وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً          على النفسِ مِن وَقْع الحُسامِ المُهَنَّدِ

حين وقع العدوان الصهيوني الأخير على غزة في 27/12 بكل الوقائع التي اتسمت بالنازية والبربرية والوحشية؛ من استهدافٍ للمدنيين، وقتل النساء والأطفال، وتدمير البيوت والمساجد والمدارس والجامعات، وضرب مقار غوث اللاجئين.. لم يكن كل هذا الإجرام من الكيان الصهيوني جديدًا في ذاته، ولا صادمًا أو مفاجئًا لنا؛ فهو امتدادٌ لتاريخ إجرامٍ امتدَّ عبر الأجيال المتعاقبة من لدن عصابات "الأرجون" و"الهاجاناه" وعبر مجازر دير ياسين وكفر قاسم وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وجنين وقانا وإلى اليوم، بما يدحض أية شبهة في احتمال لجوء هذا الكيان الإجرامي إلى خيار السلام العادل من جانبٍ، أو احتمال استخلاص حقوقنا منه عن طريق التسوية والمفاوضات من جانبٍ آخر.

 

وكذلك لم يكن موقف العالم الغربي الأمريكي منه والأوروبي (ولا المؤسسات الدولية) من صمتٍ واستعجالِ تحقيقِ الأهداف بجديدٍ ولا صادمٍ؛ فالمواقف التاريخية للجميع معروفةٌ، وتبادل الأدوار بين بريطانيا التي تعهَّدت ونفَّذت عهودها بإقامة وطن قومي لليهود على حساب الشعب الفلسطيني، وأمريكا التي قامت بالاعتراف الفوري بقيام الدولة الصهيونية، ثم بالدعم الكامل لأمنها وضمان تفوقها العسكري على مجموع أمتنا، وفرنسا التي قامت بالتسليح النووي، وألمانيا التي أعطت الأموال المتدفقة للنازيين الجدد تكفيرًا عما ارتكبه النازيون القدامى.

 

الحصار السياسي على غزة

كان من المفترَض أن يكون أول القادمين إلى غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار- من أجل دعم صمود الشعب الفلسطيني- هو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لا بان كي مون، وأن يعقبه في اليوم التالي زيارة رئيس وزراء مصر، أو بالحد الأدنى وزير الخارجية المصري، بما يعني وقوف ذوي القربى؛ الأب منهم والشقيق الأكبر، بجانب أهل غزة ضد هذا العدوان، لكن وجدنا من الطرفين الفلسطيني والمصري الرسميين صمتًا أمام التصريحات الصهيونية التي أعلنت العدوان على غزة في 25/12 من القاهرة، ثم تبريرًا للعدوان ولومًا للمقاومة صبيحة وقوع العدوان، ثم تعويقًا- يتفاخر به وزير الخارجية المصري- وإفشالاً لاجتماع قمة عربية في الدوحة أولاً وثانيًا، ثم حضورًا مع القادة الأوروبيين في شرم الشيخ الذين اتجهوا على التو إلى تل أبيب لإعطاء صكوك الغفران لتبرئة مجرمي الكيان الصهيوني من أية اتهامات، علاوةً على الترتيبات والتنسيقات والتفاهمات الازمة للحصار العسكري على غزة برًّا وبحرًا وجوًّا.

 

لم تحدث هذه الزيارة المصرية الرسمية لغزة، ولم يتم استدعاء مسئولين سياسيين من الحكومة الفلسطينية في غزة للتشاور معهم، حتى باعتبار أننا نقف على مسافة متساوية من فصيلين سياسيين مختلفين (لكن تمت تشاورات على المستوى الأمني مع مسئولين في حركة حماس لتبقى القضية في الإطار الأمني لا السياسي).

