الملف الأول: المقاومة


قرار الكابينت الصهيوني وقفَ العدوان على قطاع غزة من طرف واحد يدل على انتهاء هذه المعركة إلى حين قصير، والتي تبدو أنها الحلقة الثانية من ملف الحرب الذي أعدَّه الكيان الصهيوني منذ وقت، والذي بدأ بالحرب على لبنان.

 

انتهت هذه الجولة الصهيونية بفشلٍ كبيرٍ كما يشير الواقع الميداني على أرض غزة؛ فلم يتحقَّق للصهاينة أيٌّ من أهدافهم المعلنة قبل بدء العدوان، وقد لاحظنا من حديث بعض القادة الصهاينة أنهم يكسون كلامهم بشيءٍ من الغموض عند الحديث عن أهداف العدوان؛ لخوفهم من تكرار سيناريو لبنان، ومع ذلك وتحت الضغوط فقد صرَّحوا بأنهم يريدون تغيير المعادلة الأمنية في قطاع غزة، وإسقاط حكم حماس، بالإضافة إلى إضعاف إمكانيات المقاومة، وكل ذلك لم يتحقَّق شيءٌ منه.

 

وإذ كان العدوان العسكري قد انتهى بعد بضعةٍ وعشرين يومًا من الدمار والقصف والتخريب، فإنه ما زال أمام فصائل المقاومة- وعلى رأسها الحكومة الشرعية في غزة، والممثلة لحركة حماس- ملفات مشتعلة لا تقل ضراوةً عن الحرب.

 

إذن مع انتهاء العدوان الصهيوني وفشله نستطيع الآن أن نرفع رءوسنا عاليًا وأن نفخر بنصر مقاومتنا الباسلة في قطاع غزة؛ فهذا النصر العظيم الذي تحقَّق في قطاع غزة، بدماء آلاف الشهداء والجرحى، جاء ليؤكد لنا أن اختيارنا وثقتنا التي أوليناها للمقاومة كانت صائبة، وأن تضحيات أبناء الشعب الفلسطيني هي التي ستُنير الدرب لتحقيق حلم الحرية ودحر الاحتلال وطرده من الأرض الفلسطينية بسواعد المقاومة.

 

ملف المقاومة سيكون أحد الملفات المشتعلة ما بعد العدوان؛ وذلك لأن فكر المقاومة ومشروعها سيكونان في بؤرة الاستهداف الصهيوني والعربي والدولي؛ فما حقَّقته المقاومة الفلسطينية من صمود أسطوري في قطاع غزة، ومنع الاحتلال وقواته من التقدم وتحقيق الأهداف التي يريدها، هذا جعل كل من يراهن على الآلة الصهيونية في تحطيم قوة المقاومة- سواء من أطراف سلطوية أوسلوية، أو من المعتدلين العرب- في مأزقٍ أكثر صعوبةً من مأزق "حرب تموز" الماضية؛ ولذلك ستحاول هذه الأطراف أن تعمل على المسار الدبلوماسي أو السياسي "الخياني" لتعطيل مشروع المقاومة، والتضييق على مواردها من خلال المبادرات والحلول السياسية التي تسعى هذه الأطراف إلى إيجادها بأسرع وقت ممكن.

 

المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة يجب أن تستمر، وأن تكون لدى الشعب الفلسطيني وقيادته خيارًا إستراتيجيًّا، وأن تبقى قوية ما دام الاحتلال جاثمًا على هذه الأرض؛ من هذا المنطلق يجب على فصائل المقاومة أن تكون حذِرةً ويقِظةً في التعامل مع جميع المبادرات والأطروحات السياسية التي تُعرَض عليها، وأن تصر كذلك على أن تكون هي صاحبة الكلمة الأولى في أي حل أو تفاهم تسعى بعض الأطراف إلى إيجاده.

 

على فصائل المقاومة أن تكون مدركةً أن الشعب الفلسطيني وأمهات الشهداء والجرحى والمعتقلين، ومن خلفه الشعب العربي وأحرار العالم وأصحاب الضمائر الإنسانية الحرة؛ يُعلِّقون آمالهم على فصائل المقاومة الفلسطينية، وأن الشعب الفلسطيني وضع ثقته في خيار المقاومة؛ لكونها تمثِّل آخر أمل لهم في تحقيق كل ما حلموا به.

 

الآن يتوجَّب على الشعب الفلسطيني أن يمنح المقاومة أكثر من ثقته وأمله، بل أن يحتضنها ويدافع عنها؛ لأنها هي القادرة على الدفاع عن أرض الشعب الفلسطيني وأحلامه ومقدساته، ومن الضروري أن تتجسَّد صور احتضان المقاومة في المشاركة في مسيرات التأييد، وتجديد الثقة لفصائل المقاومة، للمضي قدمًا في سبيلها، وتحقيق أهدافها وأهداف شعبها.

 

المقاومة الفلسطينية التي خاضت أول معركة شرسة بهذا الحجم على الأرض الفلسطينية لأول مرة، أثبتت من جديد قوتها وصلابتها ومدى إيمانها بفكرها، ونلمس صلابة الفكر وصدق التصريحات لرجال المقاومة ومفكِّريها من خلال ما ترتَّب على نتائج العدوان.

 

المقاومة الفلسطينية قالت إنها ستدافع عن الشعب الفلسطيني ولن تسمح للصهاينة بدخول غزة إلا على أشلاء المقاومين، وصدقت المقاومة ودوَّنت أساطير من الصمود والتحدي، ومنعت آلة الدمار الصهيوني من دخول غزة، وكذلك كانت المقاومة صادقةً مع جماهيرها التي وعدتها بالمفاجآت وتكبيد العدو خسائر كبيرة.

