كعادة الطابور الخامس المهزوم عقليًّا ونفسيًّا؛ يحاولون تجريد انتصار غزة من محتواه، يروِّجون لفكر الهزيمة بعد أن سحقتهم ثقافة المقاومة، يبنون حسابات النصر والهزيمة على أوهام الأرقام والخسائر المادية والبشرية، وهي الحسابات التي لو طبَّقوها على المواجهات السابقة لكانت معركة الكرامة عام 1968 وصمود بيروت عام 1982 شر هزائم عرفناها على الإطلاق، لكن ودون الانجرار خلف ترَّهاتهم ومحاولاتهم لفرض هزيمة لا وجود لها إلا في عقولهم، وبعد ما أوضحناه ووثقناه في أكثر من مناسبة، والذي سنوثقه أيضًا بالصوت والصورة في الأيام القليلة القادمة- انتظرونا!-، نهنئ شعبنا وقيادته بالنصر المبين في معركة غزة الأسطورية رغمًا عن أنوف الحاقدين.

 

شعبنا البطل يضرب أروع الأمثلة وأعظمها؛ ليس فقط في ميدان المعركة بل حتى بعدها، وما شاهدناه وسمعناه خلال الأيام القليلة الماضية يفوق كل تصور.. أطفال يتحدثون بعظمة الكبار، وكهول بنفس الشباب، ونساء مواقفهن أكثر رجولةً من أشباه الرجال في محمية المقاطعة، وإصرار لا يملّ ولا يستكين على المقاومة والصمود والثبات، رغم كل محاولات التشويه المتعمَّد من قبل عملاء الاحتلال وأبواقهم.

 

نعم.. هذا ما ينقله لنا اليوم المراسلون من وسط الحطام والركام؛ أطفال عادوا للمدارس، وحملات تنظيف في خان يونس، ومسيرات دعم وتمسك بالقيادة في كل مكان، وتلاحم ووحدة وطنية حقيقية على الأرض وفي الميدان.. مواقف كل منها درس ومدرسة للجميع، إلا من ارتضى أن يكون كشسع نعل كليب، بوقًا حاقدًا سيسيل لعابه لما قد يصل من أموال لإعادة الاعمار؛ بعد أن فشل في العودة على ظهر دبابات الاحتلال كما وُعد وخاب فأله.

 

خلال فترة العدوان الغاشم، وخلال ملحمة النصر الغزي الفلسطيني المميز، كنت أتنقل من مكان لآخر، ألتقي مع أبناء الشعب البطل ومؤيديه من عرب وعجم، أشحذ الهمم، مؤكدًا ومقسمًا إننا منتصرون، وقد أجرى الله سبحانه وتعالى عبارةً على لساني لم أكن قد أعددتها مسبقًا، لكنها خرجت وأنا أقف تعظيمًا وإكبارًا للصامدين المرابطين من أبناء شعبنا في غزة لأقول: أطفالنا رجال، ورجالنا أبطال، وأبطالنا عظماء، وعظماؤنا تعانق هاماتهم السماء.. نعم هذا هو شعب فلسطين.

 

تذكرت مواقف مماثلة، وما أشبه الليلة بالبارحة.. تعلمنا ونتعلم من شعبنا البطل الدروس والعبر، كيف لا وهو شعلة الحق في زمن الظلم، تذكَّرت يومَ سجَّل شعبنا ملحمةً مماثلةً، ووجدت تطابقًا مثيرًا مع درس اليوم، فهل من متعظ؟!

 

اسمحوا لي أن أعيد نشر ما كتبته في يوليو 2006م، يوم سجَّل شعبنا درسًا عظيمًا، قارنوا بين تلك الأيام وملحمة نصر غزة اليوم، لتتيقَّنوا أن راية العز والفخار لم ولن تسقط، وأن العهد هو العهد، وأن الثوابت والمواقف لم ولن تتزحزح.

 

حُق لك أن تفخر.. أنت فلسطيني

هل استوعب الاحتلال الدرس؟ هل فهم العالم المعادلة؟ هل استفاق عباس وباقي الزمرة من غيبوبتهم ووهمهم؟ ربما! لكن الأكيد أن شعب فلسطين يضرب كل يوم أروع الأمثلة والدروس للعالم بأسره.

 

ثار العالم وتحرَّكت قواه الظالمة العوراء من أصدقاء وأعداء؛ فزعًا وجزعًا على جندي أسير كان يجلس في دبابته موجِّهًا مدفعها صوب أبناء شعبنا العزَّل؛ ليطلق ويقتل وقتما شاء، وليسقط أبناء شعبنا شهداء وجرحى بالعشرات.

 

تحرك العالم لإطلاق سراح مجرم حرب وقاتل محترف في جيش لا يوجد للأخلاق فيه مكان، وتحرَّك مع هؤلاء أبناء العمومة حرصًا على مصلحة الشعب الفلسطيني لإطلاق سراح المجرم أيضًا!.