 

طلبنا من السيد رئيس مجلس الشعب تشكيل وفد برلماني من مختلف القوى السياسية، أو حتى من الحزب الوطني، ليقوم من خلال الدبلوماسية البرلمانية بزيارة غزة حين لم تقم حكومة مصر ولا خارجيتها بهذا الواجب، فلم يَسْتَجِبْ لمطلبنا، فأخطرناه أن وفدًا من نواب الإخوان المسلمين وحزب الكرامة تحت التأسيس والمستقلين سيقوم بهذه الزيارة التي تهدف إلى دعم صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة عدوان غاشم عليه، ومؤازرة أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني (المجلس الذي تم اعتقال ثلث أعضائه وتم تدمير مقره تدميرًا كاملاً)، كذلك كنا نهدف إلى الاطلاع على حجم الدمار والاستهداف للمدنيين ومؤسسات المجتمع المدني بما يتيح دعم أي حراك قانوني في المحافل الدولية ضد مجرمي الحرب الصهاينة، وكذلك الاطلاع على مشروعات الإعمار بما يمكن من مساهمة شعوبنا في الإعمار بعيدًا عن المساعدات الدولية والأوروبية المشروطة بتصفية المقاومة والمقاومين.

 

تحرَّكنا ثمانية نواب- ازدادوا بعد ذلك إلى 11 نائبًا- إلى رفح؛ طلبًا لدخول غزة للقيام بهذه الواجبات التي ظننا أنه سيُسمح لنا بالقيام بها، لكن ظللنا يومين معتصمين أمام بوابة المعبر نجري اتصالات مع المعنيين الذين أعيتهم الحيل فلم يستطيعوا تبرير رفضهم دخولنا، ولم نجد من ورائنا سفارة أوروبية تفرض دخولنا كبرلمانيين كما فعلت السفارات السويسرية واليونانية والنرويجية مع نوابها، ولم نجد تفسيرًا لهذا المنع سوى الإمعان في الحصار السياسي على غزة؛ لأن زيارتنا كانت- بلا شك- ستعطي دعمًا سياسيًّا صمودَ الشعب الفلسطيني ومؤازرةً أعضاءَ المجلس التشريعي الفلسطيني، وتعضيدًا حكومةَ الشعب الفلسطيني التي شكَّلها هذا المجلس، وهو ما لا يريده ذوو القربى؛ لا السلطة الفلسطينية ولا الحكومة المصرية، فضلاًٍ عن الكيان الصهيوني.

 

تذكَّرت وأنا على بوابة المعبر كيف كانت مصر الرسمية ترفض استقبال إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني في القاهرة، وتذكَّرت غداء العمل الوحيد الذي تم له في القاهرة، والذي أقامه اتحاد الأطباء العرب في مطعم بسيط أمام نقابة الأطباء بشارع قصر العيني؛ لأن أحدًا من المسئولين المصريين لم يقابله، حتى وزير الخارجية رفض مقابلته.

 

تذكَّرت كيف جاء محمود الزهار وزير الخارجية الفلسطيني مرارًا ولم يكن أحدٌ من المسئولين المصريين يستقبله، بل حتى يعزيه يوم أن كان في القاهرة وهو وزير وحدث العدوان الصهيوني على غزة واستشهد ابنه وزوج ابنته.. إنه الحصار السياسي لحكومةٍ انتخبها الشعب الفلسطيني على خيار المقاومة.

 

الحصار الإغاثي

لا أتحدَّث هنا عن الحصار الاقتصادي الذي جمَّد حركة البيع والشراء، وجمَّد كافة أنشطة الحياة في غزة طوال العامين الماضيين، ولا الحصار المالي الذي حجب الأموال عن الحكومة الفلسطينية المُنتخَبة ومنع المرتبات عن الموظفين من قِبل السلطة، ولا الحصار البنكي الذي قرَّرت البنوك العربية فرضه بحظر التعامل مع البنوك الفلسطينية ومنع التحويلات إلى الداخل الفلسطيني، لكن أتحدَّث عن حصار الإغاثة الإنسانية لشعبٍ أعزل محاصَر وقع عليه العدوان؛ الأمر الذي كان يوجب- وفقًا لكل القوانين والشرائع- فتح الحدود أمام منكوبيه وإغاثتهم وتقديم كافة المساعدات إليهم (بالطبع ليس من معابر الاحتلال الذي قام بالعدوان، ولكن من البوابة الوحيدة التي لا يديرها الاحتلال، وهي بوابة معبر رفح).

