البدوي عبد العظيم البدوي
لا يحسبن أحد أننا نتحدث عن هؤلاء الفتية المؤمنين؛ الذين ربط الله على قلوبهم ونجَّاهم من الظالمين؛ بعد أن أخذوا بالأسباب، واطلعوا ودرسوا الواقع الذي يعيشون فيه؛ فأراد الله أن يريَهم التمكين لدينه في الأرض، ويجعلهم للناس آية، ويخلِّد ذكرهم في العالمين.

ولكن من نتحدث عنهم اليوم هم أهل الكهف (موديل 2009 أحدث حاجة)، قوم وضعوا أنفسهم في كهف لا يسمعون إلا أنفسهم فقط، ولا يردِّدون إلا ما يرونه هم بنظَّاراتهم هم؛ فيرون النصر هزيمةً، والأخلاق بلاهةً ودروشةً وعدم وعي بأمور السياسة والواقع الدولي، تمامًا كمن يسمع نفسه وهو يتكلم بالكهف صدى صوته وأعوانه على أنه صوت الشعب، يؤيده ويؤازره ويهتف من أجل حياته، ويبايعه من أجل استكمال المسيرة.
هذا بالضبط هو ما نراه بأعيننا من ساسة هذه الأيام الذين يدَّعون حرصهم على الأمن القومي المصري والعربي، وأنهم فقط من يفهم هذا الأمن القومي، والذي تحدَّدت معالمه مؤخرًا على أيديهم هم وليس غيرهم، وحتى نتعلم من هؤلاء نرجو أن يبذلوا الجهد كي يعلِّمونا ويُرونا ما لا نراه؛ حتى نفهم مثلهم ما فهموا، فنساعدهم ونتخندق معهم حفاظًا على الأمن القومي المصري الذي ننتمي إليه ونفديه بالغالي والنفيس.
كيف يرى أو يفهم هؤلاء مطالبات دول حوض النيل زيادة حصتها من مياه النيل على حساب حصة دولة المصب (مصر)؟ وهل لهذه المطالبات علاقة بالتغلغل الصهيوأمريكي في إفريقيا، وبناء مصالح مع أنظمتها الحاكمة بل والمعارضين لها؛ حتى يضمنوا وجودهم في جميع الأحوال، وترتبط مصائر تلك الدول بتلك القوى الاستعمارية.
وكيف يرون أو يفهمون ما يحدث في السودان من محاولات لتفتيته وتجزئته إلى دويلات، بدايةً بالجنوب وإمداد أهل الجنوب بالسلاح والعتاد، حتى قويت شوكتهم، واضطرت الحكومة السودانية إلى عقد اتفاق مهين؛ يمهِّد لانفصال الجنوب بعد فترة من الوقت، ومرورًا بدارفور، واتهام الحكومة السودانية بارتكاب جرائم حرب ضد أهلها في اتهامات غير ثابتة ومحل شك في مقابل الجرائم الصهيونية؛ التي لا يختلف اثنان على أنها جرائم لم يسبقهم إلى ارتكابها أحد إلا صهاينة مثلهم؛ فلا توجد فيها جرائم حرب، ولا يجرؤ أحد على توجيه خطاب رسمي لمحكمة جرائم الحرب لتوجيه الاتهام لمرتكبي تلك الجرائم؛ فلا عباس ولا أية حكومة عربية من المعتدلين أخذ خطوةً في هذا الشأن، وأحسبهم لن يتخذوا أية خطوة في هذا الشأن.
وكيف يفهمون أو يرون السيطرة الأمريكية والأوروبية للبحر الأحمر والمتوسط والخليج العربي والمحيط الهندي؟ وهل تصب تلك السيطرة في صالح الصهاينة؟ أم أنها في صالح الدول العربية؟ بل والأدهى من ذلك المطالبات الصهيونية برقابة أوروبية وأمريكية لمنع تهريب الأسلحة إلى حماس لن تؤدي في النهاية إلا إلى اختراق المياه الإقليمية للدول العربية، وعلى رأسها مصر، وبذلك يكون قد تم رسم ملامح جديدة للأمن القومي المصري، وهي السماح باختراق المياه الإقليمية والمجال الجوي المصري والتخلِّي حتى عن اشتراطات معاهدة السلام المصرية الصهيونية، والتي تمنع الطيران الحربي للأخيرة من التحليق فوق محور صلاح الدين، فضلاً عن قصفة بالقنابل وإزهاق حياة مواطنين مصريين، وسلم لي على حقوق الموطن والمواطنة التي يرفعون شعاراتها، وكأن بلادنا ليس فيها أحد يقرأ التاريخ، وكأن كل تلك الحملات جنوبًا حتى منابع النيل وشرقًا حتى بلاد الشام والجزيرة العربية والمشاعر المقدسة وغربًا حتى تونس والتي أرسلها الفراعنة ومن بعدهم الرومان ثم المسلمين مرورًا بالمماليك وحتى محمد علي والإنجليز، وكأن كل هؤلاء لم يعرفوا معنى الأمن القومي لا المصري ولا العربي.
أما أهل الكهف هؤلاء فهم يعرفون ما لم يعرفه هؤلاء الأقدمون، ووضعوا ملامح وحدود هذا الأمن القومي الذي لم يضعه الغابرون، أليس هذا كلامًا لا يخرج إلا من أهل الكهف على آخر موديل 2009، وهو ذات الموديل الذي يرى أن لا أمل في المقاومة، والتي تسبَّبت في مقتل 1500 مواطن فلسطيني وأضعافهم من الجرحى، ونسوا أن يذكِّرونا بأعداد من مات في العبَّارة أو من مات تحت هضبة المقطم دفعةً واحدةً دون أن يحاكم أحد أو يتحمل المسئولية أحد.
وبالطبع ليس هناك تكذيب أو تعقيب على تصريحات جلعاد عاموس أن مصر صرَّحت بأن بقاء نظام حماس يشكِّل تهديدًا على النظام المصري، ولا عزاء لدماء الشهداء على أرض سيناء من الأسرى المصريين؛ الذين قتلتهم حماس بدم بارد، وحتى لو تم تكذيب تلك التصريحات وهو ما لم يحدث كيف نصدق من بدأت الضربة من بين يديه ولم يكذب بصورة عملية واحدة أنه لم يكن بعلم بما تم توريطه فيه صهيونيًّا، وكيف يكذب بعد ما أعلن عنه الكيان الصهيوني عن موافقته على الترتيبات الأمنية المكتوبة بين مصر لحصار الشعب الفلسطيني بغزة ومنع دخول أي إمدادات غذائية لهم.
في الواقع أعتقد أن أهل الكهف الأقدمين لديهم رؤية وقراءه للواقع الذي عاشوا فيه، أما أهل الكهف اليوم فلا يرون إلا أنفسهم وما يُملَى عليهم من أوامر وتعليمات لتثبيتهم على كراسيهم، وأخيرًا نرجو أن يفهم أهل الكهف أن الأمن القومي المصري يعني كامل مصر وليس مجرد الأمن القومي لحي مصر الجديدة!.
----------
* مستشار قانوني- محكّم تجارى دولي- باحث.