كانت ملحمة غزة ولا تزال امتحانًا للجميع، ربح فيها من ربح، وخسر فيها من خسر..

كانت اختبارًا للشعب الفلسطيني، فصمد وقدَّم للبشرية نماذجَ من التضحية والفداء والصبر؛ ما جعله أسوةً وقدوةً لكل الشعوب العربية والإسلامية، بل أعاد إلى البشرية نماذج لم ترَها من قرون، وكانت ملحمة غزة امتحانًا لقيادات المقاومة ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: من الآية 23).

 

أما قيادات (السلطة) فكانوا ممن قعد وخذل عندما حمِيَ الوطيس، ولما جاءت ملحمة إعادة الإعمار قالوا لنا نصيب مما حسبوه غنيمة.

 

وكانت الملحمة امتحانًا للأعداء من الصهاينة وحلفائهم الذين مكَّنوا لهم في فلسطين أول مرة، ثم أمدُّوهم بالمال والسلاح الذي ضرب البيوت وقتل النساء والأطفال وأهلك الحرث والنسل، ثم جادلوا عنهم بالباطل في كل المحافل الدولية، ثم باءوا بالخزي من سوء تقديرهم للنتائج.

 

وكانت الملحمة امتحانًا للنظم العربية والإسلامية؛ فكان خيرهم من أشفق على الفلسطينيين بقلبه، أو ساعدهم ببعض ماله أو بوسائل إعلامه، ولكنه عجز عن نصرتهم في ميدان.

 

وما زالت الملحمة مستمرةً؛ فالجميع مدعوُّون اليومَ إلى الجهاد بالمال؛ فمن جهَّز غازيًا فقد غزا، بل ومن خلفه في أهله فهو شريكٌ في الأجر؛ لا ينقص ذلك من أجر المجاهد شيئًا، ثم هم مدعوُّون اليوم إلى معركة إعادة الإعمار من أجل الصمود والمقاومة.

 

وكان من هذه النظم من استسلم لأعداء الأمة وأعداء الله؛ فإما هو شيطان أخرس أو معوِّق أثيم.

 

وكانت الملحمة امتحانًا لكل الشعوب، باختلاف حضارتها ومعتقداتها؛ فالشعوب العربية والإسلامية أغلبها المحبُّ المتفاعل مع القضية الفلسطينية، ولكن ما زال فيها الغافل التائه، أو المُضلَّل الحائر، ولكن المتفاعل تفاوت تعبيره المؤازرة؛ بحسب التزام كل شعب بدينه، أو بحسب ما أحاط به من ظلم واستبداد من حكامه.

 

وكانت الملحمة اختبارًا للجماعات الإسلامية، وفي القلب منها الإخوان، كما كانت الملحمة اختبارًا للأحزاب والقيادات الشعبية والوطنية والقومية؛ فكان منها المقتصد الذي اكتفى بالظهور الإعلامي، وكان منها السابق بالخيرات الذي ساهم في تعبئة الأمة وكسر الحصار، وواجه الظالمين في هذه الملحمة التي جمعتهم جميعًا.

 

وكانت الملحمة اختبارًا لبقية شعوب العالم على اختلاف ألسنتها وألوانها، فرغم الضغوط الصهيونية والتضليل الإعلامي قامت المظاهرات في أرجاء الأرض تأييدًا لفلسطين، وربما بأعدادٍ أكبر وحماسٍ أعظم من بعض دول العالم العربي؛ إلا أن أغلب هذه الشعوب ما زال معمًّى عليه تحت وطأة آلة الإعلام الغربي التي يتحكَّم فيها اللوبي الصهيوني؛ فحقيقة المحرقة في غزة ما زالت مجهولةً لدى عموم الغربيين؛ فحقوق الإنسان لديهم هي حقوق الإنسان الغربي في بلاده أو الصهيوني في الأرض التي يحتلها أو يغتصبها.

 

وكانت الملحمة اختبارًا للإدارة الأمريكية الجديدة فيما أعلنته عن علاقةً مبنيةً على الاحترام المتبادل أو المصالح المشتركة مع العالم الإسلامي؛ فلم يصمد هذا الزعم أمام الضغوط الصهيونية والهوى الأمريكي، فلم تعترف هذه الإدارة بالمقاومة المشروعة في كل الأعراف والمواثيق الإنسانية والدولية، بل على العكس طالبت المقاومة بالاعتراف بالكيان الإرهابي، كما لو أن الفلسطينيين هم المحتلون والصهاينة هم من اغتُصِبَت أرضهم.

 

كان الغرض الأساسي للعدو من هذه الملحمة هو إبادة المقاومة في أرض الرباط في فلسطين وإزهاق روح المقاومة التي سرَت في الشعوب من حولها؛ فلما لم يتحقَّق الغرض استمرت الملحمة.

 

فما هو واجب الوقت؟!

وأبدأ بما بدأت به قياداتُ شعب فلسطين لمن صمد معهم؛ فقد وُفِّقتم فيما مضى، والمطلوب هو الإحسان فيما هو آتٍ؛ والثبات على الحق، والحذر من العدو، والاعتصام بالله ثم بالإيثار على النفس، والرفق بذوي الحاجات، والصبر على ظلم ذوي القربى، وأن تنصرفوا راشدين إلى العمل الجادِّ بحسن التخطيط والجد في التنفيذ والابتكار في الوسائل، وتنمية العلاقات مع شعوب العالم الإسلامي، ومساندة قضيتنا العادلة، وملاحقة الصهاينة قضائيًّا وإعلاميًّا لإيجاد رأي عام عالمي أكثر إنصافًا.

