الصورة غير متاحة

 محمود قشطة

 

ظهرت الموشحات قديمًا ببلاد الأندلس- أيام ضعف الوجود الإسلامي وظهور دول الطوائف- ثم انتقلت فيما بعد إلى الشرق الإسلامي- وظل لواء هذا الفن يرتفع تارةً ويخبو أخرى مصبوغًا بلون الوقت والمصر الذي تنساب داخله تلك الموشحات.

 

وهذه الموشحات قد ارتبطت في بداية ظهورها بالصبابة واللوعة ومناجاة الأطلال إلا أن مصرنا العزيزة أضافت لها- في القرن 21 لونًا أحمر قانيًا يرتبط بالشأن السياسي، فظهرت موشحات كثر تتناول تضحيات المصريين من أجل فلسطين وأدوات النظام السياسي المصري لحل مشكلة فلسطين.

 

وشأن أي فن من الفنون فإن هذه الموشحات قد تزداد تأنقًا وسموًا أو تنحدر سفولاً وهبوطًا، ويرجع ذلك- في كلتا الحالتين- إلى ثقافة المبدعين لها والمنشدين بها، وموشحاتنا السياسية المصرية من النوع الثاني الذي تعافه العين والأذن ومنها:

 

1- الموشح الأقدم "حضارة 7  آلاف سنة" الذي تنصرف معانيه إلى الحضارة الفرعونية والسبق الحضاري لكل بلاد الدنيا "مصر أم الدنيا"، فما إن يكشر في وجه مصر أحد حتى تنطلق الحناجر منشدةً بهذا الموشح تلعن مَن يهاجم صاحبة الحضارة ذات السبعة آلاف عام أم الدنيا وليس محاورته ومناقشته؛ وكأن كل ما يملكه المصريون هو أنهم ولدوا على أرضية هذه الحضارة فقط وليس لهم صلة بالحضارة الحديثة. وهذا حق؛ فنحن مهزومون على كل الأصعدة الحضارية الحديثة؛ في الرياضة- التعليم- الاقتصاد- السياسة-.... إلخ.

 

2- الموشح الأشهر "4 حروب" فما إن يوجه نقد ما إلى السياسة المصرية حتى ينطلق المنشدون بهذا الموشح مذكرين بما فعلته مصر من أجل القضية الفلسطينية وأن مصر- في سبيل ذلك خاضت 4 حروب. ولا ندري هل كانت حرب 1948 على ثرى فلسطين من أجل أهل فلسطين أم من أجل ذلك الخطر الوليد على الحدود الشرقية لمصر؟! إن الجيوش العربية السبعة التي اشتركت في حرب 1948 كان أحدها يقودها جنرال إنجليزي يدعى جلوب باشا!! والجيش الآخر كان يطلب منه التقدم وإطلاق النار تجاه العدو فيكون الرد "ماكو أوامر"!!.

 

وهل كانت حرب 1956 من أجل فلسطين أيضًا وما شأن حرب 1967, 1973 بذلك؟ ألم ينشد المنشدون أن حرب 1973 كانت لإزالة آثار العدوان؟ وهل تمت إزالة آثار العدوان في فلسطين وهي طرد المحتل من القدس والضفة والقطاع؟ وماذا يقولون وقد أعلنوا أن حرب 1973 هي آخر الحروب؟ إنه موشح ممجوج.

 

3- أما هذا الموشح المسمى "120 ألف جندي" فإنه يرتبط بسابقه المعروف باسم "4 حروب" فما إن ينظر أحد شزرًا إلى النظام السياسي المصري حتى تدق الطبول ويصوت الأرغول بهذا الموشح.

 

فما دخل فلسطين بـ"120 ألف جندي"؟ ولماذا لم تنتصر مصر وقد ملأت الدنيا صياحًا وهياجًا عام 1967 وأن إسرائيل ومن وراءها ستلقى في البحر. بقي الإعلان أن مصر فقدت 120 ألف مصري في حفر قناة السويس من أجل فلسطين!!

 

تواكب مع كل ذلك موشح "الشقيقة الكبرى"، وهي فعلاً كبيرة بطاقاتها وإمكانياتها ولكنها صغرت بنظامها وقادتها حتى نافستها شقيقات لها أصغر أرضًا وتاريخًا أكبر دورهن نظمها وقادتها حتى عضت مصر نواجذها غيظًا منهن وحسدًا وغيرةً.

 

4- أما موشح "الملالي والحكماء" والذي تدور قافيته حول الدول العربية المعتدلة والحكيمة وفي مقابلها تلك الدول والمنظمات التي تأتمر بأوامر الملالي ومنها حركة حماس، فهو موشح يثير الدهشة، فما الذي جعل حركة حماس تدور في ذلك الفلك الملالي إن كان ذلك حقًّا؟ ألم يمنع قادتها من مقابلة رأس النظام السياسي المصري؟ ألم يتركوا الساعات الطوال على معبر رفح حتى يسمح لهم بالعبور؟ ألم يسجن بعض منتسبيها بالمعتقلات المصرية؟!

 

5- نأتي إلى موشح "5 نجوم" والذي نظمت قوافيه على قادة حماس الذين يقطنون بالفنادق ذات الخمسة نجوم والذين لا يحسون بمعاناة شعبهم ولا تتفق رؤاهم السياسية مع واقع شعبهم وتطلعاته. وكأن هؤلاء القادة قد اختاروا الاغتراب السياسي بعيدًا عن وطنهم، وأن تنقلهم من بلدٍ إلى آخر سياحةً وتنزهًا، وكأنهم اختاروا "مرج الزهور" قبل ذلك مصيفًا لهم، ففي الوقت الذي كانوا يطردون فيه من بلد إلى بلد كانت "أم الدنيا" تحتضن "جون جارنج " وتمطره بعبق القبلات. وأين ياسين وعياش وشحادة والرنتيسي وأبو شنب وريان وصيام وغيرهم؟ وأين كانوا يعيشون؟

 

6- أما موشح "الإمارة الإسلامية" والذي بني معناه على الخطر الداهم على الحدود الشرقية لمصر بتكوين إمارة حماس الإسلامية بقطاع غزة؛ فإن هذا الموشح- للأسف- هو الذي استقر في قلب النظام السياسي المصري وعقله، وأصبح الهاجس الذي يفزع النظام برمته من نومه حتى يهب مذعورًا ينادي في جوف الليل وا كرسياه!! ونسي الخطر الصهيوني على الحدود.

 

7- ونأتي- أخيرًا- إلى الموشح الرومانسي المفعم بالآهات والتشنجات.. "الجريح" أداء الفرقة الوطنية للموشحات القومية. فقد سمحت الشقيقة الكبرى أم الدنيا وبعد واحد وعشرين يومًا من العدوان الهمجي على غزة بعبور  140 جريحًا فلسطينيًّا للعلاج بالمستشفيات المصرية من إجمالي 5100 جريح بنسبة حوالي 3% من إجمالي الجرحى.

 

وكأن الدنيا كلها لم تعلم أن مصر تغلق معبر رفح أمام قوافل الإغاثة وتطارد مرافقي تلك القوافل، وكأن الدنيا كلها لم تسمع أن مصر منعت الوفد الطبي المصري رئاسة د. محمد عثمان بدخول غزة بحجة الخوف على حياتهم ثم عادت وسمحت لأحد عشر طبيبًا بالدخول إلى غزة بعد كتابة إقرار على أنفسهم بتحمل تبعات دخولهم غزة لعلاج ذويهم!! ثم أين أنت من هذه الطرفة، إن معبر رفح محكوم باتفاقية 2005م؟ فإذا لم تقهقه فأين أنت من أن معبر رفح مخصص لعبور الأفراد وليس عبور الناقلات؟!! اضحك يا عم وفرفش.

 

هذا غيض من فيض الموشحات السياسية المصرية التي انتشرت عبر الأثير السياسي مؤخرًا استقبلها معظم الجمهور على وجه الأرض بنكران واستغراب مما دفعه لإلقاء الكراسي والأحذية على فرقة الموشحين والمنشدين بقيادة زرياب الموصلي.