لم ينقشع غبار القنابل الفسفورية البيضاء حتى مساء الجمعة الماضية في مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأنروا" في غزة، فما زالت الحرائق مشتعلةً في أركان المبنى، ولكن مع صباح يوم السبت حضر من تبقَّى من طلاب ومدرِّسي مدرسة "الفاخورة"- التابعة لنفس الوكالة في غزة- طابور الصباح صامدين، استُشهد منهم من استُشهد عندما استهدفت الغارات مدرستَهم بنفس الجنون والإجرام، واستُشهد أيضًا عددٌ ضخمٌ من أهلهم.. أمهات وآباء وإخوة وجيران، ومع ذلك توافد الطلاب والمدرِّسون ليُعلنوا للعالم أجمع أن شعب غزة يريد الحياة؛ الحياة الحرة الكريمة؛ حياة العزة والإباء والشموخ، لا حياة الذل والخنوع.

 

وأصرَّ بقية طلاب وأهالي قطاع غزة على أن يلملموا ما تبقَّى من كتب وكرَّاسات، ويلبسوا ما تمزَّق من ملابس، ويذهبوا إلى المدارس التي بدأ بعضها يومه الدراسي متحديًا، وأعاق الدراسة في البعض الآخر حجم الدمار الشديد الذي لحق بالعشرات منها، وتواجه صعوبات شديدة، ويصر الطلاب على المضيِّ قدمًا في مشوار حياتهم، معلنين أنهم كشعبٍ سيظلون يواصلون احتفاظهم بأعلى نسبة تعليم في المنطقة في ظل ظروف مأساوية منذ ستين عامًا.

 

وكما كان في حرب يوليو 2006م؛ ثار جدلٌ كبيرٌ عن معنى النصر ومعنى الهزيمة، وكان الهجوم على السيد حسن نصر الله شديدًا (تابعته من سجني في مزرعة طرة، عندما احتفل بما أطلق عليه يومها "النصر الإلهي"، ولم يهدأ جدل المعلِّقين العرب إلا بعد صدور تقرير "فينوجراد" الذي أقرَّ بهزيمة الجيش والساسة الصهاينة).

 

العجيب أنه لا يوجد في الغالب مراقب محايد أو موضوعي؛ فالكل منحاز إلى عقيدته وقناعاته السابقة، وكلٌّ يجد من مسار الأحداث ما يمكن له به أن يؤيد وجهة نظره حتى تفاجئه الأحداث من جديد؛ فهناك من يراجع نفسه ويعود إلى الصواب الذي اختلف معه طويلاً، وهو قليل نادر، وكثيرٌ يصر على رأيه ولا يراجع نفسه.

 

اليوم- حتى في الجانب العسكري- هناك من يناقش من المنتصر ومن المهزوم، ولكن في جانب السياسة لا يوجد جدال كبير حول صمود أهل غزة وشعبها وانتصار إرادة الصمود والتحدي للحرب النفسية التي أراد بها العدو أن يهزم غزة معنويًّا وأن يؤدبها على تأييدها خيار المقاومة واختياراتها السياسية لحماس في الانتخابات الشهيرة في 2006م، والتي كانت السبب الرئيسي لهذه الحرب على الشعب، لا على المقاومة أو حماس.

 

ولاحظ هنا إصرار أركان العدو على التأكيد المستمر في تصريحاتهم أنهم لا يستهدفون الناس ولا الشعب، ولكنهم يؤدبون حماس، بينما على الأرض لا يقتلون إلا المدنيين أطفالاً ونساءً ورجالاً وعائلات بأكملها، وقد استُشهد من حماس وقادتها قبل الحرب من 2000م إلى 2008م أكثر بكثير ممن استُشهدوا في هذه الحرب المجنونة الفاشلة.

 

ومن العجيب أنك تجد في صحف صهيونية وأمريكية مَن يُعلن بوضوح انتصار حماس، ولا تجد ذلك حتى عند أنصار حماس في الصحف العربية؛ لعله بسبب حجم الضحايا ومرارة الخذلان العربي للمقاومة.