 

وأحسِنوا عرض قضيتكم على المجتمع الدولي؛ فإن خريطة القوى والمصالح التي تحكم العلاقات الدولية قد تغيَّرت بعد فك الحصار.

 

إن هدفنا من الإعمار الصمود والمقاومة، ولن يكون إعادة الإعمار مجرد تحقيق حاجات بشرية مشروعة من السكن والمأكل والمشرب؛ بل هو عونٌ على الصمود واستمرارٌ للمقاومة، وستجدون في المتخصصين في الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية وبقية العالم كل العون، وستجدون في المنظمات الأهلية ما هو أكثر من الهيئات الحكومية، وليكن شعارنا "يد تبني ويد تحمل السلاح".

 

ثم أتوجَّه إلى الشعب الصامد وخصوصًا على أرض غزة فأقول: "الملحمة لم تَنْتَهِ بعد، وإن انقشع الغبار عن جولة منها، وربما تزداد الآلام وتزداد المعاناة من القرح؛ فعليكم بمواساة المصاب والتكافل والتراحم، وقدِّموا نماذج الإيثار كما قدَّمتم نماذج التضحية، ولا تَعْدُ أعينكم عن المقاومة وأهلها؛ فأنتم في رباط إلى يوم القيامة؛ فقضيتنا هي تحرير فلسطين كل فلسطين، والملحمة مستمرة حتى يتحقَّق النصر.

 

أما النظم العربية والإسلامية فأقول لها:

الامتحان يتجدد، والله من فوقكم يسمع ويرى، وشعوبكم من حولكم تغلي وتترقَّب؛ تشكر لمن أيَّد بلسانه، وتنتظر الوفاء بالوعود بالنصرة بالمال والإعلام والمتخصصين في الإعمار؛ على أن يكون ذلك في يد القوي الأمين، وننبهكم: لا تستجيبوا للضغوط الصهيونية في إضاعة هذه المساعدات، وإلا فسنة الله جارية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).

 

أما من استجاب من الشعوب العربية والإسلامية فأقول لهم:

ما أبديتم من مشاعر فلن يضيع عند الله، وما قدمتموه من دعم معنوي ومالي في أثناء القتال كان له أعظم الأثر في صمود إخوانكم، وإياكم أن تظنوا أن الحرب قد وضعت أوزارها؛ فالملحمة مستمرة، ومطلوب منكم أن توقظوا الغافلين من الحكام والمحكومين، وهم ليسوا قليلاً، وأن تُتبِعوا العاطفةَ العملَ ثم تُتبعوا العملَ الإحسانَ.. أول الإحسان وضوح الرؤية، وعنوانها حشد الجهود لإعادة الإعمار من أجل الصمود، ثم دعم المقاومة حتى تحرَّر فلسطين.

 

أما أنتم أيها الإخوان المسلمون..

فقد علم عدوُّكم أنكم الظهير لإخوانكم في داخل فلسطين؛ فإعلان الحرب على غزة أقرنته الصهيونية ليفني بالتأليب على الإخوان، فكان ردّنا:﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ (الأحزاب: من الآية 22)، وكانت الملحمة اختبارًا لكل فرد من الإخوان على حدته للقيام بفروض العين، كما كانت اختبارًا لكل مؤسسات الجماعة في تعبئة الأمة للقيام بدورها؛ الذي هيَّأ الله هذه الملحمة لإيقاظها، وهيأها للإخوان حتى يكونوا الروح الذي يسري في الأمة فيحييها بالقرآن.

 

والملحمة مستمرة.. فلينظر كلٌّ منا فيما عاهد الله عليه؛ من الثبات على العقيدة والذكر الكثير والتخلق بأخلاق المجاهدين؛ حتى يمكننا ريادة الأمة في طريق تحرير فلسطين، فعقيدتنا أن فلسطين أرض الإسلام وتحريرها واجب الأجيال بعد الأجيال.

 

ثم نعاهد الله على الذكر الكثير؛ فما مدى الالتزام بالصلاة في الصف الأول، خصوصًا صلاة العشاء وصلاة الفجر، وبينهما قيام جزء من الليل؟!، ثم ما مدى استمساكنا بذكر الله على كل حال "أذكار اليوم والليلة"؟! ثم للنظر في استحضارنا نية الجهاد والتخلق بأخلاق المجاهدين من ترك الفضل في المطعم والمشرب والكلام والنوم، ونبذ الجدال وكثرة الضحك، ثم للنظر في حرصنا على إتقان العمل والاستفادة بالوقت والشجاعة في الحق والإنصاف من النفس.

 

فمن وفَّى فليحمد الله، وليعلم أن أجر الاستجابة لله ولرسوله من بعد القرح مرهون بالإحسان والتقوى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 172) فإلى الإحسان والتقوى حتى يستمر الإخوان في دورهم في ريادة الأمة نحو تحرير فلسطين؛ فالملحمة مستمرة.. فاستجيبوا.

--------

* الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين.