- د. سعد الكتاتني: الخلافات الداخلية بخَّرت إنجاز الجلسة الافتتاحية
- د. الشوبكي: إنجاز القادة العرب تقلَّص في التلويح بسحب مبادرة السلام
- د. عمار علي حسن: صمود المقاومة فرض نفسه على الخطاب الرسمي العربي
- د. أحمد ثابت: المحاور العربية المختلفة تلقَّت ضربات موجعة من قِبل الكيان
- د. عبد الحليم قنديل: القرارات العربية لها سقف لا يمكن تجاوزه
تحقيق- محمد يوسف، نور المصري:
تحوَّلت القمة الاقتصادية العربية بالكويت إلى مادةٍ زئبقيةٍ جديدةٍ في السياسة الرسمية العربية؛ تأرجحت بين الصعود والهبوط؛ بدءًا بالخطابات الرسمية لقادة الدول العربية، إلى البيان الختامي المقتضب الذي خرجت به تلك القمة، فكان العامل الرئيسي الذي فرض نفسه على تذبذب الزئبق السياسي للقادة العرب هو بسالة المقاومة الفلسطينية وصمودها أمام العدو الصهيوني.
فمع "هوجة" تصريحات القادة العرب منذ بداية العدوان الصهيوني على قطاع غزة وتأرجُح الخطابات الرسمية العربية وانعكاسها على انقسام القادة العرب، ومحاولة البعض الصيد في الماء العكر، وإظهار نفسه على أنه الساحر الذي يمسك بعصا وقف إطلاق النار من خلال اتخاذ قرارات بإقامة قمم عربية لوقف المجزرة الصهيونية.. اتخذوا على إثرها قرارات مع وقف التنفيذ؛ لغياب النصاب القانوني.
ثم تأتي قمة شرم الشيخ هي الأخرى لترسم معلمًا جديدًا من صور الغياب العربي الرسمي عن طريق الوحدة التي طالما حلم بها الشعب العربي.
وتأتي أخيرًا قمة الكويت الاقتصادية ذات الطابع السياسي؛ نتيجةً للضغوط الشعبية الجماهيرية العربية؛ لتجعل العيون مترقبةً إياها وكأنها القشَّة التي يتعلَّق بها الغريق، رغم إيمان الشعب العربي أن تلك القمم تُعقَد لتنفضَّ.
![]() |
|
السعودية قادت مصالحة عربية خلال قمة الكويت |
ولكن ما حدث في قمة الكويت- وخاصةً في الجلسة الافتتاحية- قلب الموازين رأسًا على عقب؛ فالقادة غير القادة الذين نعرفهم؛ فالكل يشجب ويُدين ويتهم الكيان الصهيوني باتهامات لم نكن نعتادها، وصلت إلى حدِّ المطالبات بمحاكمة قادة الكيان؛ ردًّا على مجازر بشعة نُقلت عبر شاشات التلفاز، ليس هذا فحسب، بل أعلن العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز أن مبادرة السلام العربية لن تكون مطروحةً بعد الآن على طاولات المفاوضات أكثر من ذلك.
بل وأعقبت تلك الكلمات الجزئية للقادة العرب جلسات مصالحات بين القادة العرب؛ أبرزها المصالحة المصرية القطرية والسعودية السورية، ولكن سرعان ما عادت الخلافات لتطفوَ على ساحات السياسة العربية؛ نتيجة اختلاف وجهات نظر وزراء الخارجية حول البيان الختامي لإعلان الكويت، مع تحفظات الوفد المصري على إدراج مقررات قمة الدوحة في البيان الختامي لقمة الكويت، كما برزت تبايناتٌ عربيةٌ واضحةٌ بشأن المبادرة العربية للسلام.
وفي النهاية خرجت القمة ببيانٍ هزيلٍ أعلن عنه أمين جامعة الدول العربية عمرو موسى؛ أكد فيه ضرورة وقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة، ورفع الحصار، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع، وتثبيت وقف إطلاق النار، وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب ضد المدنيين في قطاع غزة، وكذلك تقديم كافة أشكال الدعم المالي والسياسي للشعب الفلسطيني؛ في تجاهلٍ لقرارات قمة الدوحة، لتضيع صورة التكاتف العربي التي برزت في اليوم الأول.
![]() |
|
د. محمد سعد الكتاتني |
وفي تعقيبه على ذلك أكد الدكتور محمد سعد الكتاتني عضو مكتب الإرشاد ورئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن ما يسمَّى بمحور الاعتدال في المنطقة- والذي كان ولا يزال يتخذ موقفًا معاديًا ضد المقاومة- وجد نفسه في موقفٍ مُحرِجٍ أمام صمود المقاومة ومن ناحيةٍ أخرى الاستهتار الصهيوني به، مدلِّلاً على ذلك بذهاب الكيان الصهيوني إلى إبرام اتفاقية تمس السيادة المصرية مع الولايات المتحدة دون الرجوع إلى القيادة المصرية؛ الأمر الذي أحرجها كثيرًا أمام قادة المنطقة والرأي العام العربي وقيام الكيان الصهيوني بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في قطاع غزة؛ دون التشاور أو الرجوع إلى حلفائها من القادة العرب.
