الصورة غير متاحة

 البدوي عبد العظيم البدوي

استقبل الجميع بسعادة يشوبها الحذر ما تم الإعلان عنه في القمة العربية الأخيرة التي عُقدت في الكويت من مصالحة بين الدول العربية والتي تباينت مواقفها وردود أفع لها في التعامل مع ملف الاعتداء على الأراضي الفلسطينية، والذي أدى إلى حدوث انقسام عربي واضح بين فريقين:

أولهما يرى ضرورة الاتساق مع الشارع العربي واتخاذ إجراءات أكثر قوةً ودفاعًا عن الأمن القومي ومصالح الأمة العربية والوقوف مع خيار الشعب الفلسطيني باستمرار المقاومة؛ بعد أن أعطيت المفاوضات كامل الفرصة ولم تحقق شيئًا، بل فرطت في ثوابت القضية الفلسطينية الواحد تلو الآخر.

بينما يرى الفريق الآخر أن خيار السلام ما زال لم يأخذ فرصته الكاملة بعد، وأن الواقع الفلسطيني هو المتسبِّب في ذلك من جراء انقسام الصف الفلسطيني بين غزة ورام الله، وما نتج من هذا الانقسام من مواقف متباينة وصلت إلى حد التراشق والهمز واللمز بين هذا الفريق وذاك، وهو الأمر الذي ظهر جليًّا للعيان من تباين مواقف الدول العربية من دعوة قطر لقمة عربية عاجلة لنصرة غزة.

 

ولا شك أن دماء الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ وما شاهدناه من الدمار الشامل قد ساهمت في الإعلان عن تلك المصالحة وبهذه السرعة واتساقًا وتماشيًا مع الشعوب العربية التي فاض بها الكيل من السكوت الرسمي العربي، رغم حجم الاعتداء الصهيوني على غزة، وحجم البشاعة التي فاقت كل التصورات وتخطَّت جميع المجازر الصهيونية منذ اغتصاب فلسطين إلى الآن، حتى إن الكيان قذف غزة بمليون كيلو جرام من المتفجرات، واستعمل نصف سلاحه الجوي في قصفه؛ مما جعل أمريكا تقوم بإنشاء جسر جوي لإنقاذه بعد أن فقد نصف مخزونه من السلاح دون أن يتحقق الأهداف التي أعلنها لتلك الحملة رغم تغيير تلك الأهداف أكثر من مرة.

 

ولا شك أن تلك المصالحات والتفاهمات التي تم الإعلان عنها بالكويت سوف تتأثر في المرحلة المقبلة وبصورة مباشرة وبشكل واضح بمواقف الأنظمة العربية من المصالحة الفلسطينية الداخلية بين فصائلها، وبصورة أكثر دقة موقف الأنظمة العربية من خيار الشعب الفلسطيني للمقاومة، والتي نرجو أن تحترم تلك الأنظمة هذا الخيار الذي انحاز له الشعب الفلسطيني باختياره لحركة حماس في الانتخابات الأخيرة للمجلس النيابي الفلسطيني وزاد التفافه حولها وحول قادتها في صمودها داخل القطاع أثناء تلك الأزمة.

 

ورغم هذه المصالحة العربية إلا أن الملاحظ من الكلمة التي ألقاها محمود عباس في افتتاح قمة الكويت تأكيد استمرار موقفه المتعنِّت، وتأكيد مطالبته بحماية دولية في قطاع غزة بالطبع لكي تساعده على الدخول للقطاع؛ دون أن يضطر للجلوس مع باقي الفصائل المقاومة وعلى رأسها حماس، وبالتالي تقديم أي تنازل أو تراجع عن المشروع الاستسلامي الخاص به ومجموعته، وإلا لأصبح وجوده غير ذي نفع للمحور الصهيوأمريكي، وبالتالي تتم تصفيته (كما حدث مع ياسر عرفات) وهي ذات العبارة التي قالها لرئيس الوزراء القطري حينما طلب منه حضور قمة الدوحة "أن حضوره يعني ذبحه من الوريد إلى الوريد!".

 

لذلك يجب أن تتم تلك المصالحة الفلسطينية الداخلية في ظل أطر وضوابط محددة وفي ظل رؤية حقيقية للواقع الجديد الذي أفرزه انتصار حركة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية المقاومة في معركة كسر الإرادة التي شنَّها الكيان الصهيوني على غزة، واذتي لم يحقق أيًّا من أهدافه، والتي يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

 

أولاً: لكي تتم عملية المصالحة بالصورة المرجوَّة لها وبنزاهة ويُكتب لها النجاح ولا تفشل كسابقتها التي تمت في القاهرة؛ يجب أن يتوافر أحد أهم مقومات النجاح، وهو تدخل وسطاء جدد مثل سوريا وتركيا إلى جانب دور الوسيط المصري؛ وذلك حتى لا تتعرض مصر وحدها لضغوط تفوق طاقتها لتنحاز لصالح طرف دون الآخر، وهو الأمر الذي عكَّر صفو علاقتها ببعض الفصائل التي أصبحت تعتبر مصر وسيطًا غير محايد، وهو ما دفع مصر إلى اللجوء إلى تركيا ودعوتها للتدخل بما لديها من علاقات متوازنة مع كافة الأطراف؛ سواء الفصائل الفلسطينية أو الكيان الصهيوني نفسه؛ مما سيدفع في النهاية إلى إنجاح هذا الحوار وتحقيق التوافق الفلسطيني الداخلي.

