تتبَّعت بعض روايات السادة الأطباء المصريين الأبطال؛ الذين ذهبوا إلى غزةَ ليُنفقوا مما أنعم الله عليهم به من نعمة النبوغ في الطب، ويشاركوا في إسعاف المصابين هناك، ولو تعرَّضوا معهم للخطر، وسمعت عن مدى خطورة الأسلحة والمقذوفات التي استخدمها الصهاينة المجرمون والمحرمة دوليًّا وإنسانيًّا؛ كالقنابل الفسفورية وغيرها، والتي أحدثت أنواعًا من الإصابات لا عهد للطب الحديث بها من قبل، وعلمتُ أن بعض هذه الأسلحة قادمٌ لتوِّه من الخارج لاستخدامه في غزة كحقلٍ للتجارب، وعجبتُ من مدى الوحشية والإجرام عند هؤلاء الصهاينة، مع الاعتذار للوحوش وللمجرمين!.

 

ثم قلت إن أخلاق الحرب لها صلة بشريعة المحاربين؛ فاليهود لا يرون في استخدام هذه الأسلحة الفتاكة  والهتَّاكة إلا تقربًا مزعومًا والتزامًا بديانتهم المحرفة طبقًا لأهوائهم الخبيثة، فقد قالوا ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ (آل عمران: من الآية 75)، فلا مؤاخذة لهم عما يفعلون في غير اليهود، وحصروا الجنة عليهم ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (البقرة: من الآية 111)، وزعموا أنهم أحباب الله دون غيرهم ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (المائدة: من الآية 18)، فهذه جرائمهم تشهد ببطلان اعتقاداتهم، وبدناءة نفسياتهم، وبانحطاط تصوراتهم.

 

ثم انتقلتُ من الأرض إلى السماء، ومن الوحل إلى العلياء، وتذكرت قيود وآداب القتال والحرب عند المسلمين، وأن الجهاد شُرِعَ من الأساس لغايتين: الدفاع عن عقيدة الأمة وأخلاقها بل وعن حرية الاعتقاد للمسلمين وغيرهم، والدفاع عن حرية الشعب واستقلاله، وأنه شُرِعَ بقيودٍ، كالقيود المفروضة على مشرطِ الجرَّاح؛ أن يستأصلَ موضع الجرح، ويطهِّرَه، ولا يتعدَّاه إلى غيره، ولا يستبيح ما سواه مما يسعه الإعراض عنه.

 

وتذكرتُ وصية الصدِّيق لقُواده وهم ذاهبون إلى القتال: "لا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لِمَأكلة.."، فتلك هي أخلاقنا الحربية: عدل ورحمة ووفاء.

 

ولما ولِيَ الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قومٌ من أهل سمرقند، ورفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين دون أن يُنذرَهم قبلها، فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضيًا ينظر فيما ذكروا، فحكم القاضي المسلم بإخراج المسلمين!، على أن يُنذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك وينابذهم وفقًا لمبادئ الحرب الإسلامية؛ حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يُؤخذوا بغتةً، فلما رأى ذلك أهل سمرقند رأَوْا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالةٍ تنفذها الدولة على جيشها وقائدها!، فقالوا: هذه أمة لا تُحارَب، وإنما حكمُها رحمة ونعمة، فرَضُوا ببقاء الجيش الإسلامي، وأقروا أن يُقيم المسلمون بين أظهرهم.

 

ولما فتحت جيوش المسلمين الظافرة دمشق وحمص وبقية المدن السورية، وأخذوا من أهلها مبالغ من المال صلحًا نظير حمايتهم والدفاع عنهم، رأى قادة المسلمين- بعد أن جمع هرقل لهم الجموع لينازلهم في معركة فاصلة- أن يُخلُوا المدن المفتوحة، ويتجمعوا في مكانٍ واحدٍ ينازلون به الروم مجتمعين.

 

وخرج جيش المسلمين  من حمص ودمشق والمدن الأخرى، وجمع خالد أهل حمص وأبو عبيدة أهل دمشق وغيرهما من القادة أهل المدن الأخرى، وقالوا لهم: إنا كنا قد أخذنا منكم أموالاً على أن نحميَكم وندافعَ عنكم، ونحن الآن خارجون عنكم، لا نملكُ حمايتكم، فهذه أموالكم، نردُّها إليكم!، فقال أهل المدن: ردَّكم الله ونصركم، والله لَحُكمكم وعدلُكم أحبُّ إلينا من جور الروم وظلمهم، والله لو كانوا مكانكم لما دفعوا إلينا شيئًا أخذوه، بل كانوا يأخذون معهم كل شيء يستطيعون حمله!.

 

وفي حروب التتار في بلاد الشام وقع بأيديهم كثير من أسرى المسلمين والنصارى واليهود، ثم تدخل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمير التتار في أمر الأسرى وفكَّ أسرهم، فأجابه الأمير إلى فكِّ أسرى المسلمين فقط دون النصارى واليهود، فأبى شيخ الإسلام ذلك، وقال له: لا بد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمَّتنا، ولا ندع أسيرًا لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة.

 

هذا قليل من كثير من آداب الجهاد والقتال في الإسلام، دين رب العالمين، فلنقارن بما حدث في غزة، ولنعتبر، ولنتعجب من صمت الحضارة الحديثة البعيدة عن الله تعالي بقيادة أمريكا الراعي الأكبر للمذابح الصهيونية، وصمتُها أكبر عار في حقها، ودولة الظلم لن تدوم، فالعدل هو ميزان الملك وأساسه، ولنستبشر بصمود أهل غزة الذي هو ردٌّ عن ديار المسلمين كلها، وبداية بإذن الله تعالي لانهيار دولة الصهاينة، ومن ورائها دول الظلم كلها.

ملكنا فكان العفوُ منا سجيةً      فلما ملكتُم سال بالدم أبطحُ

وما عجبٌ هذا التفاوت بيننا     فكل إناءٍ بالذي فيه ينضحُ

------------

* ahmadbelals@yahoo.com