فرحة لم تكتمل
وأكد الكتاتني أن القمة الاقتصادية بالكويت- وللأسف- بدأت جريئةً وبقرارات جديدة على القادة العرب، ولم تكن مُتوقَّعةً منهم بالمرة، بالإضافة إلى إجراءات المصالحة المصرية القطرية، والسعودية السورية، ثم تحوَّلت تلك فجأةً في اليوم الثاني للقمة إلى سجالٍ وخلافٍ بين وزراء الخارجية العرب حول البيان الختامي للقمة؛ الأمر الذي أضاع حتى الفرحة بصور التكاتف التي رُسمت أمس.
مخطط صهيوني
د. عمرو الشوبكي

ويرى د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن ما حدث من تغيُّر طفيف في الخطاب العربي الرسمي في قمة الكويت "عَكْس العادة"؛ جاء نتيجة استشعار النظام العربي الرسمي الخطر، وخاصةً بعد الترتيبات الصهيوأمريكية التي كُلِّلت بتوقيع بروتوكول "ليفني- رايس" الأمني، والذي يهدف إلى محاصرة العالمين العربي والإسلامي بريًّا وبحريًّا وجويًّا تحت عنوان محاصرة حماس ومنع تهريب السلاح إلى الجماعات الإرهابية (المقاومة) داخل قطاع غزة.
ترهُّل سياسي
وأوضح الشوبكي أن رد فعل القادة العرب المتحفّظ بعض الشيء- الذي جاء في القمة الافتتاحية لقمة الكويت الاقتصادية ذات الطابع السياسي- هو الحد الأقصى الذي يمكن توقعه من القادة العرب في ظل الهيمنة الأمريكية على المنطقة واستمرار التعنت الصهيوني واستمراره في سياسة القتل والتدمير والاستيطان في الأراضي الفلسطينية.
وأكد الشوبكي أن أفضل ما خرجت به القمة الاقتصادية في الجلسة الافتتاحية هو التلويح بسحب المبادرة العربية للسلام، واعتبار أنها لن تدوم كثيرًا في ظل العدوان الصهيوني المتواصل، مشيرًا إلى أن القادة العرب أحسُّوا أنه من غير المقبول استمرار التمسك بخيار "السلام"، في حين يرفضه الطرف الصهيوني ولا يعترف بها أصلاً، معتبرًا ذلك غايةَ ما يمكن أن يقوم به نظام عربي مترهِّل وضعيف.
صورة دراماتيكية
ورحَّب الشوبكي بالصورة الدراماتيكية للمصالحة التي تمَّت بين بعض الدول العربية على هامش القمة، موضحًا أن فترة الحرب الصهيونية على غزة أثبتت بما لا يَدَعُ مجالاً للشك مدى ترهُّل وتفكُّك النظام العربي الرسمي، مؤكدًا أنه ليس المهم المصالحة الصورية فقط، ولكن المهم أن تتعلَّم تلك النظم كيفية إدارة الخلافات فيما بينها بعيدًا عن التخوين وتعطيل آلية العمل المشترك فيما بينها.
وانتقد الشوبكي عجز القادة العرب عن إلزام الكيان الصهيوني إعادة بناء قطاع غزة خلال العدوان الأخير، واستمرار تحمل الشعوب العربية ضريبة الجرائم الصهيونية من الناحية المادية والنفسية.
حراك
د. عبد الحليم قنديل

ويضيف الدكتور عبد الحليم قنديل منسق حركة كفاية ورئيس تحرير جريدة (صوت الأمة) أن اللهجة الجديدة التي تحدَّث بها القادة العرب في قمة الكويت الاقتصادية جاءت لسببين رئيسيين: الأول صمود المقاومة في قطاع غزة، والثاني صمود الجبهة الجماهيرية الداخلية أمام العدوان وفشل الكيان الصهيوني في كسر إرادة حركة المقاومة الإسلامية حماس، كما وعد في بداية حملته وراهنت بعض الأنظمة على ذلك.
بالإضافة إلى الحراك الشعبي العربي والعالمي غير المسبوق؛ المتضامن مع أهالي قطاع غزة والمقاومة والمناهض للكيان الصهيوني وللنظام العربي الرسمي؛ مما ألزم القيادة العربية باتخاذ مواقف أكثر فاعلية.
