- مستشفى الشفاء شاهد عيان على مجازر الاحتلال والعدوان

- المُسعفِون يتحدّون القصف لإنقاذ الشهداء وانتشال الشهداء

- الإصابات تؤكد استخدام الصهاينة كل المُحرَّمات لتدمير غزة

 

غزة- كارم الغرابلي:

جولةٌ واحدةٌ داخل أروقة مستشفى الشفاء بغزة كفيلةٌ بإصابتك بنوبة صراخ لا تتوقَّف من هول المشهد، وربما لا تكفي لمشاهدة ورصد المأساة التي يكابدها سكان قطاع غزة؛ بفعل العدوان الصهيوني الواسع، والذي استمرَّ ثلاثة أسابيع متواصلة، وأسفر عن استشهاد وإصابة أكثر من 7000 مواطن فلسطيني بين طفل وامرأة وشيخ مُسنٍّ.

 

في كل زاوية وركن من زوايا المستشفى التي تجوَّلنا بداخلها آلمت قلوبنا؛ حيث قصة جديدة.. أمهات تبحث بعد يومين من انتهاء العدوان عن أبنائهن؛ لعلهن يعثرن عليهم أحياءً أو شهداءَ.. وآباء يبحثون عن زوجاتهم بين ممرات المستشفى.. وآخرون يحيطون بثلاجات الشهداء للتعرُّف على جثث أقاربهم أو البدء في تشييع شهيد جديد.. وبعضهم يفترش الأرض وبجانبهم جثث أبنائهم ينتحبون ويبكون.. وفي المقابل العشرات من الأطباء يعملون كخلية نحل في نفس الاتجاه بروح عالية وسط أبسط الإمكانيات الطبية.

 الصورة غير متاحة

مسعف يحاول جاهدًا إنقاذ حياة طفل أصيب في غارة صهيونية

 

على مدخل مجمع الشفاء الطبي؛ حيث كانت بداية الجولة الميدانية لـ(إخوان أون لاين) ينتشر العشرات من المواطنين بين الأشجار التي تحيط بالمجمع، فيما يقف العشرات من الأطباء والمُسعِفين في حالة استنفار؛ بانتظار سيارات الإسعاف التي تنقل بعض الجثث والجرحى العالقين تحت الأنقاض.

 

على بوابة الشفاء ما زالت أصوات سيارات الإسعاف التي تنقل الجثث والضحايا هي سيدة الموقف، فيما تعلو وتصدح حناجر آلاف الشباب المتزاحمين، والذين يحملون على أكتافهم جثامين الشهداء، هاتفين: "بالروح بالدم نفديك يا شهيد.. الموت لإسرائيل".

 

داخل أروقة المستشفى الرئيسي والوحيد في مدينة غزة مشاهدُ لا تُصدَّق.. عشرات الآلاف من الأهالي والنساء في تجمعات ضخمة؛ بعضهم يحاول جاهدًا معرفة مصير الأهل والأقارب المفقودين، والبعض الآخر يطلق "زغرودة الفرحة" الممزوجة بدموع الفراق ودعاء الشكر؛ بعد زفاف نبأ استشهاد ابنه أو أحد أقاربه، فيما ينشغل مئات الأطباء والمُسعِفين بتضميد جراح متوسطي حالة القصف، وآخرون يُجهِّزون الحالات الحرجة للعمليات الجراحية.

 

مشاهد تدمي القلوب

مشاهد تقشعر لها الأبدان وتُدمي لها القلوب.. هذا "رائد" واحد من الشباب الفلسطيني يصرخ بصوتٍ عالٍ، مطالبًا بإدخال آلاف الأطباء لإنقاذ العشرات من أقاربه المُضرَّجين بالدماء، ويقول: "الإمكانيات هنا متواضعة جدًّا؛ فالاحتلال الصهيوني يحاصر غزة، ولم تتمكَّن وزارة الصحة الفلسطينية من تحسين أجهزتها الطبية منذ سنوات انتفاضة الأقصى".