 

كثيرٌ من المراقبين يقررون أن حماس لم تستطع مواجهة الآلة العسكرية الجبَّارة للعدو، ويتغافلون عن أنها لا تملك تحت الحصار ما يمكِّنها من أداءٍ كالذي فعله "حزب الله" في جنوب لبنان؛ حيث الأدغال والأحراش، وحيث الإمداد المتصل عبر الحدود والغطاء السياسي والدبلوماسي من سوريا وإيران، بينما حماس محاصَرَةٌ داخل غزة، خطوط اتصالاتها مع قيادتها بالخارج- وهذا في حدِّ ذاته مصدرُ خطرٍ وإزعاجٍ في عدم وجود القيادة في مكان واحد- صعبة، وسندها الشعبي في الضفة (مصدر القوة الرئيسي في الشأن الفلسطيني) محاصر بشدة ومقموع بعنف من جانب الاحتلال والتنسيق الأمني؛ الذي تقوم به مجموعة "رام الله" بقيادة عباس وفياض وشيوخ منظمة التحرير التي لم تعد تهتم إلا بالبقاء في مواقعها إلى آخر نفَس دون أي اهتمام بالتحرير ولا بالمقاومة، وشعبها الفلسطيني موزَّع على الشتات وتحت التمييز العنصري في حيفا ويافا وعكا وأم الفحم، وكذلك بين الضفة وغزة.

 

والمحاور العربية تتجاذبها وتتقاذفها، وهي كلاعب السيرك المحترف الذي يسير على سلك مشدود إذا نظر تحت قدميه هوى إلى الهاوية، ولا تتحدث عن السلاح البسيط المُصنَّع محليًّا، والذي يحتشد العالم كله ببوارجه ومهندسيه وفنييه وأمواله لمنع تدفقه- لاحظ كلمة تدفّقه- على غزة، وإذا سألت نفسك عن نوعية هذا السلاح تجد عجبًا.. صواريخ يصفها الجميع بأنها عبثية، ولا يسألون أنفسهم لماذا إذن هذا الاحتشاد؟! أهو لمنع "الهلع" و"الخوف" الذي قد يُسبِّب صدمةً نفسيةً لنساء وأطفال "سديروت" و"أسدود" و"بئر السبع" بينما لا يتكلم أحد من هؤلاء المنافقين عن أسلحة الدمار الشامل والأسلحة المحرمة دوليًّا والفسفور الأبيض والأسلحة النووية التي يستخدمها العدو المجرم النازي؟!

 

أغلب هؤلاء المراقبين- حتى الشانئون منهم لحماس ومنهجها وطريقتها وإسلامها- يُجمعون على أن حماس خرجت أقوى سياسيًّا، وقد تستعيد خلال مدة قصيرة (أشهر) كامل طاقتها العسكرية، بل قد تطوِّرها؛ فعلامة النصر التي رفعها "أحمدي نجاد" تعني إمكانية صمود صواريخ "قسام" و"جراد" وأسلحة تُتَّهَم إيران أنها أوصلتها إلى حماس أمام آلة حرب عاتية، ولهذا معنى كبير لو تعلمون؛ فقد نجح ذلك التكتيك الإيراني البارع في تجنيب إيران أية ضربات مدمرة وأية حروب، وأعطاها تأييدًا شعبيًّا في بلاد كثيرة، رغم الهجوم الإعلامي الشديد عليها، والذين يهاجمون إيران متهمون شعبيًّا بالصمت أو التواطؤ والتأييد، وعلى الأقل بترك الشعب الفلسطيني للذبح والاكتفاء بتسوُّل الحلول السياسية التي لم تثمر شيئًا إلا المزيد من المغتصبات والحواجز والقمع والاعتقالات، مع المزيد من الأحضان والقبلات لأولمرت وباراك ورايس وليفني (ولا أحد يدري: هل ستسلِّم هيلاري كيلنتون خدها لعريقات كما فعلت رايس؟ أم ستمتنع عن ذلك بعد ما تسلَّم المخضرم جورج ميتشيل ملف الشرق الأوسط!!).

