يدهشك المشهد وتصاب بالصدمة حين تقف على معبر رفح من الجانب المصري وتشاهد طائرات الـ(إف 16) الصهيونية وهي تصب حممها من القنابل الارتجاجية على الشريط الحدودي الفاصل بين مصر وقطاع غزة، أما الهدف فهو ضرب الأنفاق التي زعم الصهاينة أنه عن طريقها يتم تهريب السلاح والغذاء إلى الفلسطينيين المحاصَرين داخل القطاع.

 

لكن الدهشة لن تزول حين تدرك أن القصف المجنون على هذا الشريط لم يتوقف طوال ساعات النهار والليل مدة اثنين وعشرين يومًا هي عمر العدوان الغاشم على أهلنا في غزة؛ حيث استهدف هذا العدوان الوحشي البربري المجنون البشر والحجر والشجر داخل القطاع.

 

انتظرت طويلاً أمام المعبر (8 ساعات) أنا وثلة من الأطباء المصريون حتى سمحت لنا المخابرات المصرية بالدخول عبره ضمن الوفد الكبير الذي جهَّزه اتحاد الأطباء العرب لمداواة جرحى العدوان على غزة؛ وذلك يوم الأربعاء الموافق 14 يناير 2009م.

 

لم تدم الإجراءات طويلاً، وركبنا حافلة فلسطينية من داخل المعبر وودَّعنا رجال المخابرات المصرية بمنتهى اللطف بعد أن اشترطوا علينا التوقيع على ورقةٍ تُخلِي مسئولية الحكومة المصرية عن أي أذى يقع علينا في هذه الرحلة المحفوفة بالأخطار.

 

انتابني شعور وأنا في طريقي إلى اجتياز الخط الحدودي أن ثمة أمرًا قد يحدث، فسارعت بترديد الشهادة قبل أن نصل إلى رفح الفلسطينية التي كانت تحت القصف، وسألت الله الصدق في هذه الشهادة؛ حيث ثارت بعض القلاقل في نفسي، وانتابني بعض الشعور بالخوف مع زيادة القصف، فآثرت تلاوة الشهادة وقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"؛ فقد يسقط علينا صاروخ فنقتل؛ حيث لن تكون هناك فرصة لتكون آخر كلماتي "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

 

عبرت بنا الحافلة الخط الحدودي الفاصل إلى داخل فلسطين؛ حيث رفح الفلسطينية، لكنني فوجئت بأمرٍ لم يكن مطلقًا في الحسبان؛ حيث أحسست بطمأنينةٍ قلبيةٍ وهدوءٍ وسكينةٍ وراحةِ بالٍ غير مسبوقة لم أشعر بها قط في حياتي، رغم القصف الذي كان أقرب إلينا من حبل الوريد.

 

وبعد أن حمدت الله على هذه النعمة تذكَّرت قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).

 

وصلت بنا الحافلة إلى مستشفى الشهيد محمد يوسف النجار برفح، فاستقبلنا مدير المستشفى الدكتور عبد الله أحرَّ استقبال في تواضعٍ وحنوٍّ ولينِ جانبٍ وبشاشةِ وجهٍ؛ حيث لفت نظرنا الانسجام والعمل الدءوب والروح العالية الذي ميَّزت الطاقم الإداري والفني والطبي العامل في المستشفى.

 

وبعد راحةٍ قصيرةٍ في سكنٍ أُعِدَّ خصيصًا لاستقبال الكوادر الطبية العربية؛ حيث كان هناك وفود من السودان والبحرين والجزائر ومصر، امتزجت بإخوانهم الأطباء الفلسطينيين في أروع ملحمةٍ عرفتها الشعوب العربية، وأثناء التعارف وجدنا أنفسنا في أنجح قمةٍ للشعوب العربية؛ حيث الحب المتبادل وتطابق الأفكار والهمة العالية، فتفاءلنا خيرًا وتمنَّينا أن يرتقيَ الحكام العرب إلى مستوى شعوبهم.

