لا شك أن رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي عبَّر بشكل مشرّف وصادق عن نبض الشعوب الإسلامية, والعربية أثناء أحداث المجزرة الوحشية التي قام بها الكيان الصهيوني الغاصب على غزة، وهذا يدل على أنه مسلم يأبى الضيم، ويحب العزة والكرامة.

 

فبالرغم من العلاقات الدبلوماسية بين تركيا والكيان الصهيوني إلا أنه حينما وجد أن هذا الكيان المغتصب تعدى كل الخطوط الحمراء، والأعراف الدولية والإنسانية وقف وقفة رجل يؤمن بقضية أمته ويدافع عنها، بعد أن غاب عن عالمنا الرجال في سدة الحكم الذين يتحكمون في مصائر شعوبهم ويكبتون إرادتهم وحرياتهم.

 

شكرًا لك يا أردوغان؛ لأنك أشعرتنا أنه ما زال في الأمة الإسلامية حاكم يغضب لانتهاك الحرمات التي ارتُكبت في حقِّ إخوانه من المسلمين في غزة، ويا ليت الحكام العرب والمسلمين والحكومات المستأنسة تتعلم منك الدرس.

 

وكان الموقف قد انفجر خلال جلسة نقاش حول الوضع في قطاع غزة، دافع فيها رئيس الكيان الصهيوني بشراسة عن سياسة بلاده الوحشية في غزة قائلاً إننا "دولة ديمقراطية تكافح وتقاتل منظمة إرهابية غير شرعية"، رافعًا صوته من حينٍ لآخر، ومتوجهًا بالحديث مباشرةً إلى رئيس الوزراء التركي.

 

وحين همَّ أردوغان بالرد على شيمون بيريز، وبعد وقتٍ وجيز، قاطعه "دافيد إينياتيوس"، وهو صحفي من "واشنطن بوست"، كان يدير النقاش، بدعوى انتهاء الوقت، فما كان من المسئول التركي إلا أن غادر قاعة المؤتمر، بعد أن توجّه إلى المنظمين بالقول: "لا أعتقد أنني سآتي مرة أخرى إلى دافوس، أنتم تمنعونني من الكلام".

 

وكان أردوغان قد ردَّ على كلام رئيس الكيان الصهيوني بالقول قبل مغادرة المنصة: "حينما يتعلق الأمر بالقتل، فأنتم تعرفون جيدًا كيف تقتلون، وأنا أعرف جيدًا كيف قتلتم أطفالاً على الشواطئ".

 

من جهةٍ أخرى، ندد السيد أردوغان بما أسماه "الإفراط في استخدام القوة من طرف إسرائيل"، ووصف الوضع في غزة "بالسجن في الهواء الطلق" بسبب الحصار المضروب على القطاع، وخاطب المؤتمرين : "إذا أردنا تجذير الديمقراطية، فعلينا احترام الذين تختارهم الشعوب، حتى لو كنا مختلفين معهم".

 

وقد احتشد الآلاف من الشعب التركي لاستقبال أردوغان في إستانبول استقبال الأبطال لدى عودته، وردد المتظاهرون شعارات تندد بإسرائيل وبهجومها على قطاع غزة وهتفوا "إننا نفتخر بك".

 

الجدير بالذكر أن رئيس الوزراء التركي هو الوحيد الذي أعاد استشراف التاريخ- بشكلٍ صحيح- أثناء المجزرة على قطاع غزة "وتحدث كرئيس وزراء لأحفاد الدولة العثمانية، وأحد أبناء تلك الدولة التي آوت اليهود بعد طردهم من إسبانيا"، وقدمت لهم ما يحتاجون إليه، ولكنهم- كعادتهم- لم يراعوا الفضل، ونشطوا في إثارة الفتن، ودس المؤامرات لإسقاط الخلافة العثمانية.

 

وفي صفعةٍ للنظام الدولي الهزيل الذي فشل في فرض قراره على الكيان الصهيوني بوقف إطلاق النار قال: "لا يلومنّ أحد تركيا إذا هي لم تلتزم بقرارات المجتمع الدولي قياسًا على إسرائيل".

 

شكرًا لك يا أردوغان، فقد كشفت لنا عن ضعف الأنظمة العربية في معالجة الوضع المتدهور في غزة، وأكدت لنا أن هؤلاء لا يمثلون شعوبهم وإنما يمثلون أنفسهم ومصالحهم.. أما تخجل الأنظمة العربية ألا يكون فيهم مثل رئيس الوزراء التركي؟!.

 

أتمنى على كل حاكم مسلم أن يعي دوره، ويقوم بتحمل مسئولياته ولا يخشى إلا الله، ويتحرك في كل قضايا أمته بناءً على ما يمليه عليه ضميره وصالح أمته وشعبه، لا أن يذل ويخضع للابتزاز والضغوط الأمريكية والصهيونية، ويتصالح مع شعبه، ويتترس به في مواجهة العدوان الخارجي الذي يريد أن يفتت الأمة.

 

وقد أكد النبي- صلى الله عليه وسلم - على مسئولية الحاكم تجاه شعبه فيقول: "ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة"، ورحم الله عمر الفاروق- رضي الله عنه- حينما قال "ليتني خرجت منها كفافًا لا عليّ ولا لي".

 

هذه هي القيادة السوية التي تقوم بمسئوليتها تجاه شعبها، كما عبّر عنها "ج. كورتوا" في كتابه "فن القيادة": "تحتاج الجماعة إلى رئيس يقودها. وهي بدون رئيس كالجسم بدون رأس أو كالقطيع التائه يسير بلا راعٍ نحو المجهول تتقاذفه الأهواء حتى يسقط فريسة بين أنياب المفترسين"، و"ليست القيادة خلق شيء بقدر ما هي خلق رجال أو السيطرة عليهم وحبهم والحصول على محبتهم وعظمة هذه المهمة ناشئة عن توحيد الصفوف في سبيل واجب مقدس".

---------

* nassareg2000@yahoo.com