 

وأضاف لـ(إخوان أون لاين): "نحن بحاجة إلى أشقائنا العرب الآن أكثر من أي وقت؛ فالآن وقت الشدة.. الأزمة الحقيقية، ولا بد من وقوف الدول العربية إلى جانبنا بشكل جِدِّيّ".

 

أحمد.. شابٌّ آخر فقد ابن خاله؛ يقف ومجموعة من نساء أسرته بجوار جثة محمد في أحد ممرات أقسام المستشفى وهم يبكون، وبينما يعضُّ أصابعه من شدة الحزن قال: "فليشاهد الزعماء العرب ما يحصل لنا من مجزرة.. أعتقد أنهم سرعان ما يُغيِّرون إلى محطة غنائية؛ لكيلا ترقَّ قلوبهم إذا ما شاهدوا طفلةً مُضرَّجة بدمائها على الأرض أو شابًّا فُصلت رأسه عن جسده".

 الصورة غير متاحة

وآخر يؤدي عمله رغم قلة الإمكانيات بأحد مستشفيات غزة

 

وأضاف: "من العيب أن نتكلَّم الآن عن تقصير الدول العربية تجاهنا في غزة؛ لأن المجزرة وما يشاهده المواطن العربي أكبر من التعبير اللفظي، لكن الأمر يرجع لهم أولاً وأخيرًا؛ فنحن هنا في أرض الرباط، وأمرنا الله بالثبات والقتال ضد الصهاينة، وما يحصل فينا من مجازر لن تَثنيَنا عن مواصلة نضالنا وكفاحنا ضد الاحتلال".

 

ضياء.. شابٌّ لم يُكمل العشرين من عمره، بدأ يصرخ بصوتٍ أبكى الجميع من جديد حينما عثر على جثة أخيه أحمد تحت أنقاض أحد البيوت؛ حيث شوَّهت أحد الصواريخ الصهيونية وجهَه وجسدَه، ولم يَتَبَقَّ من رأسه سوى عين وخد فقط لا غير!!.

 

وبصوتٍ زلزل طوابق المشفى بدأ وليد يناجي ربه بكلمة: "يا رب"، ثم علت أصوات بجانب وليد تدعو العرب والحكام والزعماء إلى التدخل.. شابٌّ آخر يقول بصوتٍ مرتفعٍ: "أين أنتم يا عرب؟!.. وين الملايين؟!.. الشعب العربي وين؟!".

 

وقال شابٌّ آخر كان في المكان ذاته: "ما أشطر العرب حينما يستعرضون قوتهم وعتادهم في أعياد استقلال بلدانهم، لكنهم يصبحون أرانب إذا ما سمعوا كلمة إسرائيل!!، فهم يخشونها، ويفضلون أن تصدأ دباباتهم وطائراتهم على أن يقاتلوا بها".

 

مقاتلون في الميدان

بعيدًا عن هذه المشاهد المؤثرة، والتي دفعتني إلى البحث عن إحدى زوايا المشفى لإخفاء دموعي؛ وجدت العشرات من الأطباء ورجال الإسعاف منشغلين بأداء واجبهم ويتنقَّلون بين الجرحى، محاولين إنقاذ ما يمكن إنقاذه بوسائل علاج بسيطة.

 

فهذا طبيب يحاول تضميد جراح أحد المصابين، والذي بدوره يصرخ ألمًا، وآخر يحاول جاهدًا إنعاش أحد المصابين بالتنفس في ظل انقطاع التيار الكهربائي، فيما يجهِّز آخرون الحالات الحرجة للعمليات الجراحية السريعة.

 

ولم يكن الأطباء والمُسعفِون- كغيرهم من الناس- بمأمن من العدوان الصهيوني؛ حيث ارتقى سبعة منهم في ميدان المواجهة وتحت نيران الاحتلال شمال وجنوب القطاع.

 

ووصف عددٌ من الأطباء والمسعفين لـ(إخوان أون لاين) أعمالهم بـ"الخطر"، لكنهم قالوا: "رغم ذلك سنواصل أداء واجبنا الوطني والديني وإن كان الموت مصيرنا".