 

توزَّعنا على أقسام المستشفى، وأخذ كل واحد منا يقوم بالواجب المطلوب منه، ولكننا مع تواصل القصف الصهيوني العشوائي على شعبنا الأعزل استقبلت المستشفى عددًا كبيرًا من الشهداء والجرحى، فزعنا من هول المنظر؛ حيث تأتي جثامين الشهداء مُمَزَّقةً وأشلاءً، والطلقات والشظايا في كل أنحاء الجسم، والأعضاء متهتكة، والأطراف مبتورة، في مشهدٍ لم نعتده قط في حياتنا كأطباء.

 

لكننا سرعان ما نصمد بعد هول المشهد مع إخواننا الأطباء الفلسطينيين حين نتذكَّر قول المولى عز وجل: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)﴾ (آل عمران).

 

أما الجرحى فإن آلة الفتك الصهيونية تعمل عملها المريب والمروِّع بأسلحة فتاكة كلها مُجَرَّمة دوليًّا؛ من فسفور أبيض حارق، ومواد تذيب اللحم، وشظايا متفجرة لها فتحة دخول وليس لها فتحة خروج لتنفجر داخل الجسم.

 

ورأينا الجروح التي تنزف بشدة من كل مكان، وكنا نجد صعوبة بالغة في وقف النزيف، ويدخل الجرَّاحون غرفة العمليات فلا يجدون أسرَّة كافية لإجراء عمليات للجرحى فيضطرون إلى إجرائها على الأرض لإسعاف الجرحى ووقف النزيف وعلاج الحروق، ونتذكر قول ربنا: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ (النساء: من الآية 104)، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: من الآية 140).

 

لم تبرح الطائرات سماء غزة، ولم تنقطع أصوات القصف الغاشم العشوائي على كل مكان في غزة، حتى إن السماء تلبَّدت بغيوم مُخلَّفات القنابل، وانتشرت في كل مكان رائحة البارود، وانبعث غاز كريه الرائحة يؤذي الصدور ويُلهب الحناجر، وبات هواء غزة ملوثًا بمخلَّفات هذا القصف المجنون، وتبارى الأطباء في بذل كل الجهد لإنقاذ جرحانا البواسل.

 

لم يكن الوضع في مستشفى مجمع الشفاء بغزة بأحسن حالاً من مستشفى الشهيد محمد يوسف النجار برفح؛ الأمر الذي جعل المُنسِّقون في وزارة الصحة يطلبون عددًا من الأطباء للذهاب إلى غزة، فتحركت قافلة من الأطباء في 12 سيارة إسعاف تجمعت من أماكن شتى في مستشفيات القطاع بعد أن مكثنا ثلاثة أيام في رفح، وكانت السيارات تحوي أطباء من مصر والسودان وسوريا وإندونيسيا وتركيا وأوروبا في تضامن عربي إسلامي غير مسبوق، وتذكَّرت قول ربنا: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).

 

بعد مدينة رفح الصامدة عبرنا إلى مدينة خان يونس الحبيبة؛ حيث توقفنا عند مستشفى ناصر، ومنها إلى دير البلح الباسلة في محافظة الوسطى؛ حيث توقفنا عند مستشفى شهداء الأقصى، ومنها توجَّهت القافلة العربية الإسلامية إلى غزة البطولة والفداء، لكننا توقفنا في نقطة قبل دخول مدينة غزة على ساحل البحر الأبيض المتوسط عند مكانٍ يُسمَّى مستعمرة نيتساريم سابقًا؛ حيث قطع العدو الطريق المؤدي إلى غزة بعرض قطاع غزة، وانتظرنا ما يقرب من نصف ساعة حتى يسمح لنا بالمرور بالتنسيق مع الصليب الأحمر، ومررنا، ولكن عند نقطة وجود العدو الصهيوني رأينا الطريق قد دُمِّر بفعل القنابل، واتخذوا من هذه النقطة مأوى لعدد من الدبابات والسواتر الترابية، ودرنا في الرمال حول الطريق المقطوعة؛ حيث شاهدنا أربعة من الجنود الصهاينة يُشهرون رشاشاتهم وهم يرتجفون رعبًا وهلعًا رغم تحصنهم بالدبابات وبالسواتر الرملية، فتعجبت لماذا يرتجف هؤلاء رغم أنهم يُشهرون الأسلحة في وجوهنا ونحن عُزَّل، وهنا جال بخاطري قول الله تبارك وتعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر: من الآية 14).