 

وقفنا يومين أمام بوابة المعبر، وفي خارجه عشرات من الشاحنات العملاقة، فُتحت بوابة المعبر أقل من ساعة في اليوم لدخول سيارتين أو ثلاث محملة بالأدوية أعيدت واحدة أو اثنتان منها، ومرَّت واحدة، بينما بقيت عشرات الشاحنات خارج المعبر.

 

قابلت أساتذة في جراحة العظام والتخدير جاءوا بغرف عمليات كاملة من باكستان ورُفض دخولهم.. قابلت مسئولي جمعيات جاءوا من جنوب إفريقيا وأخبروني أنهم وقوف منذ ثلاثة أيام وسيعودون إلى بلادهم لأنهم لم يستطيعوا الدخول ولا إدخال مساعداتهم.

 

أخبرني الشهود أن المعبر لليوم الثالث عشر على التوالي لم يدخل من خلاله كيلو واحد مساعدةً غذائيةً (غير الدواء)، وأخبروني أن الجانب الفلسطيني أكد لهم أنهم لم يعودوا في حاجة إلى أدوية، لكنهم في حاجة ماسة إلى الغذاء والمساعدات الإنسانية (غير الدواء).

 

رأينا مندوبين عن الحزب الوطني يتحدَّثون أمام كاميرات جاءت خصيًصًا لهم ويذكرون أنهم أدخلوا اليوم 600 طن من المساعدات الغذائية ويشكرون الحكومة والأجهزة، في الوقت الذي لم يدخل فيه من المعبر خلال هذا اليوم سوى ثلاث سيارات؛ عاد منها اثنتان أمام أعيننا ومرت واحدة فقط.

 

عدنا إلى العريش فكانت الطامة الكبرى؛ إذ وجدنا الشوارع والساحات والميادين ملأى بالشاحنات التي تحمل عشرات الآلاف من الأطنان من كافة المساعدات التي جاءت من مختلف الأقطار ومن مختلف محافظات مصر ومُنعت من الدخول طوال الأسابيع الماضية، ووقفت في شوارع وميادين العريش؛ تدفع يوميًّا آلاف الجنيهات إيجارًا لها، في الوقت الذي مُنعت فيه هذه المساعدات عن الشعب الفلسطيني المحاصَر في غزة، وهي المساعدات التي جُمعت من أموال الشعب الفقير، وهي مهددة بالتلف والفساد والضياع إذا بقيت هكذا.

 

جريمتان في وقت واحد: يُحرَم الشعب الفلسطيني من المساعدات في وقت هو في أمس الحاجة إليها، وتُهدر أموال الشعوب.

 

قال لي البعض إن الحكومة تدفع الشعب الفلسطيني مرةً ثانية إلى اقتحام الحدود لأخذ ما جُمعَ من أجله وحُجزَ عنه، قلت: بل واجبنا نحن استمرار الضغط الجماهير، مطالبين بفتح معبر رفح، وإلا نكون قد شاركنا في حصار إخواننا وبدَّدنا أموالنا التي قدَّمناها لهم؛ لا أقول تبرعًا، بل قيامًا بالحد الأدنى من الواجب نحوهم.. وهذا هو واجب الوقت.

 

أخيرًا.. حين ننتقد الأداء المصري في أحداث العدوان على غزة وتراجع الدور المصري على الصعيد القومي العربي، والذي اتخذ من شعار (مصر أولاً وآخرًا) عنوانًا للمرحلة؛ نجد أنفسنا أمام كتيبة الساسة والكُتَّاب الذين يهاجموننا، بل ويهددوننا، أننا نسيء إلى مصر، وأننا جزء من محور الشر الجديد (إيران- سوريا- حزب الله- حماس- قطر- (الجزيرة)- تركيا- موريتانيا-.فنزويلا- الشعوب العربية والإسلامية بل حتى الأوربية المتظاهرة ضد العدوان ومؤيديه) وكأن الذي يسيء إلى مصر ليس هو الذي تسبَّب في هذه المواقف التي أهاجت الرأي العام المصري والعربي والدولي، ولكن الذي يتحدث عن وجوب تصحيح هذه المواقف.