 

ثانيًا: يجب البدء وفورًا في إعادة هيكلة لمنظمة التحرير الفلسطينية بكل مؤسساتها، وإدماج كافة الفصائل الفلسطينية داخلها؛ باعتبار ذلك أولويةً أولى وقبل أن يتم الحديث عن أي موضوع آخر؛ نظرًا لأن هذا الملف كان دائمًا ما يتم تجاهله أو ترحيله وعدم التعاطي معه بالجدية اللازمة خاصة إذا عرفنا أن مؤسسات المنظمة التي يتترَّس بها محمود عباس جميعها انتهت صلاحيتها الزمنية وأصبحت لا تمثل الشعب الفلسطيني تمثيلاً حقيقيًّا بمجالسها المختلفة؛ بخلاف من مات منهم ولم يتم انتخاب من يحل محله.

 

كما أن الدور الذي كانت تلعبه أجهزة الأمن الدحلانية لا شك شلَّ العدد الأكبر من أعضاء تلك المجالس بما لديها من ضغوط ونقاط ضعف أعلنت عنها حماس بعد الحسم العسكري؛ مما يفقدها القدرة على اتخاذ أي قرار بحرية كافية، ناهيك عن وجود عدد من قيادات المنظمة التاريخيين في الخارج من أمثال أحمد جبريل وفاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية بمنظمة التحرير الفلسطينية نفسه وهو من قيادات حركة فتح التاريخيين؛ لذلك يجب أن يتم ذلك في خارج الضفة الغربية المحتلة ويمكن أن تستضيفه أي عاصمة عربية أخرى أو في غزة نفسها.

 

ثالثًا: يتعيَّن أن يكون لدى السيد محمود عباس رؤية أكثر وضوحًا للواقع الفلسطيني في الداخل والخارج بعد الأزمة الأخيرة ولواقع السلطة التي يترأسها وواقع فصائل المقاومة وحماس ليس في غزة فقط بل في كل الأراضي الفلسطينية؛ حيث إن مدة صلاحيته القانونية قد انتهت قانونًا في التاسع من يناير 2009م؛ في حين أن المجلس التشريعي الفلسطيني والذي تستمد منه الحكومة بقطاع غزة شرعيتها ما زال مؤسسة شرعية سارية الصلاحيات والمفعول والدور السياسي ويترأس ذلك المجلس أحد قيادات حركة حماس (من مبعدي مرج الزهور)، وبالتالي يصبح هو الرئيس الشرعي للسلطة الفلسطينية، وبالتالي فلا يحق لمحمود عباس أن يوقع أي اتفاق يمثل بموجبه الشعب الفلسطيني، سواءٌ مع الكيان الصهيوني أو غيره، ولم تفلح كافة الضغوط والحيل والتوريط مع حماس وباقي الفصائل في التمديد لعباس لكي يوقع تلك الاتفاقات التي أبرمت في الخفاء مع "إسرائيل" طوال الفترة الماضية والتي تم تسريب بعض خطوطها العريضة والتي حوت تنازلات في كل الثوابت الفلسطينية من حق العودة والقدس، وغيرها هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة قد خرجت أكثر قوة من تلك الأزمة الأخيرة وليس كما راهن البعض بل إن الالتفاف الشعبي الفلسطيني قد أعطاها التفويض الكامل للتحدث باسمه وتمثله بالإضافة إلى الالتفاف الجارف للشعوب العربية كافة والإسلامية حولها والتفهم الدولي في مختلف شعوب المعمورة لموقفها والذي لم يسبق له مثيل، والذي يعد أحد مكاسب تلك الأزمة بالنسبة لخيار المقاومة وليس خفيًّا أن خالد مشعل أو إسماعيل هنية يستطيع أن يمشي في أي شارع عربي وسوف يجد من الترحاب والحب ما لن يجده غيرهم حتى من مسئولي تلك الدول العربيه نفسها.

 

 هذا هو الوضع العام لما بعد أزمة غزة الذي يتضح منه وبكل دقة أن لغزة ما بعدها وأن الواقع قد اختلف عنه قبل تلك الأزمة، وإذا كان الشعب الفلسطيني والأمة بكاملها لا يمتلكون ترف الوقت اللازم لتعطيل تلك المصالحة الداخلية فإنهم سيمتلكون ذلك الوقت لو كان الإسراع في المصالحة سيكون على حساب التفريط في ثوابت القضية الفلسطينية.