 

وعلى مشارف غزة وجدنا خرابًا ودمارًا لم نره من قبل؛ فالمدينة الجميلة والنظيفة ذات الشواطئ الساحرة شُوِّهت بآلة الإجرام الصهيوني التي لم ينقطع قصفها العشوائي على المنشآت ومساكن المدنيين.

 

استقبلتنا إدارة مجمع الشفاء الطبي بحفاوةٍ بالغةٍ، وتبارت الوفود في إلقاء الكلمات الحماسية للتضامن مع محنة أهل غزة وفي مصابهم الجلل، وسارع الأطباء إلى الدخول في كل الأقسام للمساعدة ومد يد العون، وشاهدنا مناظر مروعة للشهداء والجرحى، وبأعداد أكبر عما رأيناه من قبل.

 

وعندما أعلن العدو وقف إطلاق النار من جانب واحد ظلت الطائرات تحلِّق في سماء غزة، ورغم ذلك هدأت الأحوال وصرنا نحزم أمتعتنا للعودة إلى مصرنا الحبيبة بعد أن أدينا القليل من الواجب الذي يلف رقابنا.

 

وكان أروع لقاء مع الدكتور باسم نعيم وزير الصحة الفلسطيني، الرجل الخلوق المتواضع ذي الطلعة الإيمانية، والذي حدَّثنا بحفاوة بالغة في تجمع ضم وفودًا من الأطباء العرب، وتحدَّث بأدب جم عن الوضع الكارثي الصحي بسبب العدوان، وتفاءل بالنصر القريب، وروى لنا بطولات كثيرة سطَّرها المجاهدون الأبطال على أرض المعركة.

 

وقبل رحيلنا زرنا بعض الأماكن التي قُصفت وسُوِّيت بالأرض، وبيوت عزاء الشهداء، وتحدَّثنا مع المواطنين العاديين، فرأينا بشرًا ليسوا كسائر البشر في الصبر والصمود وتحدي العدو المجرم؛ أناسًا يمارسون حياتهم بشكل عادي، وكأن شيئًا لم يحدث، وسطَّروا ملحمة سيظل الناس في شتى أرجاء الأرض حيارى في تفسير صمود وثبات وصبر هذا الشعب العظيم.
عدنا بفوائد عظيمة؛ منها أن الدماء التي رأيناها سفكت في قطاع غزة هي المحرك لإحياء فريضة الجهاد الباقية إلى يوم القيامة.

 

ومنها أن هذا الشعب أحسن صناعة الموت فوُهبت له حياة كريمة عزيزة، ولم يعد عنده الوهن الذي عندنا، وهو حب الدنيا وكراهية الموت.

 

وكانت أعظم الفوائد حين رأينا الأحزاب متمثلةً في قوى الشر في العالم من أمريكا وأوروبا ومن ساندهم يلتقون على كسر إرادة المقاومة في هذه البقعة المقدسة من أرض فلسطين، فأدركنا أن النصر سيأتي بإذن الله من تلك البقعة.

 

وعندما هدأت المعركة العسكرية الفاصلة في تاريخ الأمة اندلعت معركة سياسية هي الأخطر على الإطلاق ليأخذوا من المقاومة بالسياسة ما فشلوا هم في أخذه في ميدان القتال﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

 

-------

* عضو وفد اتحاد الأطباء العرب العائد من غزة.