 

لم يسمع العالم أو يشاهد محمد الدرة وايمان حجو وهدى غالية وقبلهم وبعدهم الآلاف من الشهداء والجرحى الذين قتلهم بدم بارد أمثال المجرم الأسير، ولم تتحرك دول الجوار لوقف العدوان أو التدخل لتخفيفه، ولم يتردَّد عباس عن احتضان وتقبيل رئيس وزراء حكومة الاحتلال ودماء شهدائنا ما زالت طريةً لم تجفّ بعد.. لم يسمع العالم بكل ذلك ولم يسمع بأسرانا البواسل في سجون ومعتقلات الاحتلال.

 

بدأت أمطار الصيف تهطل، والعالم يلوم الضحية لصالح الجزَّار السفَّاح، خُرِقت كل قوانين وشرائع الكون فاستهدفت البنية التحتية في قطاع غزة بقصد تجويع وتعطيش الشعب الفلسطيني، اختُطِفَ ممثلو الشعب من وزراء ونواب، هُدِّدت القياداتُ بالتصفية، أُقفِلت كلُّ الخطوط الهاتفية في وجه الضحية، ومن المفارقات أن من كشف ذلك هم رموز التفريط والمساومة والبيع من أمثال ياسر عبد ربه، وبدأ أوكازيون عربي دولي في إعطاء المهل لتسليم المجرم الأسير.

 

هل خضع شعبنا؟ هل استكان؟ هل ثار على حكومته ومقاومته؟ هل سقطت الراية؟ أبدًا.. بل كان التلاحم والتضامن في أروع صوره، كان في صورة دروس للعالم أجمع تقول بأننا ومهما اشتدت الهجمة لن نساوم أو نخضع، حتى وإن كانت هناك فئة فاسدة ومفسدة شوَّهت تاريخ ونضال شعبنا لسنوات، حتى وإن كان عباس لا يزال في غيبوبته التي ارتضاها لنفسه ليخرج بالأمس في لقاء مفترض مع الصحفيين حضره أركان زمرته فقط ليصول ويجول مبرِّرًا مواقفه المخزية، وليكرر تفاهات سحب الذرائع وعدم جدوى المقاومة وغيرها من جمله التي حفظناها عن ظهر قلب، دون أن يتعرض للاحتلال بكلمة واحدة.

 

عظمة شعبنا وقوته في مواجهة الآلة العسكرية للاحتلال تجسَّدت في عملية "الوهم المتبدِّد" ليتبعها أسطورة نابلس البطل وليد الشحروري، والذي واجه جيش الاحتلال جريحًا في معركة غير متكافئة لأكثر من 16 ساعة، استخدم فيها الاحتلال قنابل الصوت والدخان والدموع والكلاب والأجهزة الآلية، وصوت والدته إضافة للذخيرة الحية.

 

مواقف البطولة تجلَّت أيضًا في التحدي الكبير هذا اليوم بعقد جلسة التشريعي بحضور من يطاردهم الاحتلال دون خوف أو وجل، ولما الخوف؟ ألسنا أصحاب حق؟ إننا والله كذلك.
عظيم أنت يا شعب فلسطين بأبنائك وحكومتك ونوابك..

عظيم أنت وشعوب العالم تتحرك نصرة لك كما تابعنا في أوروبا وإندونيسيا، حتى وإن كان أبناء أمتك العربية في سبات تلهيهم مباريات كأس العالم..

عظيم أنت وقد توحدت في اتفاق وطني رغم كل محاولات العرقلة من أشباه رجال أوسلو..

عظيم وأنت تقزِّم أشباه الرجال لترفع هامتك فوق رؤوس المنبطحين المتاجرين بك وبقضيتك..

 

لن يضيرك يا شعبي العظيم سقوط البعض، ولن تضيرك أراجيف وأباطيل الإعلام الموجه المنحاز ضدك، ولن يفتَّ في عضدك الكلام المثبط، ولن تهزم بإذن الله.

 

رائع أنت يا شعب فلسطين وأنت تردد قول الشاعر:

يا كل العالم.. هل تسمع؟

أنا أقسمنا لن نركع

لن نركع أبدًا لن نركع

ما دام بنا طفل يرضع

قد نبكي شوقًا لا حزنًا

يا كل العالم كي تسمع

فالعيش بذلٍّ لا نقبل

والموت بفخر ما أمتع!

قبضاتنا أصلب من حجر

أجسادنا سدٌّ بل أمنع

دموع رجالنا محرقة

للطاغي بل موت أفظع

يا كل العالم.. هل تسمع؟

نُنبيك بأننا لن نخضع

قد عاد النجم يجاورنا

والحق غدًّا شمسٌ تسطع

وبلال قام يؤذن في أحياء القدس..

أجراس العودة فلتقرع

ما عدنا نخاف البطش

ولا قصف المدفع..

يا كل العالم.. هل تسمع؟

قد نبكي شوقًا لا حزنًا

يا كل العالم فلتسمع

إنا باقون إلى الأبد..

لن نركع أبدًا

لن نخضع..

 

ارفع رأسك وافخر، حق لك ذلك في زمن الخنوع والخضوع، ارفع رأسك فالراية لن تسقط، والحق لن يضيع، طالما أن شعبًا عظيمًا كشعب فلسطين في الخندق.. حق لك أن تفخر.. أنت فلسطيني، وحق لي أن أفخر أني فلسطيني.

---------

* DrHamami@Hotmail.com