 

حماس اليوم ومعها فصائل المقاومة أمام تحديات ضخمة؛ فعليها أولاً أن تدرك حجم المخاطر التي أعقبت الحرب، وأنه إذا سلَّمنا معها بأن العدوَّ لم ينتصر عسكريًّا لأن المقاومة بقيت وإرادة المقاومة ما زالت حرةً؛ فإنه يريد- كما فعل من قبل مع دول أكبر كمصر- أن يحوِّل عدم انتصاره العسكري إلى نصر سياسي، وكما أخرج مصر من ساحة المواجهة يريد أن يُخرج حماس من ساحة المقاومة، إن لم يكن بقوة السلاح فسيكون بإغراء الإعمار والمال، وسيُراد لها أن تسلِّم للسلطة تحت ضغط الدمار ما لم تسلِّمه إياها تحت ضغط الحصار، وسيقال لها إن فتح المعابر الذي لم يتم بالمفاوضات قد يتم الآن إذا قدمت التنازلات.

 

حماس التي نجحت حتى الآن في الإفلات من فخ "المحاور" ولم تعتنق "ولاية الفقيه"، وما زالت علاقتها معقولة مع "مصر" ومذبذبة مع السعودية وجيدة مع سوريا وقطر وإيران؛ تحتاج إلى مزيدٍ من المرونة مع الجميع والابتعاد عن المحاور المُفخَّخة وهي تستعيد علاقتها تدريجيًّا مع مصر؛ لأن الجميع يخطب ودّها الآن تحت ضغط الكارثة الإنسانية المفجعة في غزة، خاصةً بعد أن عادت الحكومة بقيادة "هنية" للعمل فورًا تحديًا لإرادة الفناء والدمار، ويتوقَّف الموقف المصري من نتائج الانتخابات عند العدو، فإذا جاء "نتنياهو" إلى الحكم فسيكون هناك حديث جديد.

 

على حماس والمقاومة ألا تقع في فخ "غزة أولاً وأخيرًا"، وصمودها الأسطوري كان من أجل تحرير فلسطين لا البقاء في غزة، ومفاوضات "شاليط" يجب أن تفرج عن أسرى من كل الفصائل، حتى "مروان البرغوثي" الذي قد يُعيد العقل والحيوية والأهداف الأصلية إلى "فتح"، وقد يُعيد بوصلة الوحدة الوطنية إلى المسار الفلسطيني، وعليها ألا تعمِّق الانقسام الحاصل في الصف الفلسطيني؛ فرغم كل المرارات والمؤامرات لا بد من استعادة اللحمة الوطنية ولو على الحد الأدنى لكي يقبل العالم الحديث إلى الفلسطينيين، وهم ما زالوا في حاجة إلى العالم الذي هو أيضًا في حاجةٍ إليهم لضمان فترة من الهدوء والاستقرار في هذه المنطقة في ظل الأزمة الحاليَّة الاقتصادية الخانقة التي أوصلت بريطانيا إلى الركود، وستوصل أمريكا إلى الانهيار إذا لم يتداركها العقلاء؛ لأن انهيارها انهيارٌ للنظام العالمي والاقتصادي كله؛ مما يقود العالم إلى فوضى لا يعرف أحد إلى أين تؤدى بنا جميعًا.

 

حماس ليست القاعدة، وحركة تحرير وطني وليست مجرد مقاومة، ومنهج حماس ليس الانتحار ولا الفناء، بل هو البقاء والبناء، والحياة في سبيل الله أصعب من الموت في سبيله، وقوافل الشهداء ارتقت إلى جنات الخلد والنعيم كي يحيا أبناء هذه الأمة حياة حرة كريمة فيها العزة والإباء أيضًا ليقدموا للعالم نموذجًا مختلفًا للحياة والحضارة والتقدم الذي يجمع بين الروح والمادة.. بين النفس والجسد.. بين المنفعة والراحة النفسية.

 

حماس عليها أن تتحمل اليوم مسئولياتها بكفاءة واقتدار، وأن تجمع حولها فصائل المقاومة وأن تستعيد الوحدة الوطنية بين الفرقاء، وأن تصفَّ الشعب الفلسطيني خلف الخيار المقاوم الذي أثبت جدارته باستخلاص الحقوق والحفاظ على الثوابت، وأن تخاطب العرب والغرب والعالم بلغة إنسانية وتُعيد القضية الفلسطينية إلى ضمير العالم من جديد، ولكن في صورتها الأصلية لا في الصور المختلفة لها؛ التي حوَّلت قضية احتلال وتشريد شعب من أرضه إلى قضية لاجئين، ثم إلى وَهْم دولة قابلة للحياة، ثم إلى قضية إرهاب، ثم إلى قضية إعمار وإغاثة إنسانية.

 

على المقاومة أن تتصدى لكل الملفات في نفس الوقت وعلى كل الأصعدة بتوظيف جميع طاقات الشعب الفلسطيني في كل مكان وتوظيف كل المؤيدين للحق الفلسطيني في كل البلاد.

 

هناك ملفات معقدة ومتشابكة في الأمم المتحدة ومع أمريكا، والاتحاد الأوروبي، وحلف الأطلنطي، والجامعة العربية، والعواصم العربية والإسلامية، وفي المحاكم الدولية والأوربية والعربية والتركية لملاحقة مجرمي الحرب وإعادة الإعمار والإغاثة الإنسانية.

الملفات تتضمن:

- تثبيت وقف إطلاق النار.

- مفاوضات إطلاق سراح الأسرى مقابل "شاليط".

- الحوار الفلسطيني وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية.

- تشكيل حكومة وحدة وطنية.

- الإعمار والإغاثة الإنسانية.

- استعادة طاقة المقاومة كاملة.

- استمرار الحشد الشعبي العالمي لتأييد فلسطين.

- ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة في كل المحافل والمحاكم.

- الاستعداد للانتخابات القادمة الرئاسية والبرلمانية وضمان نزاهتها.

 

عشرة ملفات عسيرة الآن، ويتولَّد عنها ملفات فرعية عديدة، وإرادة المقاومة التي صمدت في الجولة التي لم تنتهِ بعد في معركة من معارك حرب مائة العام، عليها أن تتحوَّل إلى إرادة الحياة الحرة الكريمة، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: 51).

 

خطاب تنصيب "أوباما"

يستحق الخطاب الذي ألقاه "أوباما" مزيدًا من الدراسة وتعليقًا ليس سريعًا، وعلى وعد باللقاء حول هذا الخطاب.

 

المهم الآن أن وعود "أوباما" تترجم إلى أفعال على أرض الواقع، وهذا هو الأهم؛ فمنع التعذيب وإغلاق جوانتانامو وبدء التحضير للانسحاب من العراق بداية جيدة.

 

عزاء واجب للأخ بهاء الساداتي

انتقلت إلى رحمة الله زوجة الأخ بهاء الساداتي بعد عناءٍ طويلٍ مع المرض.. رحمها الله رحمةً واسعةً، ورزق الأخ بهاء وأسرته وأولاده الصبر الجميل.

 

الأنفاق شريان الحياة

فور توقف القصف الإجرامي على رفح المصرية والفلسطينية بدأ العمل فورًا في ترميم الأنفاق وبناء المزيد منها.. ببساطة لأنها شريان الحياة الذي يتحدَّى الحصار.

 

في الطب: عندما تنسدُّ الشرايين الرئيسية فإن الجسد البشري يبدأ فتح شرايين فرعية لاستمرار الحياة.