 الصورة غير متاحة

وثالث يحمل طفلة أملاً في إنقاذ حياتها

 

ويصف المُسعِف عماد العرقان حربهم في ميدان الإسعاف قائلاً: "لا يفرِّقون بين سائقي الإسعاف والأطقم الطبية وأصحاب المنازل المدنيين وبين غيرهم، ولا تُعير الطائرات الصهيونية اهتمامًا أين تنزل القذيفة وعلى من تنزل؛ فهي لا تفرِّق بين البيت والمؤسسة وسيارة الإسعاف والأطفال والنساء والمدنيين وبين غيرهم".

 

وانضم الطبيب عيسى صالح إلى طاقم طبي في شمال قطاع غزة مؤخرًا؛ نظرًا إلى النقص الكبير في هذا المجال، وأضاف العرقان أن صالح كان ضمن طاقم طبي توجَّه إلى مبنى سكني في جباليا لإسعاف عددٍ من المصابين بعد قصف المنزل، وقال إن الطائرات الصهيونية قصفت المنزل مجدَّدًا بينما كان الطبيب والطواقم الطبية بداخله؛ ما أدى إلى استشهاده، كما استشهدت طفلة كان الطبيب يحاول إنقاذها داخل المبنى!.

 

عدوان متعمَّد

وقال المسعف أبو فارس الذي يعمل في منظمة الصليب الأحمر: "لا يفرِّق الجيش الصهيوني بين مدني ومقاوم ولا حتى طواقم طبية.. أكثر من مرة استهدفنا بالقصف والقذائف المدفعية"، وأضاف: "سيارتي تعرَّضت لعدة شظايا حينما كنت أحاول إخلاء العديد من الجرحى في منطقة بيت لاهيا شمال القطاع.. غامرت بحياتي لأجل إنقاذهم.. حياتنا أصبحت يهددها الخطر الشديد".

 

وتابع العكلوك: "أعمل في مهنتي منذ سنين، ولم أشاهد مناظر فاجعة كالتي أشاهدها اليوم.. أطفال مُقطَّعين، وأشلاء متناثرة، وجرحى محترقين، ونساء مُقطَّعات الأوصال.. أحيانًا لا نستطيع لملمة أجزاء الجسد كي نضعها في سيارة الإسعاف".

 

وكثيرًا ما يجد الأطباء الذين يتجرَّءون على الخروج لإغاثة الجرحى وانتشال الأموات أنفسهم تحت نيران دبابات صهيونية، وقال الطبيب والمتطوع هيثم أدغير (33 سنة): إن دبابةً صهيونيةً فاجأت قافلته بالقصف عندما اقتربت من 6 جثث لاحظتها وهي تنقل 6 جثث أخرى، مضيفًا أن ذاكرته تحوَّلت إلى شريط فيديو يعرض الجثث والأشلاء والجرحى.

 

واعتبر الطبيب شوقي صالح (24 سنة) أن التعبير بالاشمئزاز و"القرف" ليس كافيًا لوصف ما يشاهده، مضيفًا أنه إذا لم تكن هناك كلاب تنهش الجثث فإن الفئران تجتمع حولها، وأضاف أنه لم يكن يتخيَّل- وهو الذي يعمل منذ سنتين في مجال الطب- أنه سيرى مثل تلك المشاهد التي لا يعرف كيف يصفها.

 

وضع صعب

وما زالت تعاني مستشفيات قطاع غزة أوضاعًا صعبةً للغاية نتيجة نقص المستلزمات الطبية مقارنةً بحجم الشهداء والجرحى الذين وصلوا إليها؛ حيث لا تستطيع المستشفيات تلبية كافة الخدمات للجرحى؛ ما جعل مجمع الشفاء الطبي- وهو أكبر المستشفيات في القطاع- مهدَّدًا بالانهيار في أية لحظة.

 الصورة غير متاحة

ورابع يجاهد في الميدان لا يهاب الموت

 

ووصف رئيس قسم الجراحة في مستشفى الشفاء باسل بكر الوضع فيه قائلاً: "الوضع مأساوي، ولا يمكن تصديقه، وهو لا يحصل إلا في الكوارث الضخمة"، وأضاف: "هناك عشرات من الحالات الحرجة في المستشفى على الأرض بسبب نقص الأسرة والإمكانيات الطبية"، وأضاف بكر: "هناك 6 غرف للعمليات في المستشفى فقط.. الوضع مأساوي، ولعدم توافر الإمكانات يتم إجراء عمليات لجرحى في غرف تابعة لأقسام عادية".

