل نقابة الأطباء، والجمعية الشرعية، وغيرها من الجمعيات، فسنجد أن هذا المبلغ معقول.

 

ولكن القدر الأكبر من المعونات التي تم تقديمها عبرنا كان من خلال هيئات أجنبية وعربية وإسلامية؛ فقد وصل حجم التبرعات من هذه الهيئات إلى نحو 40 مليون جنيه.

 

التبرع بالدم

* في الأيام الأخيرة أعلنتم عن بدء فعالية للتبرع بالدم من أجل غزة.. فما خلفية تلك الدعوة؟

** بالفعل؛ فقد بدأنا مؤخرًا مشروعًا للتبرع بالدم من أجل غزة، ووضعنا هدفًا لهذا المشروع أن يصل التبرع إلى 7000 كيس دم، وحقَّقنا منه حتى الآن نحو 5000 كيس دم، وقد فكَّرنا في إنشاء هذا المشروع؛ بالرغم من أن الإخوة في غزة طلبوا منا فقط أكياس دم فارغة، والتي أرسلناها إليهم بالفعل، وبلغ عددها نحو 70000 كيس، وبعد أن لاحظنا مدى صعوبة أن يقوموا هم وسط القصف بجمع الدم وتحليله وتصنيفه، فكان من الأفضل أن نقوم بإرسال أكياس الدم إليهم جاهزة للاستخدام فورًا.

 

وقد كان أمامنا خياران في الإعلان عن هذا المشروع: إما أن نُعلن بشكل كبير، وكنا نتوقَّع وقتها أن يتعرَّض المشروع للتعنت من قِبل الأمن ويقوم بوقفه ومنعه، وإما وسائل الاتصال الشخصي عبر رسائل المحمول والإنترنت؛ حتى لا نلفت نظر الأمن إلينا، وبالفعل اخترنا الطريقة الثانية، والتي لاقت نجاحًا باهرًا حتى الآن.

 

ونقوم بإرسال أكياس الدم على دفعات؛ كل دفعة ألف كيس؛ لأنه لا توجد ثلاجات في القطاع يمكن أن يتم تخزين الدم فيها، وخاصةً مع انقطاع الكهرباء الدائم، بالإضافة إلى أننا تعاقدنا لهم على سيارتي نقل دم سيتم تسليمهما قريبًا.

 

* ما أهم الاحتياجات داخل غزة التي لم تستطيعوا إدخالها؟

** في القطاع يحتاجون بشدة إلى ثلاثة مستشفيات ميدانية، وهناك دول تكفَّلت بها، إلا أن الحكومة المصرية ترفض حتى الآن إدخالها!!.

 

يحتاجون أيضًا سيارات دفاع مدني لإطفاء الحرائق، بالإضافة إلى أغذية وبطاطين ومواد إغاثية؛ نحاول قدر المستطاع توفيرها؛ عن طريق التبرعات ومخاطبة الشركات ورجال الأعمال.