حبر على ورق
وأكد قنديل أنه استبعد أن يخرج الحكام العرب في قمة الكويت بقرارات على قدر تطلعات الشعوب العربية، مشيرًا إلى أنهم إذا خرجوا بها فلن تتعدَّى أن تكون قراراتٍ على ورق غير قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث لم تتجاوز القرارات الحد الأدنى من سقف التطلعات الجماهيرية العربية.
وأكد قنديل ضرورة عدم الركون إلى كلمة معسولة يقولها حاكم من هنا أو هناك، مطالبًا الشعوب العربية بمواصلة الضغط على الأنظمة الحاكمة لتنفيذ وعودها وفتح معبر رفح باستمرار.
سقوط المعتدلين
د. عمار علي حسن

ويشير د. عمار علي حسن مدير مركز دراسات أبحاث الشرق الأوسط إلى أن صمود المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة طوال فترة الحرب الصهيونية على قطاع غزة هو الذي صنع هذا التحوُّل والتغيُّر البسيط في الخطاب الرسمي العربي، وهو ما أسموه "للقادة العرب المعتدلين" في قمة الكويت.
لافتًا إلى أنه إذا لم تكن حماس والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة قد صمدت أمام الكيان الصهيوني وانتصرت عليه ما كنا لنرى هذا التحول في الخطاب الرسمي العربي نحو التشدُّد "بالمنظور الرسمي".
خيبة أمل
وأوضح حسن أنه واضحٌ من قمة الكويت أن الأطراف العربية التي وقفت ضد حماس وراهنت على الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ قد شعرت بخيبة أمل كبيرة من نتاج الحرب الصهيونية على قطاع غزة، وأن الأطراف التي دعمت المقاومة الفلسطينية وساندت حماس في حربها ضد الكيان الصهيوني شعرت بقوة موقفها وسيرها في الاتجاه الصحيح.
وأكد حسن أن ما سمَّوه "مصالحة سعودية مصرية كويتية سورية قطرية" في قمة الكويت بين طرفي الحكم في العالم العربي "المعتدل والمتشدد" ما كان ليحدث لو لم تنتصر المقاومة في غزة.
تغير شكلي
د. أحمد ثابت

واعتبر د. أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس أن هذا التغير في موقف الخطاب العربي الرسمي في قمة الكويت هو تغيرٌ شكليٌّ فقط، وأنه محاولة لتجميل صورتهم ولإخفاء إخفاقهم وفشلهم الذريع في وقف المجزرة الصهيونية على قطاع غزة وفتح المعابر ورفع الحصار.
كما اعتبر أن هذا التغير هو محاولة أيضًا للاعتذار للشعب الفلسطيني لما لحق به من دمار وقتل وتشريد على يد آلة الإرهاب الصهيوني، ولاسترضاء الشعوب العربية التي خاب أملها في تلك الأنظمة؛ لفشلها في التعامل مع الهيمنة الصهيوأمريكية.
ضربة قاسية
وأوضح ثابت أن الكيان الصهيوني دمَّر في عمليته العسكرية الأخيرة على قطاع غزة ما كان يُسمَّى "بمحور الاعتدال العربي" في المنطقة؛ حيث شعر هؤلاء "القادة العرب المعتدلون" أن الكيان الصهيوني في سبيل تحقيقه أطماعه وتوسعاته في المنطقة لا يُلقي أي اعتبار بأصدقائه العرب، ولا يُفرِّق بين من هو "معتدل" ومن هو متشدِّد، ولا يوجد فرق بين هذا وذاك؛ حيث تكون المصلحة فوق كل شيء، وإن كان محور الاعتدال تلقَّى ضربةً قاسيةً في العدوان الصهيوني الأخيرة في قطاع غزة.
نصر للمقاومة
وأضاف ثابت أن ما يُسمَّى بمعسكر "المقاومة" أو "المتشدد" من الحكام العرب قد حقَّق مكاسب إضافية على حساب ما يُسمَّى بالمعسكر "المعتدل"؛ نتيجة صمود المقاومة في قطاع غزة وفشل رهان البعض على القضاء عليها، ودخول دول مثل تركيا لها علاقات قوية مع الكيان الصهيوني على خط مهاجمة الكيان، وقطع دول مثل موريتانيا علاقاتها بالكيان.
ورحَّب ثابت بتعهُّد العرب بإعادة بناء قطاع غزة، غير أنه رأى أنه كان ينبغي للنظام العربي الرسمي إلزام الكيان الصهيوني بدفع تعويضات عن التدمير الذي لحق بالقطاع وتولَّى مسئولية إعادة بنائه "وإن كان هذا من رابع المستحيلات".
وتعجَّب ثابت من استعداد الجميع لإرسال مساعدات إلى قطاع غزة في ذلك الوقت بالتحديد، وهم أيضًا من تركوا قطاع غزة منذ سنوات؛ يعاني الحصار والموت والجوع.