 

وتابع بكر: "لم نكن نعلم من يحتاج إلى عملية جراحية، ولم أَرَ كطبيبٍ مثل هذا الأمر في غزة، رغم أنني أعمل هنا منذ الانتفاضة الأولى (1987- 1994)م.. لم نصدِّق هذا العدد الضخم من الحالات التي يتم إدخالها غرفة العمليات في وقت واحد.. نقوم بإجراء ثلاث عمليات جراحية في غرفة واحدة وفي الوقت عينه"، وأكد أن "العدد الكبير من الجرحى هو المشكلة الكبرى، وخصوصًا أن التجهيزات في غرف العمليات لا يمكنها استيعاب هذا العدد".

 

أما الطبيب نور الدين يونس رئيس قسم التخدير في مستشفى الشفاء فقال: "عدد الحالات كبير، وعدد غرف العمليات محدود، وأول ما قمنا به هو توزيع العمل على جميع غرف العمليات في المستشفى لتخفيف الضغط، لكن هذا الأمر لم يَكْفِ؛ لأن عدد المصابين كان كبيرًا جدًّا".

 

 الصورة غير متاحة

سيارات الإسعاف بغزة عدها الصهاينة ضمن أهدافهم

وأوضح يونس أن "كبرى المشاكل التي واجهتنا في غرف العمليات هي عمليات نقل الدم"، موضحًا "أننا حاولنا تعويض النقص باللجوء إلى الإمكانات البشرية، وتمت الاستعانة بأدوية مصدرها مصر لسد النقص"، وأضاف: "ما ساعدنا أن طاقم التخدير بكامله كان موجودًا فتم تقسيمه إلى مجموعتين تغطيان 24 ساعة".

 

في ظل هذه المأساة أطلق رائد العريني مدير العلاقات العامة في مستشفى الشفاء نداء استغاثة؛ يطالب فيه المؤسسات الطبية الدولية بالتحرك لإمداد غزة بما تحتاجه من أدوية ومستلزمات طبية.

 

وباسم أطباء غزة ناشد العريني الحكومات العربية التحرك على الأقل بتزويد القطاع بما يحتاجه من مستلزمات طبية لإنقاذ الجرحى، مشيرًا إلى أنه تم نقل الجرحى في بعض المناطق على عربات تجرُّها حيوانات؛ لتوقف سيارات الإسعاف عن العمل نتيجة نفاد الوقود.

 

وقال: "إنه لأمر مُخْزٍ ومُخِلٌّ بحق العالم والعرب أن يُنقَل الجرحى والمصابون على عربات.. ماذا عسى العالم أن يقول وهو يرى أشلاء الشهداء والمصابين تنقل على العربات والدراجات؟! ماذا عساهم أن يقولوا؟!"، واعتبر أن ما جرى بغزة هو إعدام جماعي بحق الفلسطينيين أمام مرأى ومسمع العالم المتحضر.

 

وكانت مصادر طبية قالت إن 21 من الطواقم الطبية استُشهدوا وجُرِح ثلاثون تقريبًا، ودُمِّرت 11 سيارة إسعاف؛ حسب منظمة الصحة العالمية.

 

وقال الطبيبان النرويجيان "ماتس غلبرت" و"إيريك فوسي" التابعان لهيئة إغاثة نرويجية: "مستشفى الشفاء الرئيسي في مدينة غزة على وشك الانهيار؛ حيث يعاني من نقص في الأطباء الاختصاصيين والمعدات الطبية الأساسية".

 

وأضاف الطبيبان أن "نوافذ المستشفى مُحَطَّمة، ومولِّدات الكهرباء تتوقف عن العمل يوميًّا، ونصف المرضى مدنيون؛ بعضهم أطفال مصابون بجراح ناجمة عن الانفجارات والإصابة بالشظايا".