 

الآن صواريخ المقاومة، والتي وصفها عباس "المنتهية ولايته واللا شرعي" بالعبثية.. الآن أصبح يصل مداها إلى أكثر من 50 كم، وتطال مواقع حساسة وبالغة الأهمية للصهاينة، كقاعدتي مالاخيم وحتسور العسكريتين.

 

حقَّقت المقاومة الفلسطينية بصمودها أمام آلة الاحتلال الصهيوني، وصلابتها وجرأتها، أهدافًا بالغة الأهمية؛ بدأت تبدو ملامحها على أرض الواقع شيئًا ملموسًا، بعد حرب غزة وانتصار المقاومة.

 

ارتفعت شعبية حركة حماس ومعها فصائل المقاومة كثيرًا، بل إن هذه الحرب زادت من جماهيريتها؛ ليس في الشارع الفلسطيني فحسب، بل في الشارعين العربي والدولي أيضًا، ولاحظنا الحشد والدعم والتأييد الذي لاقته فصائل المقاومة الفلسطينية من مختلف أصقاع العالم، وهذا الأمر قد أعاد إلى القضية الفلسطينية بريقها الذي اختفى إثر سلامهم الملعون في واشنطن.

 

المقاومة أكدت لكل من راهن على غير خيارها أنه كان مخدوعًا وواهمًا، والسلطة الفلسطينية في مقدمة هؤلاء؛ فعباس اللا شرعي والمنتهية ولايته وعصابة الأربعين حرامي الذين يشاركونه اغتصاب السلطة، باتوا منزعجين كثيرًا من صمود المقاومة وانتصارها، ولم يخرج أيٌّ منهم ليتحدَّث عن صمود المقاومة وصلابتها في الدفاع عن الشعب، وتطورها الهائل في الفكر والإمكانيات، بل العكس: خرج علينا في أول يوم من العدوان مستشار عباس "نمر حماد"- وهو المعروف عنه أنه مربوط بالموساد الصهيوني منذ أربعين عامًا- بأوراقٍ ومستنداتٍ موثقةٍ لدى قيادة المنظَّمة في الخارج، وأنه شارك في تقديم معلومات للموساد لاغتيال بعض رموز المنظمة في أوروبا؛ حيث كان مندوب المنظَّمة في روما.

 

هذا الرجل خرج من أول يوم ليحمِّل حماس والمقاومة مسئولية الدم والمجازر، مدافعًا عن الكيان الصهيوني ومانحًا إياه براءة دحلان الذي شارك في اجتماعات مع جنرالات صهيونية في القاهرة ثالث أيام العدوان للتباحث، ووضع الخطط اللازمة لضرب المقاومة، وقد عبَّر عن فرحه الكبير للعدوان الصهيوني على غزة خلال مقابلة صحفية له مع صحيفة ألمانية، طالبًا من الكيان الصهيوني القضاء على المقاومة وسحقها.

 

هذه التصرفات تطال عباس المنتهية ولايته الذي كان يعلم بوجود قوات فلسطينية ترابط على معبر رفح المصري لدخول غزة متى نجح الكيان الصهيوني في القضاء على المقاومة كما قالت صحيفة (النهار) اللبنانية.

 

على السلطة أن تكفَّ عن مسلسل الانبطاح والهرولة إلى الصهاينة، وأن تدعم صمود هذا الشعب وتعزِّز إمكانياته في مقاومة العدوان الصهيوني بكافة الأشكال، وهذا الأمر يتطلَّب طرد الجنرال الفاشل دايتون من إقطاعية رام الله، ووقف التنسيق الأمني من قِبل رؤساء الأجهزة الأمنية مع قوات الاحتلال، والكف عن تقديم المعلومات عن المقاومة ومطاردتها وملاحقتها ومصادرة أسلحتها، بل يجب على السلطة التي باتت الآن غير شرعية وغير قانونية أن تطلق سراح المئات من المقاومين والمحتجزين في سجونها، وأن تعطيَهم سلاحهم الذي صادرته السلطة؛ لأن احتجازهم استهزاءٌ بكل الأحاديث عن الوحدة الوطنية، وعن القانون والشرعية.

 

المقاومة انتصرت وأعادت إلينا شيئًا من الكرامة المستلبة عبر متاهات أوسلو العَفِنة، والآن المطلوب هو تقديم الدعم العربي الرسمي والشعبي للمقاومة، من أجل تطوير إمكانياتها وعتادها لما هو آتٍ؛ فالمقاومة أثبتت للقاصي والداني قدرتها على صد وإفشال جميع المخطَّطات التي يسعى الكيان الصهيوني إلى تكريسها على أرض الواقع، إضافةً إلى المصداقية التي تمتَّع بها قادة المقاومة، والذين صدقوا حين قالوا إنهم مشاريع شهادة؛ فها هو العالم والشيخ الكبير نزار ريان يضحِّي بنفسه وعائلته من أجل أن يصدق أمام الجماهير التي دعاها إلى عدم الخروج من المنازل المهدَّدة بالقصف، ومثله القائد الوطني الشهيد سعيد صيام الذي ما تخلَّى عن واجبه الوطني، وكان يتابع بكل وقت الخطة الأمنية الطارئة على أرض الواقع.. هؤلاء قادة لن يجد العالم بأسره رجالاً بصدقهم ووطنيتهم.

------

* الضفة المحتلة.